Tuesday, January 3, 2012

وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ


حصل نقاش بيني و بين بعض الإخوة في احدى المواقع الإجتماعية ألا و هو موقع تويتر. كان موضوع النقاش هل المخطؤون يستحقون العفو أم لا, فكان رأي البعض إن مثل هؤلاء لا يستحقون العفو بل نرد الصاع صاعين, و لا نضيع أوقاتنا بإقناعهم أو تصويب أخطائهم بل ندّخر جهودنا و أوقاتنا في أمور أهم, أما هم فسنرميهم وراء ظهورنا. أما عن نفسي فقد خالفتهم الرأي و بقيت متمسكا برأي و هو أنهم يستحقون العفو. لعل البعض لا يوافقني على كثير أقوالي لكني أظن أني مصيب فيها ولله الحمد و سبب اقتناعي بذلك قراءتي هذه الآية: ((لّقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـَهٍ إِلاّ إِلَـَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لّمْ يَنتَهُواْ عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسّنّ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(74) )) ]سورة المائدة[ و هذه كانت من أقوال النصارى حيث أنهم زعموا أن الله ثالث ثلاثة: "الله, عيسى, مريم" تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. فرد الله عليهم و أشباههم "و ما من إله إلا اله واحد" متصف بكل صفة كمال, منزه عن كل نقص, منفرد بالخلق و التدبير, ما بالخلق من نعمة إلا منه, فكيف يجعل معه إله غيره!!؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. و أخيرا دعاهم إلى التوبة عما صدر منهم و بيّن أنه يقبل التوبة عن عباده فقال ((أفلا يتوبون إلى الله)) أي: يرجعون إلى ما يحبه و يرضاه من الإقرار لله بالتوحيد, و بأن عيسى عبدالله و رسوله – عما كانوا يقولونه, ((ويستغفرونه)) عن ما صدر منهم ((والله غفور رحيم)) أي: يغفر ذنوب التائبين, و لو بلغت عنان السماء, و يرحمهم بقبول توبتهم, و تبديل سيئاتهم حسنات. و صدر دعوتهم إلى التوبة بالعرض الذي هو في غاية اللطف و اللين في قوله ((أفلا يتوبون إلى الله)) و ما ذكر من فوائد تفسير السعدي رحمه الله. فإن كان هؤلاء يستحقون العفو إن تابوا فما بال من لم تصل إساءته إلى هذا الحد و رجع عن الخطأ!؟

ثم إني أقول للمخالفين, ها أنت الآن قد وفقت للحق و فعل الصواب, و أولئك كان منهم الخطأ و غير ذلك, هل سألت نفسك يوما, ماذا لو كنت أنت مكان المخطئ؟ هل كنت سترضى أن لا يقبل بك أي شخص حولك فلا يؤخذ منك عدل ولا تنفعك شفاعة الشافعين, بل تكون مطرودا من رحمة الخلق! إضافة إلى ذلك وجدت كل من حولك يستهزئ بك و يعاديك لأنك مخطئ و يزدريك, و خاصة إن كنت مخطئاً عن قصد لا عن جهل. لا أظن أحدا يرضى بذلك لنفسه! فما بالنا نرضى أن يكون إخواننا و أخواتنا في مواقف كالتي ذكرت. أعزائي إن من البشر من يخطئ و يصيب و لا يوجد إنسان معصوم إلا من عصمه الله من الأنبياء و الرسل, فلا داعي لنبذهم و تركهم سدى لمجرد أنهم أخطؤوا, بل علينا أن نعلّمهم و نخرجهم من ظلمات الجهل و الخطأ إلى نور الحق. إني لا أنكر من قصد الإساءة و أخطأ و استمر على ذلك في أمور يحتملها الخطأ أقول نعم مثل هؤلاء نردعم و نعزرهم على أفعالهم, لكن إن علمنا منهم صدق الرجوع عن الخطأ فلا بأس بقبولهم.

لا يظن من قرر أنه لن يعفو عن المسيء بل يرد الصاع صاعين أن عمله محمود  (أي عدم مسامحة المخطئ) فإنه في حقيقة الأمر مخطئ. تخيلوا معي هذا الشخص و قد تركه أصحابه و بدؤوا بالإساءة إليه فقط لأنه لم يسامح الخطأ و رد الصاع صاعين, لصرخ و قال: "ماذا فعلت لكي تكرهوني" فالإنسان لا ينبغي أن يكون أنانياً بل أولا يحمد الله أنه حفظه من الخطأ و من ثم يحاول قدر ما يمكن أن يضع نفسه مكان الطرف الآخر فبذلك يرق قلبه لحال الطرف الآخر. فمن كان رقيق القلب بدل أن يحاول أن يدفع الطرف الآخر و يرميه في الوحل, لمد يد العون ليساعده على النهوض, و هكذا الكرام إن رأوا من قد وقع في الوحل مدوا أيادي العون.

لكن يحسن أن ننتبه لأمر و هو أنه بالرغم من فضائل العفو و الحث عليه و أن أصل العفو جميل إلا علينا أن ننتبه أن هناك "العفو القبيح". أقصد بالعفو القبيح هو ذاك العفو الذي يساعد على الإستمرار في الخطأ و يشجع على تكرار الإعتداء من الطرف الآخر و يشجع على تهديد أمن الناس و البلاد و معتقداتهم النابعة من الإسلام, فالعفو هنا يكون عفوا قبيحاً. و أعطيكم مثالا يوضح لكم ذلك, إن كان لك إبن أساء معاملتك و شتمك و تفوه بكلمات قبيحة, فالأصل العفو عن الإبن, لكن إن علمت أن هذا الإبن إن عفوت عنه سيستمر بشتمك و الإساءة إليك فهنا تستخدم أسلوب التعزير و العقوبة لكي لا يعود إلى عمله. فالعقوبة نوع من أنواع العلاج, فبالعقوبة يرتدع الإبن عن التصرف الخاطئ و يرتدع من كان يقتدي بهذا الإبن و العقوبة عبرة للمتربصين بنا. قد تسألني كيف نميز بين العفو الجميل و العفو القبيح, أقول إن العفو الجميل هو العفو الذي يساهم و يعاون في إصلاح الطرف الآخر (سواء كان فردا أو جماعة أو المجتمع) في التزام الصواب و ترك الخطأ, أما إن كان العكس أقصد إن كان يساهم و يعاون في إفساد (فرد أو جماعة أو المجتمع) فهنا يكون العفو قبيحا.

إخواني و أخواتي, اعلموا بأن العفو عظيم الأجر, سبب للمغفرة, طريق إلى الجنة, خلق الكرام, تنال به العزة. أما أنه عظيم الأجر فلقول الله سبحانه و تعالى: ((فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)) و من كان أجره على الله فهو خير له, وأبهم الأجر تعظيما لشأنه و تنبيها على جلالته أنه لا يدرك منتهى الأجر إلا الله سبحانه و تعالى. و أما كونه سبب للمغفرة فلقوله سبحانه: ((وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) أسألكم أعزائي, من منا لا يحب أن يغفر الله له؟ ألسنا ندفع الأموال و نزاحم الناس و نركب الأهوال والمخاطر لنحج بيت الله أو نعتمر رجاء مغفرة الله و عفوه.  أما كونه طريق إلى الجنة فاقرؤوا هذه الآية العظيمة: ((وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ *أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)). و أما كون العفو خلق الكرام فقد قال الله سبحانه و تعالى: ((فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) فقال الله إنه يحب المحسنين و ذكر من صفات المحسنين أنهم يعفون و يصفحون. و أما نيل العزة فقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "وما زاد الله عبدا بعفوا إلا عزا ، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله"

و احذر أن يفتنك الشيطان و تظن أن عفوك عن الآخرين تفضل منك تحاجّ به ربك, لكن احتسب الأجر في عفوك تذللا لله رجاء أن يعفو عنك و يغفر لك. لاحظ إحسان الله إليك, أن وفقك إلى أن تعفو عن الآخرين, فلا ترى أنك المتفضّل. قد تستغربون مني هذا القول و قد تظنون أن بي جنونا, أحيانا إن أساء إلي البعض و من ثم عفوت عن المسيء فقد يشكرني و يثني علي, لكني في قرارة نفسي أشكر الله أن قد يسّر لي هذا الموقف, فأعطاني فرصة لكي أعفو عن الآخرين فأكون قد بذلت سببا لكي يعفو الله عني و أعطاني فرصة أن أكون من المحسنين. إن فضل الله علينا أعظم بكثير من إحساننا إلى الآخرين بالعفو عنهم و لن يدرك ذلك أعمى البصيرة. أخيرا أعزائي, إني أشهدكم جميعا أني قد عفوت عن كل من أساء إلي في العام الماضي و الأعوام التي قبلها إلى الآن, و أسأل الله أن لا يدع في قلوبنا غلا للذين آمنوا و أن يعفو عنا.

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته. 


3 comments:

  1. قال الله الله : { إن الله لعفو غفور} الذي لم يزل، ولا يزال بالعفو معروفاً، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفاً وهو الذي يتجاوز عن الزلات بفضله وكرمه فلا يعاقب عليها ولا يعاتب صاحبها مبالغة في إكرامه له وعطفه عليه ولا يذكره بها حتى لا يحرجه ويخجله ويمحو آثارها محوا تاما وينسيه إياها وينسي كذلك الحفظة حتى لا يشهدون عليه وينسي جوارحه والأرض التي عصاه عليها وهذا هو العفو في أسمى صوره وأرقى معانيه. كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته ، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه. وقد وعد بالمغفرة والعفو ، لمن أتى بأسبابها ، ذكر القرآن : { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى }.

    ReplyDelete
  2. I agree completely with what you said. If Allah can forgive others as well as us for the small AND BIG sins we are committing, who are we to not forgive as easily? Sub7an Allah. Yes it's hard I admit that, but forgiving is the purest way to make everything okay again.

    Giving second chances is something great, I'm for it. However, as you said, a second chance to teach them a lesson that it's not okay to do it again. Also, when it comes to forgiving, it doesn't mean that the relationship with the person who did the mistake is going to be the same... but it's better than not having a relationship anymore and ending everything on bad terms.

    Anyways, well said mashallah.

    ReplyDelete
  3. صح لسانك اخوي عبد العزيز و انا اعترف التقيت ببعض الناس من الطرفين فاحدهم ظالم و الاخر مظلوم و اقول لهم دائما انه لا شي دائم و كل شئ زائل فليرتبوا اولوياتهم و مبادئهم في الحياة بسرعة ليتمكنوا من اللحاق بركب الصالحين و ليكون الرسول عليه الف الصلاة و السلام قدوتهم فقد عفا عن الكثير فما لنا نتمسك بصغائر امور الدنيا و لا نتركها و ما خطه قلمك عن قدرة القادر و حلم الله عز و جل يجب ان يكون من الامور التي تؤخذ في عين الاعتبار للعديد من الناس..

    أشكرك على مدونه آكثر من رائعة ^ـ^ و اتمنى لك و لقلمك التوفيق الدائم

    ReplyDelete