Thursday, March 1, 2012

و تحسبونه هينا و هو عند الله عظيم




قال الله سبحانه و تعالى:

((وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ{224} أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ{225} وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ{226} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ))

قبل عدة أيام كتبت تغريدة، فيها البيت الذي اشتهر بين كثير من الناس للشاعر إلياس فرحات قال فيها: "ما دمت تحترم حقي فأنت أخي آمنت بالله أم آمنت بالحجر" و أنكرت على كلامه و لكن بعد أن أنكرت على كلامه حصلت أنا على انكار من البعض بسبب إنكاري على قول الشاعر فقلت عندها يجب أن أكتب في هذا الموضوع. ربما إن قلت الحق أصبحت مكروها, لكن هل هذا عيب؟ والله لو كان هذا هو الشيء الوحيد المُر في قول الحق فلا عذر لعدم النطق به. و أنا أقول لكل من أنكر علي "إنكاري" لمقولة الشاعر: "إن كنت محاورا فلا تنزعج حينما يبدي الطرف الآخر رأيه و خالفك فيها, فكما استمع إليك فحق على الكريم أن يستمع إلى الطرف الآخر" أعزائي, أدعوكم أن تقرؤوا ما أقول بعقولكم و اتركوا العواطف جانبا و إن شاء الله يتبين لكم الحق.

كثيرا ما أجد نفسي أخالف إخواني و أخواتي في مثل هذه المواضيع و لا أظن أن سبب ذلك عناد من الطرفين لكن بسبب اختلاف الأفهام. مشكلتنا اليوم أننا نتفوه بكلمات باطلة و لا نلتزم بها, فبعض الجمل لها معاني و لوازم فمثلا إن قلت: "لا إله إلا الله" معنى ذلك أن لا معبود بحق إلا الله سبحانه و تعالى, و من لوازم هذه الكلمة أنه لا يصح أن يعبد غير الله و لا يصح أن يذبح لغير الله و لا يصح أن يشرك مع الله في العبادة أحد و لوازم كثيرة. و مثل كلمة الحق فكلمة البطل أيضا لها لوازم فالإنسان مهما قرأ من كلمات رنّانة،  فعليه أولا إزالة الكلمات المزخرفة و الإطار الجميل و بعد ذلك يتأمل في المعنى و يزنه بميزان الحق. و أنا في هذه المشاركة أبين لكم سبب إنكاري على قول الشاعر و إن شاء الله يتبين لكم قبح مقولته.

قبل أن أبدأ أحب أن أقول أن هناك فرق بين اخوة النسب و اخوة الدين و طبعا نحن كمسلمين أخوة الدين عندنا أعظم من أية أخوة أخرى والله سبحانه و تعالى قد وضح الفرق في كتابه العظيم. ثم إن المسلمين يعظمون الله سبحانه و تعالى أكثر من أي شيء, فأول شيء عندهم هو الله سبحانه و تعالى, و لا شيء يأتي قبل الله, فهم يحبون الله و يعظمونه أكثر من آبائهم و أولادهم و أموالهم بل حتى أرواحهم. و إنما أرسل الله الرسل ليعبدوه و يعظموه و أصل الدين تعظيم الله سبحانه و تعالى. فبهذا لا يصح أن يُفصل الله سبحانه و تعالى من حياة المسلمين, فكما هناك علاقة و رابطة قوية بين الأب و ابنه, فكذلك ولله المثل الأعلى هناك ارتباط شديد بين الله سبحانه و تعالى و بين المسلمين. 

أما قولي أنه لا يليق بالمرء أن يتمثل بهذا البيت, هو أن البيت يحتوي على لوازم فاسدة, و أبطل و أفسد هذه اللوازم هو كأن الله سبحانه و تعالى لم يُعّظم لأنه بحسب قول الشاعر أنه لا فرق عنده إن كنت مؤمنا بالله أم غيره إذا كنت تحترم حقه (أي حق الشاعر). فكأن الله سبحانه و تعالى ليس كاف لإحداث فرق و كأنه لا قيمة لإيمان الشخص بأعظم شيء في الوجود و هو خالق الأكوان سبحانه و بين حجر و كفى بهذا الظن إثما عظيما. بل الله سبحانه و تعالى هو أكبر فرق و لتوضيح هذه الفروق و الفوائد من الإيمان لا يمكن حصرها, بل لو كانت أشجار الأرض أقلاما و بحار الأرض مدادا و السماوات أوراقا لحصر الفرق و الفوائد لعجزنا عن ذلك و لو اجتمع كل من في الأرض جميعا. و أنا أعطيكم مثالا بسيطا أن الإيمان بالعظيم يحدث فرقا واضحا, فإن قلت لك إن عند باب منزلك الآن شخص من عامة الناس, ربما لن تبالي بذلك, و لكن إن قلت لك عند باب بيتك يقف شيوخ الإمارات أو ملوك الأرض لطار قلبك بل قد يغمى على البعض إن أخبر بهذا الخبر! فإن كان فقط بعض البشر لهم مكانة في قلوب الناس قد أحدث لك هذا الفرق العظيم فما بالك بالله سبحانه و تعالى. ثم إن من لوازم كلامه (أي الشاعر) حيث أنه لا فرق بين الإيمان بالله و بالحجر فهذا يعني أنه هناك نوع مساواة بين الله و الحجر ((سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا))

أيضا أوضح لكم خطأ مقولته بمثال, تخيلوا معي رجل كريم ابن كريم و آخر ابن امرأة زانية لا يعرف من والده, فإن كان هذا الرجل الآخر احترم الرجل الأول و عامله بمعاملة حسنة هل هذه المعاملة تجعله ابن كريم!؟ لا و لكن تجعله شخص ذو أخلاق كريمة لكن أبدا لا يكون ابن كريم, و لا يكون أبدا أخو الأول بالنسب لأن هناك فرقا عظيما بين الإثنين من ناحية النسب. فكذلك المسلم فإنه عبد لله سبحانه و تعالى, عبد لرب عظيم خالق السماوات و الأرض, الحي القيوم, يستحيل أن يكون عابد حجر لا يضر و لا ينفع أن يكون أخو الأول في الدين. نعم عاملني بمعاملة حسنة سأرد الجميل و أعامله بمعاملة حسنة و لكن لا أرفعه فوق قدره, فإن الرجل إن رضي أن يعبد الأبقار لن أرفعه فوق منزلته مهما فعل فهو في النهاية عابد بقر. فكذلك المسلم مع عبّاد الأصنام, إن أحسنوا إلينا نشكرهم و نحسن إليهم بالمثل و لكن لا نرفعهم فوق قدرهم و نقول إنهم إخواننا, فإن قولنا ذلك فيه إهانة لحق الله سبحانه و تعالى. فكما أن الرجل إن أحسن إليه إبن الزانية فإن الأول سيشكره و لكنه لن يقول إن أبي و أباك في نفس المرتبة و بذلك أنت تكون أخي, بل لا يقول ذلك إلا شخص أصيب بعفن في عقله فإن ذلك مخالف للعقل السليم و الشرع و الفطرة و الذوق.
ثم إن للمسلم حقوقا كثيرة كما للآخرين حقوق, فمن حق المسلم أن لا يهان ربه لأنه لم يرضى بأن يعبد إلا العظيم سبحانه و تعالى فلا يحق لأي شخص الإستهانة بهذا الإله العظيم. أما من أهان نفسه و رضي أن يكون إلهه خنزيرا أو كلبا أو حجرا فإننا ننزل آلهة هؤلاء منازلهم فنقول يعبد حجرا أو يعبد خنزيرا و إنني كإنسان عندي أشياء أعظم من هذا الحجر فلا يليق بي أن أعبد هذه الأشياء. فإني إن عبدت الله سبحانه و تعالى لم أهن أبدا الخنزير و لا الحجر و لا الكلب, و لكن الكافر إن كان يعبد الحجر أو الخنزير أو الكلب فإنه لم يحترم حق الله سبحانه و تعالى و لم يحترم حقوق المسلمين من عدم إهانة الله حيث أنهم صرفوا العبادة لغيره. و كما ذكرت سابقا في هذه المشاركة إن أعظم ما يعظّمه المسلمون هو الله سبحانه و تعالى, فمن أهان أعظم ما يُعظّمه المسلمون فإنه لم يحترم حق المسلمين أبدا. فقول الشاعر: "مادمت تحترم حقي" فإننا كمسلمون ننظر لمن يعبد حجرا أنّه لم يحترم حقنا أساسا, صحيح أنه أحترم بعض حقوقنا و لكنه لم يحترم أعظم حق فبذلك لا يستحق أبدا أن يكون أخا لنا. أعطيكم مثالا آخر, تخيل معي أنا أسب أباك و أقول إنه لا فرق بينه و بين الحجر, و إني أفضل الحجر و الخنزير و الكلب على والدك, و لكني احترم علمك و منصبك و غير ذلك, فهل ستقول عن هذا الشخص أنه أحترم حقوقك؟ بالتأكيد لا لأنه و إن كان حرا في اعتقاده فإنه قد أهان أباك! لأنه لم يحترم من أعظم حقوقك و هو حق مكانة والدك و هذا و والدك لم يحسن إليهم أبدا فما بالك برب العالمين الذين يحسن إليهم ليل نهار!؟

و أيضا الشاعر ركز على بعض الحقوق و تجاهل أعظم حق, و إن دل ذلك على شيء دل على مدى جهله و أنانيته في مقولته, فإنه كان جاهلا حيث لم يعظم الإعتقادات, و ثانيا لأنه اهتم بالحقوق الدنية أكثر من الحقوق العظيمة . و سبب ذلك أنه يحصل على منفعة عاجلة إن احترم حقه الدنيء, فهذا يدل على أنه أناني غاية الأنانية. إنك إن أعطيت فقيرا بعض المال و لكنك لم تحترم حقوقه العظيمة فإن قبلها الفقير قبلها عن ضعف و جهل و ربما لطمع في الحصول على المال و لو أهين أعظم ما عنده, و بهذا يحصل على لقب اللئيم, و هذا في حق الفقير المحتاج, فما بالكم بأغنياء ليسوا بحاجة إلى مال أو ما شابه ذلك و لم يبالوا بعدم احترام الآخرين بأعظم عندهم مقابل حقوق حقيرة أخرى, فما تُسمّون مثل هؤلاء؟

هناك أسباب كثيرة لإنكاري على قول الشاعر بغض النظر عن عقيدته, إن قول الشاعر هذا لا يختلف إختلافا عظيما لمن ينادي باحترام الأديان و التسامح و غير ذلك من الكلمات الرنانة المزخرفة, فإن في ظاهرها جمال و في باطنها قبح لا يعلم مقداره إلا الله سبحانه و تعالى. ربما تتساؤلون, لم هناك الكثير من المسلمين ينادون و يتفوهوّن بمثل هذه الأقوال الشنيعة و يعيدون نشرها؟ أجيب و أقول أن السبب في ذلك عدم إدراكهم لمعاني هذه الكلمات و لوازمها, و هم يفهمون معنى واحدا فقط و يتجاهلون أو يغفلون عن بقية المعنى و اللوازم فلا ينكرون على مثل هذه الأقوال. لو علم الناس عظم خطورة الكلمات لما تجرؤوا على ذلك, ألم يعلم هؤلاء ما قاله رسول الله صلى الله عليه و سلم: "رب كلمة يقولها المرء من سخط الله لا يلقى لها بالا يهوى بها فى نار جهنم سبعين خريفا" خريفا: أي عاما. فالإنسان ينبغي أن يعرف معاني الكلمات و لوازمها و يدرك ما هو يدعو إليه و من ثم يُعلق بالموافقة أو المخالفة. و أسأل الله أن يوفقنا لما هو خير...


3 comments:

  1. wise words. I would like to know more about the Koran ...

    I liked the example of the prostitute and her childrens ...

    wise words again u know courage when r wrote...

    is admirable!

    iam!

    ReplyDelete
  2. شكرا جزيلا
    تدويناتك تزيل الكثير من الغمام في عقلي...

    ReplyDelete
  3. ولست بحاجة البرامج النصية

    بدون أي شيء كلماتك الحكيمة هي نفسها


    ظهر

    أنا دائما

    شعور لا يخطئ

    ReplyDelete