Monday, July 1, 2013

معنى الإيمان بالله



السلام عليكم ورحمة الله و بركاته, هذه أول مشاركة في هذا الشهر و قررت أن يكون الموضوع عن "الإيمان بالله سبحانه وتعالى" والإيمان بالله كما هو معروف عند أهل العلم هو الاعتقاد الجازم بوجود الله سبحانه وتعالى ، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته. ففي هذه المشاركة سأقتصر على هذه المعاني بفوائد استفدتها من كتب الشيخ صالح آل شيخ وبقية العلماء مع بعض التصرف والإضافات من ما فتحه الله علي. أما أدلة وجود الله سبحانه وتعالى, فكتبت في هذه المدونة مشاركة قديمة بعنوان: "وجود الله سبحانه وتعالى" فليرجع إليها فإن فيها فوائد عظيمة تزيد إيمان العبد بربه. اعلم وفقك الله أن الإيمان بالله يشمل أشياء:


·   الأول: أن يؤمن بأن الله جل وعلا موجود ، بأن له ربا موجودا وأنه لم يوجد من عدم ، وأن لهذا الملكوت موجد ، هذا أول درجات الإيمان بالله. فإنك إن آمنت بأن الله موجود لعلمت أن سبب وجودك في هذا العالم لغرض ما وهو عبادة الله كما أخبرنا الله في كتابه. إن آمنت بوجود الله فلن يتسرب إلى قلبك اليأس مهما كانت الظروف لأنك تعلم يقينا بأنك وجدت لغاية عظيمة وما هذه الدنيا إلا دار ابتلاء لتحقيق العبودية, فإن أصابتك ضراء توجهت إلى الله, وإن أصابتك سراء توجهت إلى الله. أعطيك مثالا يبين لك أهمية الإيمان بأن الله موجود, إن كنت على قارب في وسط البحر وهاجت الريح واضطرب المركب, فإنك تعلم يقينا أنه لا أحد يفيدك فيما أنت فيه إلا الله سبحانه وتعالى, فتتوجه إليه وتتوكل عليه وتتخذ الأسباب اللازمة, ولكن الملحد لا يؤمن بوجود قوة عظيمة تنقذه من المأزق الذي هو فيه, فتسرب اليأس إلى قلبه أسرع من الأول وإن اتخذ الأسباب. فموانع تسرب اليأس إلى القلب بالنسبة للمؤمن هو علمه بوجود الله, بوجود قوة عظيمة كفيلة أن تقول للشيء: "كن فيكون" وأن هذه المخلوقات من بحار وجبال كلها مخلوقات قد أوجدها هذا الخالق الذي قد أوجدك, فكما أنه يستطيع أن يعدمك فكذلك يستطيع أن يعدم تأثير المخلوقات الأخرى فيك ولك في قصص الأنبياء والصالحين أدلة وعبر فهذه كلها موانع من أن يتسرب اليأس إلى قلب المؤمن أما المنكر لوجود الله فما الموانع من تسرب اليأس؟ لا شيء, فهو لا يؤمن بشيء خارق فوق قوانين الفيزياء؟ أم أن المانع من دخول اليأس قوته المحدودة وعلمه المحدود؟ وفيما قلت كفاية لمن له أدنى مسكة من عقل.

·   الثاني: أن يؤمن بأن هذا الذي له هذا الملك أنه واحد فيه ، واحد في ربوبيته لا شريك له في ملكه ، يحكم في ملكه بما يشاء لا معقب لحكمه ولا مراجع له في أمره جل وعلا ، - نعني بالمراجع عدم المنفذ لأمره جل وعلا - وهذا هو الذي يعنى به توحيد الربوبية. وأهمية هذا الإيمان أنك تتوجه إلى الله في كل أمورك, فالمشركون إن أرادوا الفوز في الحرب لتوجهوا إلى إله الحرب وإن أرادوا المطر لتوجهوا إلى إله المطر, و إن أرادوا زيادة في إيمانهم توجهوا للولي و الصالح أو الإمام ظنا منهم بأن هؤلاء يستطيعون أن ينفعونهم ويدفعون الضر عنهم, لكن المسلم في كل أموره يتوجه إلى الله, إن أراد النجاح لتوجه إلى الله, وإن حيّره أمر من أمور الدنيا لاستخار الله, وإن مرض دعا الله ليكشف عنه الضر وهكذا, قصده واحد فتنصرف همته بالكلية إليه وهذا لا شك أنه أنفع و أسهل في العقل والقلب. ومثال آخر, فمن لم يؤمن بأن الله واحد في ربوبيته لظن أن هناك غير الله من يدبر السماء وهناك من يرزق وهناك من يدفع الضر وهكذا فمثل هذا لا يستطيع أن يحصيهم أبدا فكيف له أن يعبد كل واحد منهم!

·   الثالث: الإيمان بأن هذا الذي له ملكوت كل شيء وأنه صاحب هذا الملك وحده دون ما سواه ، الذي ينفذ أمره في هذا الملكوت العظيم أن له الأسماء الحسنى والصفات العلا ، له النعوت الكاملة له الكمال المطلق بجميع الوجوه الذي ليس فيه نقص من وجه من الوجوه ، بل له  الكمال في أسمائه ، له الكمال في صفاته ، له الكمال في أفعاله ، له الكمال في حكمه في بريته وفي خلقه ، وهذا هو الذي يُعنى بتوحيد الأسماء والصفات ، ويُعتقد مع ذلك أنه في تلك النعوت وتلكم الصفات أنه ليس ثم أحد يماثله فيها ولا يكافئه فيها كما قال جل وعلا  ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ وكما قال جل وعلا ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ فليس له جل وعلا مثيل ولا كفؤ ولا نظير ولا ند ولا عدل تبارك ربنا وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. أما أهمية هذا الجزء من الإيمان سينكشف لك عن طريق ضرب مثال. تخيل أن إنسانا في خلوة مع إمرأة أجنبية ذات منصب وجمال, ما الذي يمنعه من ارتكاب الفاحشة؟ أليس إيمانه بأن الله سميع بصير؟ أما الملحد فربما يمتنع من دافع أخلاقه وامتناعه إلى الحاق الضر بالآخرين, ولكن المؤمن فإن له موانع كثيرة تمنعه من ارتكاب هذه الفاحشة, فيمتنع من دافع أخلاقه وحبه للخير ولكن أيضا لأنه يؤمن بأن الله يراه فيستحي منه. تخيلوا حال من ارتكب الفاحشة بأخته و فجأة دخل والده فنظر إليه وهو يرتكب هذه الفاحشة, ما هو شعور هذا الابن! والله بمجرد التفكير يشعر المرء بالخجل! المؤمن الحقيقي يستحي ويخجل أن يرتكب الفاحشة وإن كان في خلوة أكثر من هذا الابن الذي ذكرته لكم لعلمه بعظمة الله سبحانه وتعالى ومكانته وأن من أسمائه السميع البصير فهو يرى ويسمع وهو أقرب إليه من حبل الوريد. ومثال آخر, انسان اصابه مكروه في ماله, فصدمت سيارته الفاخرة, فإن المؤمن الحقيقي يعلم أن هذا حكمة من رب العالمين, فيقول لعل ما حدث بسبب ذنوبي فأستغفر وأرجع إلى الله, ولعل نهايتي تكون في هذه السيارة فأنقذني الله من سوء الخاتمة, ولعل الله لا يريد أن يتعلق قلبي بزخرف الحياة الدنيا فصرفها عني لأعبده وهكذا يستطيع المؤمن أن يجد ألوف الحكم فلا يحزن لأنه يعلم أن من أسماء الله الحكيم و أيضا من أسمائه الرحمن الرحيم وهو أرحم به من نفسه فيعلم أن ما حدث فيه رحمة للإنسان وأيضا حكمة.

·   الرابع: وهو الأخير وهو المهم الأعظم في الإيمان بالله الإيمان بأن هذا الموجود الذي له الملك وحده دون ما سواه والذي له نعوت الجلال والجمال والكمال على وجه الكمال أنه هو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه ، وأن كل ما سواه فلا يستحق شيئا من العبادة ، وأن أنواع العبادة - عبادات القلب أو عبادات الجوارح- أن المستحق لها بقليلها وكثيرها هو الله جل وعلا وحده دون ما سواه. وفائدة هذا الإيمان أن المؤمن يصرف جهوده كلها لعبادة رب واحد, تخيل معي حال المشرك فإنه يصرف جهوده لإرضاء الله وأيضا لإرضاء الصنم و لإرضاء هذا الولي ولإرضاء هذا الحاكم و لإرضاء فلان وعلان, فإنه يتعب وتتكالب عليه الهموم لأنه إن بذل جهده في ارضاء هذا لغضب منه الآخر أو قصر في حقه وهكذا, أما المؤمن فمقصوده وغايته هو الله سبحانه وتعالى, فلا يصلي لأن المدير الفلاني يصلي فيذهب إلى المسجد لحصول فرصة لكي يسّلم عليه, ولا يتصدق أو يزكي بالملايين لكي يكون ذا سمعة حسنة عند الحاكم أو الأمير, و لا يتنسّك لإرضاء العالم أو الشيخ وهكذا. وإن المؤمن ليحزن من أحوال بعض المسلمين اليوم, كيف صرفوا همّتهم لإرضاء المخلوقات بدلا من الخالق والله المستعان.

فمن أتى بهذه الأربعة  فقد أتى بالإيمان بالله الذي هو ركن من أركان الإيمان ومن ترك الأولى منها فهو ملحد لا شك ، يتبع ذلك أنه لا يعتقد شيئا بعد ذلك وكذلك من أشرك في الربوبية ، من لم يعتقد الربوبية الكاملة لله جل وعلا وحده فإنه يتبع ذلك. وكذلك من لم يوحد الله جل وعلا في العبادة فإنه لا يسمى مؤمنا بالله ولو كان يعتقد أن الله جل وعلا موجود وأن له الربوبية الكاملة له وحده دون ما سواه ، وأنه ذو الأسماء الحسنى والصفات العلا ، فإذا لم يوحد الله جل وعلا في العبادة في نفسه أو أقر عدم توحيد الله جل وعلا بتصحيحه لذلك أو بتجويزه له فهو لم يؤمن بالله. بقي الثالث وهو توحيد الأسماء والصفات. هل من لم يؤمن بهذا نقض عدمُ إيمانه بذلك إيمانَه أصلا فيصبح كافرا؟ "يقال من لم يؤمن بتوحيد الأسماء والصفات ففي حقه تفصيل" والإجابة في مشاركات قادمة بإذن الله.  وهو من المهمات لأن من الناس من غلا في هذا الجانب وكفر بالإخلال بشيء من أفراد توحيد الأسماء والصفات. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...


2 comments:

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... أشكرك أولا لمشاركتي موضوعك الأول في هذا الشهر وانتقائك لموضوع يجدد الإيمان في قلوبنا قبل دخول شهر رمضان الكريم..
    استوقفتني كذا جملة... اهمها
    ( وإن المؤمن ليحزن من أحوال بعض المسلمين اليوم, كيف صرفوا همّتهم لإرضاء المخلوقات بدلا من الخالق والله المستعان)
    اللهم أغفر لنا زلاتنا وتجاوزنا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا .. اللهم رضاك والجنة👏

    ReplyDelete