Tuesday, September 16, 2014

الإرهاب الفكري




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... أضع هذه المشاركة بسبب الإرهاب الفكري الذي يمارسه البعض وخاصة طلاب العلم اليوم عندما يجدون من يُغرّد خارج السرب ويُعمل عقله في زمن تجاهل فيه كثير منا قيمة العقل ولا يرضى إلا بأن يُفكر عنه. نعيش حالة استسلامية غريبة, ليس استسلاما لقضاء الله وقدره واستسلام القلب والنفس لأمر الله سبحانه, إنما استسلام العقول للمشايخ والعلماء والسلف, فأصبح البعض منا شبيه الببغاء, يكرر ما يُقال له من دون أدنى تفكير والبعض يعير عقله ليفكر عنه ويتكلم عنه بقي فقط أن يعيش عنه ويختفي من الوجود, هذا يا أعزائي نوع من أنواع الانتحار البطيء علموا أو لم يعلموا. أستغرب, كيف يعترفون بأن العقل هو هبة الله العظمى أكرم به الإنسان وميزه على المخلوقات بهذا العقل, وجعله مناط التكليف وسببا له! ثم يأتي قوم يُنكرون على من يُعمل عقله فيختار لنفسه (أو بمعنى آخر يبقى إنسانا) ويتهمونه بأنه عقلاني! هذا والله من العجب! والغريب أيضا تراهم عندما يكتبون عن قيمة العقل يكررون ما قاله المشايخ والعلماء من غير تفكير فيما قيل في قيمة العقل, لا أدري هل الكسل هو السبب أم الملل أم ماذا!؟ إن المسلم إن هو تأمّل كتاب الله سبحانه وتعالى وجد أن الله يحيل على العقل في القضايا الكبرى والأصول فلماذا يتم ارهاب الناس فكريا؟

من أمثلة الإرهاب الفكري الذي يمارسه البعض اليوم: "أنت تخالف قواطع الإسلام, كلامك يشبه كلام الشيعة والإخوان والزنادقة من الليبراليين والعلمانيين. بأفكارك التي تبثها بين الناس ستكفر, لا خير في مخالفة العلماء, لا خير في مخالفة السلف, لا خير في مخالفة فلان أو علان, أنت لست بعالم فكيف تفكر وتفسر وتشرح, مهما تعلمت فلن تصل إلى مستوى العلماء فالزم حدودك واحترم, ألم تعلم أن الرسول أوصانا بتوقير العلماء, ...الخ" و وجدت بعضهم يمارس معي مثل هذا,  وطبعا إضافة إلى ذلك يستدلون بآية قرآنية, ألا وهي: ((وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)) والنتيجة ماذا؟ خوف هذا المسكين الذي أعمل عقله فيبدأ بالتحجير على عقله ومسايرة الجمهور, وكان الأولى به أن يكون وارثا حقيقيا للأنبياء بأن لا تأخذه في الله لومة لائم ولا يميل حيث مال الناس.

وقصة الاستدلال بهذه الآية بدأت مع الشافعي فيما أعلم عندما سُئل عن دليل يدل على مسألة الإجماع, وإليكم الحكاية كما في كتاب أحكام القرآن للشافعي: "كنا يوماً عند الشافعي إذ جاء شيخ فقال: اسْأَلُ؟ قال الشافعي: سَلْ. قال: إيش الحجة في دين الله؟ فقال الشافعي: كتاب الله. قال: وماذا؟ قال: سنة رسول الله . قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة. قال: ومن أين قلتَ اتفاق الأمة، من كتاب الله؟ فتدبر الشافعي ساعةً. فقال الشيخ: أَجَّلْتُكَ ثلاثة أيام. فتغيَّرَ وجهُ الشافعي، ثم إنه ذهب فلم يخرج أياماً. قال: فخرج من البيت في اليوم الثالث، فلم يكن بأسرع أن جاء الشيخ فسلَّم فجلس فقال: حاجتي؟ فقال الشافعي : نعم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله : ((وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً)) ، لا يصليه جهنم على خلاف سبيل المؤمنين إلا وهو فرض. قال: فقال: صدقتَ. وقام وذهب. قال الشافعي: قرأتُ القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقفت عليه".

والحقيقة وجدت عوام الناس وطلاب العلم بل حتى بعض العلماء يستدلون بالآية المذكورة على خصومهم إن هو خالف السلف أو مشايخه أو ما شابه ذلك في مسائل فرعية أو غير قطعية. الحقيقة أن هذه الآية لا تدل على ما يذهبون إليه بشكل قطعي! فالدلالة ظنية استدل بالآية الشافعي إلا أن جمع من العلماء اعترض على استنباطه, ولكن هؤلاء المساكين الذين ليس لهم حظ من القراءة ظنوا أن العلماء كلهم قبلوا هذا الاستنباط. شخصيا لا أنكر على هذا الاستنباط أراه حسنا إنما الذي أنكره من الاستنباط أن يشملوا إضافة إلى قواطع الشرع وأصول الدين المتفق عليها, المسائل الفرعية أو أصول المذاهب المختلفة المنتسبة للإسلام فهذا لا ينبغي لأنه بناء على ذلك سيتم تكفير جمع كبير من الناس وتخويفهم بالنار في أمور ليست قطعية.

أحب أن أذكر آراء بعض من يُجلّونهم من العلماء في هذه الآية, قال أبو جعفر الطبري رحمه الله: " (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ) يقول: ويتبع طريقاً غير طريق أهل التصديق، ويسلك منهاجاً غير منهاجهم، وذلك هو الكفر بالله، لأن الكفر بالله ورسوله غير سبيل المؤمنين وغير منهاجهم." قال الشوكاني رحمه الله: "ولا حجة في ذلك عندي؛ لأن المراد بغير سبيل المؤمنين هنا هو: هو الخروج من دين الإسلام إلى غيره" وقال الشنقيطي صاحب تفسير أضواء البيان: "وفي الاستدلال عليه بهذه الآية بحوث ومناقشات" أي على الاجماع. و في تفسير الجلالين: (ومن يُشاقق) يخالف (الرسول) فيما جاء به من الحق (من بعد ما تبين له الهدى) ظهر له الحق بالمعجزات (ويتَّبع) طريقا (غير سبيل المؤمنين) أي طريقهم الذي هم عليه من الدين بأن يكفر (نولِّه ما تولَّى) نجعله واليا لما تولاه من الضلال بأن نخلي بينه وبينه في الدنيا (ونصله) ندخله في الآخرة (جهنم) فيحترق فيها (وساءت مصيرا) مرجعا هي. قال الفخر الرازي رحمه الله فقال: "قوله (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ) يعني غير دين الموحدين".

فالآية ليس فيها دليلا قطعيا على وجوب اتباع السلف و عدم مخالفتهم في المسائل غير القطعية. للأسف بعض المفسرين وسّع نطاق الاستدلال بهذه الآية فحرم مخالفة السلف في الفروع وهذا في الواقع تضييق لم تأت بها الآية والله أعلم. يحسن بي أن أورد كلام الإمام الجويني رحمه الله في هذا الباب فقد أجاب وأجاد: " أوجه سؤالا واحدا يسقط الاستدلال بالآية فأقول إن الرب تعالى أراد بذلك من أراد الكفر وتكذيب المصطفى صلى الله عليه وسلم والحيد عن سنن الحق وترتيب المعنى ومن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين المقتدين به نوله ما تولى فإن سلم ظهور ذلك فذلك وإلا فهو وجه في التأويل لائح ومسلك في الإمكان واضح فلا يبقى للمتمسك بالآية إلا ظاهر معرض للتأويل ولا يسوغ التمسك بالمحتملات في مطالب القطع وليس على المعترض إلا أن يظهر وجها في الإمكان ولا يقوم للمحصل عن هذا جواب إن أنصف" فلا ينبغي أن يُستدل بالآية وارهاب الناس فكريا بناءً على فهم طائفة من الناس للآية والزام الآخرين هذا الفهم وتحريجهم من عدم المخالفة. ولا ينبغي اغلاق الأبواب أمام المجتهدين والمتدبرين لكتاب الله, ومن زعم أن المجتهدين فقط في السلف وأنهم حووا العلم كله ولا يمكن أن يأتي أحد منا بعلم لم يكن عند السابقين فقد أعظم على الله الفرية واستهان بهذا الدين وكتاب الله من حيث لا يشعر, والله المستعان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

No comments:

Post a Comment