Wednesday, February 1, 2012

الإشكالية بين الإسلام و الليبرالية



السلام عليكم و رحمة الله و بركاته... هذه أيضا مشاركة عن الليبرالية, في المشاركة الأولى عرّفنا بالليبرالية و أهدافها, و المشاركة الثانية سلطنا الضوء على المصطلح الدخيل: "الليبرالية الإسلامية" و أنه مصطلح لا ينبغي أن يستخدم و في هذه المشاركة سيكون التركيز على الإشكالية بين الإسلام و الليبرالية بسبب لوازم الفكر الليبرالي. أقصد بلوازم الفكر الليبرالي, بمعنى ما يترتب إن تم تطبيق الفكر الليبرالي! أضع الإشكاليات بين أيديكم و من ثم احكموا إن كان في هذا الفكر خير! و سأعتمد على ما كتبه الدكتور الفاضل أحمد جلال فؤاد و الأخ الفاضل عبدالرحمن محمد الهرفي

أما ما قاله الدكتور: "عيوب في التطبيق الديموقراطي و الليبرالي:ـ الديموقراطية تعني حكم الأغلبية، حتى لو أضر بالأقلية، وهذا العوار السياسي إحتاج إلى إصلاح فتأتي الليبرالية لتضمن حريات الأقليات، وتنشأ "الديموقراطية الليبرالية". لاحظ عزيزي القارئ أن الإسلام ضمن حقوق الأقليات – في وثيقة المدينة – قبل 1400 سنة من إكتشاف الديموقراطيين لهذا النقص في مذهبهم ، وإحتياجهم لمساعدة من الليبرالية! ولكن الليبرالية تطلقُ حريات الأفراد دون قيد أو شرط طالما لا تهدد "مصالح" الآخرين. ولكن هذا أيضاً عوارٌ سياسي سيصيبُ الليبرالية ، إن لم يكن أصابها الآن، فالمجتمع الغربي الليبرالي يعاني من خلل إجتماعي له إنعاكسات إقتصادية، قد تكون كارثية على الصعيدين، بمعنى:ـ الفرد له مطلق الحرية الشخصية في ممارسة ما يريد. معاقرة الخمور أو الشذوذ الجنسي هو حرية فردية.. مبدأ يبدو برّاقاً ومغرياً. ولكن هذه الحرية تنسىَ أنّ الفردَ – في المنظورِ الإسلاميِ – جزءٌ من المجتمعِ و الكونِ بأسره، وسلامته العقلية والحفاظ عليها من مقاصد الشريعة، ولكن دعونا نتكلم بشكل براجماتي و نفعي بحت.

هذا المدمن للخمور الذي وصل لتليف بالكبد على سبيل المثال، و توقف عن ممارسة عمله في المجتمع، أو الشاذ جنسياً الذي أصيب بالأيدز، وأيضاً لم يستطع مواصلة عمله، بل واحتاج لرعاية صحية وتأمين لمعيشته، يتكفل به دافعوا الضرائب، وهم مواطنون صالحون لم ينزلقوا لهذا المنعطف – تحت ذريعة الحرية، وكأنهم يدفعون ثمن إستقامتهم وصلاحهم لمن إختاروا – بإرادتهم وحريّتهم – أن يعادوا قيم الخير و الصلاح والإستقامة. ولا يعني هذا أبداً رفض التكافل الإجتماعي ، وهو مبدأ إسلامي هام، ولكن هذه الحرية الفردية أثّرت في النهاية على الصالح العام، فأفقدت المجتمع عضواً نافعاً، بل وأصبحَ عالةً على باقي الأفراد ، لمجرد أنه إستسلمَ لغرائزهِ وشهواته بلا ضابط، ومارس حريته في إختيار و ممارسة ما يريد!

تخيل عزيزي القارئ هذه الطاقات المعطلة، والأموال التي تصرف عليها، كيف كان المجتمع سينهض إقتصادياً و أخلاقياً، لو تم إستغلالها بشكل صالح؟؟ هذا التناقض الليبرالي لابد وأن يصل إلى محاولات لإعادة الصياغة و الفهم ، للخروج من هذا المأزق الإجتماعي والإقتصادي، ناهيك عن الأخلاقي ولكن أين المشكلة مع مجتمعاتنا الشرقية؟ لماذا يتحفظُ، بل ويعادي البعض الليبرالية؟ فكرة الحرية جميلة، وهي فطرة ونزعة بشرية. والليبرالية تدعو لحرية الفرد بلا قيود، الحرية في الرأي والتعبير والإعتقاد والممارسة،،، وحتى لا تتحول لفوضى، قيّدها بالقانون الذي يَحمي هذه الحُريات، ويمنعها من التعدي على الصالِح العام، الذي يتغيرُ بتغير الزمان والمكان. هنا يبرز دور الدين!

هناك عبادةٌ وفريضةٌ في الإسلام كفيلةٌ بإجابةِ هذا السؤال (لماذا يُعادي البعض الليبرالية؟)! ما هي هذه العبادة؟؟ تأمل عزيزي القارئ هذه الآيات و الأحاديث الشريفة يقول تعالى: ((كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله)) آل عمران:110 والحديث الشريف في صحيح مسلم:ـ "الدين النصيحة ، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " وأيضاً الحديث الوارد في صحيح مسلم "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان". إنها عبادةُ "الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر"!

بصرفِ النظر عن تنظيم هذهِ الفريضة (منْ لهُ الحق في الأمر والنهي، وماهية الوسائل) فإنّ هذه العبادة والفريضة الإسلامية تمثل – في الفكر الليبرالي – تعد صارخ على حرية الفرد والتي تدور الليبرالية حولها، لأنها تعترفُ إبتداءاً بحقِ المُجتمع في توصيف "المُنكر" وما ينبغي على الفردِ عملهُ أو تركه. و كما يُمكن القول أن الليبرالية تُقدِسُ الفردية، فبالتالي يَتصادمُ هذا الفهم مع آياتٍ و أحاديثَ من قبيل:ـ قال تعالى: ((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)) - الجاثية:23 روى الطبراني، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "ما تحتَ ظلِ السماءِ من إلهٍ يعبدُ من دونِ اللهِ أعظمُ عندَ اللهِ من هوىً متبع" ومن الممكنِ الإكتفاءُ بطرح هذه الإشكالية بين الإسلام والليبرالية" انتهى كلام الدكتور.


قال أخونا: "من أبرز لوازم هذه الفكرة الباهتة :

1.      جعل الشريعة (كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه و سلم) أقل شأنا وأضعف خطرا من رأي الأغلبية من الناس." لأنه لا خير في قيم ومبادئ لا تؤمن بها الشعوب ولا تتمثلها وتطبّقها إلا خوفا ونفاقا وتقيّة "

2.     لقد نفوا الخيرية عن الشريعة إذا لم يؤمن بها الناس! هذا قولهم والله يقول : ((ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ)) [المؤمنون:44] ، الله يقول بعدا للأغلبية التي لم تؤمن بالشريعة التي خير فيها عند هؤلاء لأن الأغلبية لم تؤمن بها! ، وقد أخبرنا النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه: "يأتي النبي وليس معه أحد"! فهل شريعة هذا النبي الذي بعثه الله ولم يؤمن بها أحد لا خير فيها يا مسلمين؟ ولو صدقتم بأن الخيرية المطلقة للشريعة لألزمتم بها .

3.      ثم هم جعلوا مفاهيم أصلية لا يمكن التعرض لها ، كالحريات والحقوق والمساواة والمواطنة…الخ ، فهذه لا يمكن للأغلبية الساحقة (90%) التصويت عليها فضلا ضدها ، أما كلام الله وحديث محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيجب التصويت له بالأغلبية أو لا يطبق!!!

4.      هذه المفاهيم الأصلية التي لا يمكن أن يتعرض لها عندهم تخرم سيادة الأمة المطلقة ، وتهدم فكرتهم من أساسها لو كانوا يعقلون ، فكيف يكون هناك سيادة مطلقة لا يمكنها إلغاء ما لا تريده؟

5.      ثم هؤلاء الليبراليون الخُدَّجْ جعلوا كل من ثار ضد الاستبداد إنما انطلق من مفاهيم إنسانية بحتة فجردوا الإسلام من كل معاني مقاومة الظلم ، ومناكفة القهر ، والقضاء على الاستبداد!! وكأنه عبادة روحية محضة فهو دروشة في زاوية ، وتمتمة في ناحية ، لا علاقة له بحاجات الناس الحياتية الضرورية وأولها إقامة العدل ونبذ الظلم .

6.     يلزمهم إلغاء مشروعية الجهاد في سبيل الله ، لأن الله قال : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الأنفال:39] ، فما معنى "وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ " إلا الهيمنة التامة.

7.      الحكم على فعل الصحابة الكرام كعمر وعثمان ـ رضي الله عنهم ـ بالبغي والظلم لأنهم ما فتحوا بلدا إلا أقاموا حكم الشرع مع كون الفاتحين أقلية قليلة ، فالأقلية قهرت الأكثرية الرافضة للشرع .فهل فعل الصحابة جائز عندكم أم هم مستبدين؟

8.      آيات القرآن الكريم تناولت وجوب تحكيم الشريعة على المستوى الفردي وعلى مستوى الأمة، والتفريق بين المستويين هو سر العلمانية الذي على ضوئه يفهم البعض الواجبات الدينية والشرائع الإسلامية على أنها متوجهة للقلب والضمير (الصلاة والصيام مثلا)، أما الميدان السياسي، والدولة الحديثة – عندهم – فتستمد مهامها وهويتها وواجباتها بعيداً عن الدين، اللهم في حالة مرّ هذا الدين عبر صندوق الاقتراع، فخرج من كونه واجباً دينياً إلى كونه مشروعاً سياسياً فاز بالتصويت !!

9.      حصر الاستسلام للشرع بالفرد في ذاته مستدلين بالآية ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً)) [الأحزاب:36] ، وفضلا أن هذا عبث بالقرآن فهو سقم في الفهم فقرر هؤلاء أنه لا يجوز للفرد أن يرفض حكم الله ولكن إذا صاروا جماعة يجوز لهم ذلك !!! أي عقل هذا وأي شيطان مريد أوحى لهم بهذا ؟ وصدق الله إذ قال : ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)) [الأنعام:112] ويكفي لتفنيد قولهم ودحر شبهتهم قول الله ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [ أي الجماعة ] حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء:65[

10.     يلزم من كلامهم إلغاء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل وقد يفرض على من نهى عن منكر عقوبة نظامية إذا رأت الأغلبية ذلك لأنه تدخل في حرية الآخرين ، والله يقول : ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) [التوبة:71] ، والله يقول كذلك: ((الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)) [الحج:41]

11.      يلزم من كلامهم أن من سيادة الأمة ومن حقها نقض الشريعة الإسلامية ،فمن حق كافة أفراد المجتمع الدعوة لحذف كافة المواد الدستورية الشرعية إذا أرادوا ذلك ، ومن حقهم السعي لإقناع الناس بسوء الشريعة وما يترتب على حكمها من عيوب يرونها .

12.       يلزم من كلامهم أن للحاكم المنتخب قتال الأغلبية إذا قررت الانفصال السياسي، لكن لا يجوز له شرعاً قتالهم إذا قرروا تنحية الشريعة !

13.      وقد يجوز عند هؤلاء الليبراليون الخُدَّجْ أن يجتمع عددا من الناس لتقنين نظام يمنع أخذ الزكاة بخلا بأموالهم ، ولا يجوز للحاكم أخذه بالنظام!

14.      قد يجوز عند هؤلاء أن تفرض الأكثرية منع رفع الأذان لأن بعض الناس قد يتضايق من ذلك وبخاصة إخوانهم في المواطنة من غير المسلمين .

15.      وربما يجوز عندهم أن تمنع الأكثرية بناء المساجد والصرف عليها لأن ذلك من المال العام الذي يشترك فيه المسلم وغيره ، وجعل أمره للناس فمن أراد بنا مسجدا وتكفل بالصرف عليه .

16.   يجوز للأكثرية تقنين الفواحش بالتراضي كاللواط والزنا ، والدعاية لذلك أيضا ، ولو منع أب ابنته أن تزني ، أو ولده أن يلاط به فلابد أن يعاقب نظاما لأنه منعه حقه الأكبر وهو الحرية.

17.    بل يجوز عندهم للأكثرية تقنين رعاية الأضرحة الشركية والآثار الوثنية بدعوى أنها تجر على الأمة مليارات الدراهم فهي مورد للمال العام والأغلبية راضية .

18.   أخيرا : هم يؤمنون بشريعة تطبق في الأمور الشخصية (صلاة ، صيام ،أمانة) ولا يؤمنون حقيقة بشريعة حاكمة للأمة ، وهي كأي فلسفة أو فكرة "الشريعة لها سيادتها المطلقة من حيث اعتقاد المؤمن في نفسه، ولكنها تبقى سيادة علمية معرفية إيمانية، لا يمكن أن تتجسد في الواقع إلا عبر إرادة الأمة، الأمة هي التي تمنح الشريعة السيادة الفعلية وتجسّدها إلى واقع معاش، هي التي تحول قيمها ومبادئها إلى قوانين وتشريعات دستورية، وليس هذا خاص بالشريعة فحسب، بل أي منظومة قيمية وأخلاقية وفلسفية لا يمكن أن تتجسد في الواقع إلا عبر إرادة الإنسان وقدرته البشرية"

أقول بعد أن قرأتم لوازم هذه الفكرة, إن كنت مسلما و لو ضعيف الإيمان لنفرت من فكرة هذه لوازمها! و إن وجدت حرجا في قلبك من ما ذكره أخونا فاعلم أن قلبك أصاب بمرض الليبرالية, فسارع في مداواة قلبك قبل أن يختم على قلبك فتكون منهم و العياذ بالله.


No comments:

Post a Comment