Friday, August 8, 2014

الاختيار والتقليد




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.... هذه المشاركة عبارة عن كلمات متفرقة وتوضيح لبعض الأمور المتعلقة بالاختيار والتقليد. أولا مسألة حرية الاختيار, من المسائل التي أُكثر من ذكرها في مشاركاتي, ستجدون بأني أكرر وأقول أن الإنسان حر وله حرية الاعتقاد, وأقصد بذلك أنه أوتي القدرة على حرية الاختيار وليس لأحد أن يجبره أن يختار خلاف ما يريده في مسائل الاعتقاد, أما الأمور الدنيوية فبمجرد تمرد حريته على حرية غيره أو حقوقهم تسلب منه هذه الأحقية. أما الأمور الاعتقادية مثلا يؤمن بالله سبحانه وتعالى أو يؤمن بشيء آخر هذا أمر لا يمكننا أن نجبره, لأننا لو أجبرناه على الإيمان بالله وقلبه لا يؤمن به فلا يقبل ويصح منه هذا الإيمان وإيمانه باطل وكذلك المؤمن الذي أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان فإنه يصح إيمانه, وهذا معروف استنادا على آيات القرآن الكريم فلن أفصل في ذلك.

لعل من قرأ كتب بعض علمائنا فسوف يقول: "لكن عبادة الله حق الله على العبيد لابد من تأديته" فقد قال الله سبحانه وتعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) وهو كذلك, فالله يريد منا أن نعبده ولا نشرك به شيئا وهذا يشمل جميع الخلق, ولكن بما أنه حق لله, فهو الذي يحدد كيف  يقبل هذا الحق من الخلق, وقد فعل ذلك بالابتلاء! فهو سبحانه أرشدنا ما الذي يريده, وكيف يريده. فالذي يريده هو الإيمان به وعدم الإشراك به شيئا, وكيف ذلك؟ بالاختيار! وليس بالإكراه! فمن اختار أن يعبده فإنه يجازيه في الآخرة, ومن اختار أن لا يعبده فكذلك يحاسبه في الآخرة. ألم يقل الله سبحانه وتعالى: ((لا إكراه في الدين)) وكم مرة ذكّر رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه مجرد نذير وبشير, وليس عليهم بوكيل وليس عليهم بحفيظ...الخ قال الله سبحانه وتعالى: ((نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ)) فالله سبحانه وتعالى يعرف كفر من كفر, ولكن ليس المطلوب إجبارهم وهذا من لطائف قوله سبحانه وتعالى: ((وما أنت عليهم بجبار)) ورب قائل قد يقول: "لكن يا رب إنهم يكفرون بك فما السبيل إلى هدايتهم" فالرد جاهز والحمدلله: ((فذكر بالقرآن من يخاف وعيد))

ثانيا: لابد من التفرقة بين حرية الاختيار وصحة الاختيار. فالإنسان كما بيّنت سابقا بأنه يمتلك حرية اختيار ما يعتقد, ولكن لا يعني هذا بالضرورة بأن اختياره صحيح. فكما أن الإنسان قد يختار أن ينتحر أو يقتل نفسا يعتبر مخطئا ومجرما في حق نفسه أو غيره, فكذلك من اختار الكفر بالله فهو كافر ومخطئ. ((‏وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى‏))

وأما المسألة الثالثة: التقليد في الاعتقاد وهو مذموم شرعا وذلك لأن الإنسان الذي يُقلد قد يظن بأنه اختار ما اختاره من هو أعلم منه أو أعظم مكانة منه فيقلده, وهذا التقليد مذموم لأنه عطل نعم الله عليه من تفكّر وتدبر وتعقل, فقد كان بإمكانه أن يختار لنفسه أن يفكر في المسألة التي تمر عليه ومن ثم يقرر بنفسه, فهذا الإنسان لم يجبر يوما على التقليد, فإن اجبر فمباشرة يتحول التقليد إلى الإكراه, ولهذا هناك فرق بيّن و واضح في القرآن الكريم بين التقليد والإكراه. أريدكم أن تتدبروا هذه الآية: ((قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ)) لماذا قال الله سبحانه وتعالى لكل ضعف؟ لأن المقلد في حقيقة الأمر يملك الاختيار وكان بإمكانه أن يخالف من أطاعه ولكن اختار أن يتبعه بخلاف ما يظن المقلد, فإنه يظن في نفسه إن هو اختار التقليد اليوم فإنه يسلم من العقوبة غدا أو يظن أن من يقلده سيغني عنه شيئا! هيهات هيهات...

يحسن بي في هذا المقام أن أذكر المسلمين بعدم تقليد العلماء جزافا. كم من اليوم نجد من المسلمين يقلدون بعض العلماء فقط لأنهم يُعرفون اليوم عند جمهور المسلمين بأنهم من العلماء وربما هم في واقع الأمر من شياطين الإنس والعياذ بالله. أحبتي في الله, في النفس البشرية تجد الفطرة, والإثم ما حاك في النفس, فإن وجدت أمرا ما حاك في نفسك وخشيت أن يطلع عليه الناس ومن ثم أفتاك هذا العالم بجوازه فلا ينبغي لك أن تقلده, لأن هذا العالم لن يغني عنك شيئا وسيتبين لكم ما أقصده بضرب مثال عن نفسي... أحيانا أجد أقوال العلماء غير مقنعة بل أظن أقوال بعضهم كفرا فلا آخذ بها وإن كان هذا القائل معروف عند الناس بأنه عالم, لأن العبرة بما يقع في قلبي, فإن أنا اخترت أن أقلده فقط لأنه عالم وأنا في نفسي يغلب على ظني أن ما اختاره هذا العالم كفر بالله, فإن تقليدي للعالم يعني أني اخترت الكفر بالله بدلا من الإيمان الذي في قلبي. فيوم القيامة وإن كان اختيار العالم في النهاية صحيحا فإنه يغلب على ظني أني محاسب أمام الله والله أعلم, لأني تجرأت على اختيار أمر كنت أظنه كفرا. وهكذا أجد أحاديث ينسبها بعض العلماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم, لا آخذ بها, لأن فيها تنقيصا لرب العالمين أو إساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فإني لا آخذ بها إن وقع في قلبي بأنه نقص لله سبحانه أو إساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإن قال العلماء بأن الحديث صحيح. فإني لن أستطيع أن أجيب الله سبحانه وتعالى إن سألني يوم القيامة: "كنت تعتقد أن هذا الحديث فيه تنقيص لي وإساءة إلى رسولي, فلم اخترت أن تؤمن بذلك؟" والله مجرد التفكر في هذا الأمر ملأ قلبي خجلا وخوفا منه سبحانه فليس عندي أية إجابة, اللهم أسألك أن تريني الحق حقا وترزقني اتباعه, وتريني الباطل باطلا وترزقني اجتنابه... قد لا يعجب البعض هذه الفقرة, فأنصحه بعدم التعجل وقراءة الفقرة مرتين وثلاث كما يقول أحبتنا في مصر: "بالـراحـة"

رابعا مسألة تقليد الآباء, وهو مذموم شرعا إن كان يخالف أمر الله, وحتى إن لم يكن يخالف فالإنسان عندما يعطل هذه النعم ويقلد غيره فإنه لا شك أقل درجة من الذي يختار ويبني اختياره على علم ودراسة سواء بالآيات الكونية أو الشرعية. ومن يقلد من يؤمن بالله لا شك أنه خير من الذي يقلد من يكفر بالله, فالثاني أقصد الكفرة بالله لا يمكن البرهان عليه, ولا يتأتى إلا من معاند ومكابر لآيات الله سبحانه وتفصيل هذه الأفضلية يطول جدا وليس هذا موضعه.  كم من مسلم اليوم يؤمن بالله سبحانه وتعالى ويؤمن بنبيه صلى الله عليه وسلم, ومن ثم لا يدري لماذا يؤمن بالله وستجد كثيرا منهم يقلد من سبقه. فإنه لو سأله أي إنسان سواء مسلم أو غير مسلم: "أعطني 5 آيات تدل على وجود الله" لم يستطع! وإن قلت له أثبت لي أن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون كلام بشر لربما فشل, وإن سألته أثبت لي أن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق ربما لم يجد إجابة مقنعة! والمفروض أن المسلم العامي يعرف هذه الأمور وهو في المرحلة الابتدائية وتكون له إجابات لهذه المسائل المهمة, يجب أن يكون إيمان المسلم نابع عن قناعة وفكر وليس فقط مجرد تقليد للآباء. أما من لا يملك وسائل طلب العلم لهذه الأمور أو به نوع من الجنون والغفلة (وهم قلة) فلا مانع حينئذ أن يقلدوا, هذا والله أعلم. وما كان من صواب فمن الله سبحانه وتعالى وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


Wednesday, August 6, 2014

وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... كما أقول دائما, لا أحب الكتابة عن السياسة, ولكن لدي بعض الملاحظات عن بعض أفعال المسلمين الذين لهم تأثير سياسي واجتماعي, وذلك من باب التفكّر في أفعالنا كمسلمين, هل هي ترضي الله سبحانه أم لا, ولعل بعد قراءة هذا المقال يدرك كل منا أين نقطة ضعفه أو كيف يمكن أن يؤخذ عليه من قبل غيره. وطبعا أحب أن أنوّه أني لا أقصد في هذه المشاركة العموم ولا تحديد أي فرقة أو أي فكر من هؤلاء على الحق فقد اختلطت الأمور لدرجة أن أصحاب الفرقة الواحدة قد يحملون توجهات خمسة من الفرق الأخرى. إنما المقصود في هذه المشاركة فرد أو أفراد أما لغة الغالبية والعموم فإني سأحاول مهما أمكنني أن أتجنبها وأحب أن أبين أن المشاركة قد تعتبرونها طويلة وربما تأخذ منكم 5 دقائق لقراءتها...

طبعا لا يخفى عليكم الذين يفعلون أمورا هي مخالفة للدين بحجة الدفاع عن الدين, والسنة, وغير ذلك ثم عندما تنكر عليهم يقولون لك بأن ما يفعلونه من صلب الدين وهكذا يحسبون أنهم يحسنون صنعا... ولم ينجو من ذلك أفراد من جميع الطوائف والفرق الإسلامية, سواء المنتسبين إلى الإخوان أو السلفية أو الشيعة أو الصوفية أو الذين يُعرفون اليوم بالجامية (ملاحظة: الجامية ليست فرقة وإنما توجه فكري منتشر بين كثير من المشايخ اليوم يختلف عن فكر الشيخ محمد آمان الجامي نوعا ما) وسأذكر بعض ملاحظاتي وربما بعض انتقاداتي لأفعال هؤلاء بغض النظر عن الطوائف التي ينتسبون إليها, ومن أراد الحق فالقرآن موجود وكل ما عليه أن يعرض نفسه وأفعاله على القرآن الكريم ثم يوزنها, إنما أنا أسلط الضوء فقط.... وطبعا لن يعجب البعض ما سأكتبه وكذلك عادة الناس فإنهم لا يعجبهم أن يأتي أحد ينتقدهم أو يظهر عوار تفكيرهم...

سأبدأ بالحداثيين أو الذين يتبنّون الأفكار التنويرية و من يدعون إلى الوسطية والإنسانية والتسامح وترك التشدد والعصبية ومنهم المختصين بانتقاد الأحاديث المنسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم. ستجدون أحدهم مثلا يكثر من سب السلفيين أو أهل الحديث ويلمزهم في كل كتاباته أو مقالاته, وذلك لأنه يظن أن أهل الحديث خانوا المسلمين بالأحاديث التي ينسبونها للنبي صلى الله عليه وسلم, وأن هذه الأحاديث سبب لفرقة المسلمين شيعا وأحزابا... وربما تأخذه الحماسة فيبدأ بسب من مات من علماء الحديث ويتهمهم بالخيانة والعمالة وكأنه سلط على قلوبهم فهو يعرف خفايا القلوب وما تخفي الصدور. وطبعا إن أنكرت عليه اتهام نواياهم لقال لك إنما أفعالهم تبين ذلك, وكأن الإنسان كل فعله يفعله, يفعله بقصد سيء وغفل أن الإنسان قد يفعل الخطأ بنية حسنة. ثم إنك لو سألته ألا تدّعي التسامح والرحمانية فلماذا لا تسامحهم؟ فربما يرد عليك ويخبرك بأن ما فعلوه لا يغتفر وقد أوقعونا في مزالق ومصائب لا يعلمها إلا الله, وهكذا حكموا عليهم بعين ما ينتقدون به خصومهم وهذا من العجب.

كما أن بعض منهم اتهم الرواة الذين ينقلون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم قد يُبطنون الكفر والكذب ولكن لا يظهر لنا فكما أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف كل المنافقين بأعيانهم فكذلك هؤلاء وطبعا هذه المقولة فيها من الحق الشيء الكثير لكن ما أدراك أيها الأخ بأن الرواة كانوا يبطنون الكذب أيضا, لماذا لا تريد أن تقنع نفسك بأنهم ربما كانوا يبطنون الصدق وكانوا يتحرون الصدق ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ولكنهم وقعوا في الخطأ وجل من لا يُخطئ!؟ طبعا سيعود إلى رده السابق. ما الفائدة المرجوة من سب الأموات من الصحابة والتابعين والعلماء فقط لبعض المواقف التي يمكن حملها على أكثر من وجه ويمكن أن ينظر إليها بمنظور آخر. ولنفترض أن هناك خيانة أو غير ذلك, فما الفائدة من سبهم اليوم؟ (ملاحظة السب يختلف عن الانتقاد) وجدت بعض هؤلاء يسخر من المشايخ وخاصة مشايخ السلفية فقط لبغضه لأهل الحديث وذلك لأن السلفية في نظره هم ورثة أهل الحديث, فما إن تكلم شيخ من مشايخ السلفية إلا ولمزه أو سخر منه. فإن نصحته في ذلك, قال لابد أن نحرر المسلمين من قيود الوهابية والسلفية التكفيرية.

وطبعا هناك ميل غريب عنده لكل ما هو غربي أو فكر علماني, فتراه كثيرا ما يمدح أخلاق اليهود والنصارى ويذم أخلاق المسلمين في كل حين, وكأن هذا الغالب في الطرفين! يمدح الغرب في حق وباطل وينبهر وكأن ليس للمسلمين أي شيء وكأنهم لم يقدموا للعالم أي شيء, فإن قيل له في ذلك, فيقول انظر تخلف المسلمين كيف فعل بنا, أصبحنا في مؤخرة في الأمم. والإنصاف يقتضي ذكر المحاسن والمعايب على الأقل وقد أنصف الله سبحانه وتعالى اليهود في كتابه. وهذا الشخص كما أنه يكره فكر أهل الحديث والسلفية فإنه يكره أي فرقة إسلامية لها ظهور في الساحة سواء إيجابيا أو سلبيا, سواء السلفية الجهادية أو الإخوان أو غيرهم, فربما يفرح بهجوم الكفار على المسلمين أو علوّهم على المسلمين لأنه يرى جزءا من العلاج لا يتجزأ ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)) وطبعا لا تستغرب إن رأيت أحد أفراد هذا الفكر يكرر ما قاله نيتشه أو يستشهد بديكارت أكثر من استشهاده بآيات الله سبحانه وتعالى, بل ربما يقوي قول الله سبحانه وتعالى بقول هؤلاء جهلا, وطبعا تراث المسلمين لا يخلو من العلم ولكن هذا الشخص رضي بأن يكون على ساحل بحر المسلمين يطلب اللؤلؤ والمرجان من غير أن يغوص وغاص في بحيرة غير المسلمين فوجد ما وجد ثم وكأن المسلمين لا شيء عندهم ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا))

وأما السلفية, فربما تجد أحدهم كأنه لا يعيش في هذا العصر إنما يُخيل إليه بأنه في القرن الثالث أو الرابع الهجري, فيظن أن كل شيء كان ينطبق وقتها ينطبق اليوم وإن تمّت المخالفة فإما أن يكون هذا المخالف مبتدع أو كافر بنص الحديث الفلاني. فإن قيل له بأنه ليس هناك حديث صحيح في هذه المسألة المعينة, لقف شعر بدنه و بدأ بالهجوم عليك من غير تريث وتفكر وربما قال لك: "بدأت تتزندق, وبدأت تنتهج نهج الشيعة فهم بؤرة الشر". فإن قلت له لكن على حسب أصولكم فالراوي فلان ضعيف, ذاك غير ثقة وهذا كذا وكذا, قال لك أنت تشكك في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يا زنديق!, فإن قلت له بأنك لا تشكك في الرسول صلى الله عليه وسلم إنما تشكك في صحة نسبة هذه المقولة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم, لقال لك أنت تتهم العلماء الذين حملوا ودافعوا عن هذا الدين وإما أن يقول أنت لست بعالم والخير كل خير في اتباع السلف والعلماء. فإن قلت له بأن العلماء اختلفوا فيما بينهم وكذلك السلف, لربما اتهمك بأنك تبحث فيما لا يُبحث عنه, وكأن هناك تاريخ لا ينبغي لأي إنسان حتى أن يحلم بأن يقرأه. وهكذا تجد هذا لا هو ينشر العلم الصحيح, وإن نشر لا يفهم العلم الفهم الصحيح, وإن قيل له في ذلك اتهمك بالجهل وزكى مشايخه وطبعا مشايخ الفرق الأخرى لا وزن لهم, فإنهم ليسوا من أصحاب الفرقة الناجية ومعنى ذلك أنهم يستحقون النار ومعنى ذلك أنهم حكموا بما لا علم لهم ومعنى ذلك أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا))

وهناك فئة من الناس يظنون أن الإسلام فقط حمل السلاح وتخويف الناس وتعريض المسلمين للخطر, وذلك لأن مفهومهم عن الدين أنه لم يصل إلينا على طبق من ذهب, إنما وصل إلينا بعد جهاد الصحابة وتضحيات السلف وحمل السلاح وغير ذلك. وبالتأكيد لا يختلف على الأخير أحد, ولكن لم تكفرون المسلمين والحكومات بالجملة؟ لقالوا لأنهم يوالون اليهود والنصارى ويخذلون المجاهدين فقد أتوا بناقض من نواقض الإسلام المعروفة في كتب ابن باز وابن عثيمين وصالح الفوزان وغيرهم. فإن قلت لهم ولكن هؤلاء الذين تكفرونهم لا يقصدون الكفر وإنما يفهمون النصوص فهما غير فهمكم, فلماذا يحق لكم فهم النص بطريقة ولا يحق لهم فهم النص بطريقة أخرى إن كان النص يحتمل هذا وذاك؟ وطبعا الرد جاهز, لأن فهمهم ناتج عن مخالطتهم الكفار والمنافقين فلا ينبغي أن يؤخذ بفهمهم وطبعا هناك ردود أخرى قد يلجؤ إليها, فيقول بأن تخويف العدو أمر مطلوب شرعا, ولكن هذا التخويف لمئة من العدو قد ينتج عنه تخويف ألف ألف من المسلمين! وطبعا الرد جاهز عنده, فيقول فليصبروا فإن المسلمين الذين جاهدوا كانوا يصبرون, وكأنه يريد تطبيق ما كان يحصل في أفضل أحوال المسلمين في زمن أحوال المسلمين مختلفة... وربما يقول لك لكن الشيخ فلان وفلان يوصي بكذا وكذا, فإن قلت له بأن علماء المسلمين لا يقتصرون على فلان وفلان بل هناك غيرهم كثر, لقالوا أولئك علماء السلاطين أو من الذين "تصهينوا مع حكّامهم" وهكذا يكفرون ويبدعون وغير ذلك ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا))

وطبعا هناك من الإخوان من لا يعجبه العجب, فإن قامت حكومة ببناء مسجد اتهمت نوايا هذه الحكومة بأنها تضلل المسلمين وتحاول أن تلبس قناعا وتريد غسل عقول الشعب, فإن قيل له بأن المسلم مطالب بحسن الظن أجابك بأنه لا أحد يستحق حسن الظن اليوم, فإن قلت لهم لم نحسن الظن بك إذا, فيقول لأني أحب الإسلام, وهكذا يزكي نفسه ويكفر غيره من طرف خفي. وطبعا إن قيل لهم لم تتربصون ببعض الحكومات وتستغلون أي فرصة لإثارة الفتنة والفوضى قيل لك بأن هذا كذب وافتراء عليهم ويبدأ بفتح قصة المؤامرة وكل ذلك من غير علم أو برهان يمكن أن يُستند عليه ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)). وربما تجد أحدهم يدعو إلى نصرة الإسلام والمسلمين ويصرخ هنا وهناك ومن ثم هو لا ينصرهم لا في نفسه ولا في ماله أو ولده فإن قيل له في ذلك لقال إنما علينا البلاغ وهكذا رضوا بالمرتبة الثانية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويريدون من غيرهم الدرجة الأولى. وطبعا اتهام علماء المسلمين بأنهم من علماء السلاطين قد يكون أسهل من شرب الماء عند أحدهم فإن ذكرته بآداب احترام العالم والكبير لربما استمع إليك ولكن في اليوم الثاني يعود.

من جهة أخرى, نجد بعض من ينتهج نهج الفكر الجامي المعاصر يضيع وقته فقط لمراقبة مشايخ الإخوان أو الذين يتعاطفون مع الإخوان أو من ذوي الشهرة من مشايخ السلفية. فإن قلت له يا شيخ بارك الله فيك اطلب العلم ولا تضيع وقتك في هذه الأمور ولا تغتب المسلمين, رد عليك وقال لابد من تعرية دعاة الفتنة وهكذا حكم على معظم هؤلاء بأنهم مبتدعين, والمبتدع هو مهدد بالنار. فإن قلت له هل أنت تكفره؟ فيقول لا بالتأكيد لا, نحن لا نكفر أعوذ بالله! فإن قلت له هل هو مسلم؟ فيقول نعم. فإن قلت له هل سيدخل الجنة في النهاية أم سيدخل النار خالدا مخلدا فيها؟ ربما يختار الأول وقلبه يتألم بناء على بعض الأحاديث التي يعتقد بها, فتقول له إذا لماذا تغتاب من قد يكون مصيره من أصحاب الجنة إن كان يشهد بأن لا إله إلا الله إلى النهاية؟ قال لك لكي لا ينخدع الناس وعلماء السلف كانوا يحذرون من دعاة الفتنة, فالعبرة ليست بدخول الجنة في نهاية المطاف ولكن في النجاة من النار. وطبعا تجد هذا الإنسان حريصا على أن يخطئ أخاه المسلم بدلا أن يهديه الله, بل يفرح بزلاته فإنه يستخدمهم كعناصر لبرنامجه أو لكتاباته وبالتالي يحصل على رضا الجمهور. فإن قلت له بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يضيع وقته في هذه الأمور بعنوان محاربة دعاة الفتنة, ولا شك أنهم كانوا موجودين بنص القرآن الكريم, ولا الصحابة الكبار, لم يكونوا يتصيدون أخطاء المسلمين, على الأقل فيما أعلم. لكن طبعا لن يعجبهم كل ذلك فإن محاربة دعاة الفتنة من الجهاد, وحيا هلا بالجهاد, فنقول إذا لماذا تسبون الأشخاص وتلمزونهم ولا تنتقدون الفكر, فكما تعلمون, هناك فرق كبير بين نقد المقال وبين نقد صاحب المقال. لماذا لا يسلم منكم أموات المسلمين من السخرية والسب وغير ذلك؟ طبعا كالعادة الرد جاهز: "لكي لا يتعاطف معهم المسلمين, فإن تعاطفوا فهم معرضون للبدعة" وهكذا ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا))

ومنهم من يقوم بمدح ولاة الأمر ليل نهار لا يفتر عن ذلك أو على الأقل أصحاب السياسة في الدولة, فإن قال له مسلم عامي بسيط يغار لله: "يا شيخ, إنك تثني على هؤلاء أكثر مما تثني على الله سبحانه وتعالى وتمدحهم أكثر من رسول الله صلى الله عليه وسلم" فطبعا الرد جاهز: "إن هذا كذب وافتراء علي! لابد أنك من أصحاب الفرق الضالة والأهواء, لا أشك إنك من جماعة الإخوان!" ويبدأ فوبيا الإخوان يسيطر عليه, فيرد العامي: يا شيخ والله لست بإخواني ولكني مسلم, وإنما تغريداتك وكتاباتك تشهد عليك" فطبعا لا يمكنه أن يكذّب العامي فكتاباته تشهد عليه, ولكن الرد الآخر جاهز عنده فيقول: "إنما أفعل ذلك لأن دعاة الفتنة ينتقصونهم فكان لابد من فعل العكس" وهكذا تجده يعود إلى الغيبة وذكر مساوئ المسلمين ولمزهم وتصنيفهم والحكم عليهم سواء بدعاة النار أو البدعة أو الكفر أو اتباع الهوى وكل ذلك من باب الجرح والتعديل وبحجة الحفاظ على الدين والسنة ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)) والله المستعان والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...


Tuesday, August 5, 2014

For The Love Of Truth



How much do you value the truth? Have you ever asked yourself this question? I am not speaking to common people who may think this question is a waste of time, but people who are aware of the subject matter. Recalling the events of my life, I realized in a period of my life, my love of truth stained by the love of oneself. When I first started seeking knowledge, searching for answers to questions I used to have, I remember keeping the truth above anything or so it seemed to me. It’s when we love the truth for its own sake and allow that love to deepen in our hearts, we will begin to see that loving anything else takes away from love for the truth, and this is exactly what happened to me. I started to love things beside the truth. There was a period in my life when I gained a quite modest level of knowledge, where I used to find myself in debates with people, usually Muslims. In my debates, I cared that the truth shines on my side, that I speak the truth and not the other side even though I was aware of the verses of the Quran and the sayings of Prophet Mohammed (May peace and prayers be upon him). The reason for that was my ignorance of the growing pride and arrogance in my heart. As soon as I realized how I am drifting away from my original cause, in one of my periodical personal reflections, I told myself, love of truth must become dominant. Before my motivational fire extinguish I started burning the tree of pride, cutting its branches with everything I could. For this I punished myself well not punished but disciplined myself in a way to focus on the truth, the truth only, after all, Islam taught me clearly to exert whatever effort in order to obtain truth.

Muhammad Ibn Idris al-Shafi‘I, one of the greatest Islamic Scholar in history, had a beautiful attitude and manner, he used to swear that he don’t care whether he speaks the truth or the one he is debating, as long as reaching the truth, it’s more than enough for him. I admit, with all the disciplines, with how educated I seem to you guys, I am not even close to the level of this man in seeking the truth. Yes, I would love to find the truth, I would love to learn new things, but there is still something deep in my heart, that makes me little bit happy if I was the one who is speaking it but soon Insha’Allah this will be gone forever, many people have paid supreme prices for truth, sacrificing bits of happiness resulted from self-love is but a cheap price.

Some may think that Al-Shafi’I’s love for truth is unnecessary or impossible, but let’s give it a thought. Imagine you were traveling abroad, and your cute little child got lost, would you really care who will find your child? Or you would appreciate anyone finding your lost child? Of course you wouldn’t say something like this: “If I don’t find him, it’s better he stays lost”. I am sure most of you would appreciate and thank the one who found your lost child even if it was your enemy, not only that, but maybe your eyes will be filled with tears of gratitude for the person who found him. I personally think Al-Shafi’I’s love for the truth is comparable to the love of his children, I can assure you that or at least I understand his love, even though I didn’t reach his level, but my love for the truth far exceeds of common possessions of pleasures of people, food, resting or sleeping, relationships, etc... and I am sure out there, there are hundreds like me or even more. I don’t know how to describe it, it’s kinda like the thirst of the desert for the rain, It’s like finding a new piece of your soul, it’s like getting one step closer to the Absolute source of Love and Truth. There is this mystical beauty about the truth that can’t be described by the words. I don’t want to sound arrogant and I swear I don’t mean to belittling others, but it makes me sad some people do not even care enough to study to learn the truth. I think in every soul, there is this place that loves to know the truth, my advice to you all start searching in yourself, don’t let the shadows of this world hide this truth-love in you. I don’t want to make this even longer, all I wanted to say in very short terms: the love of Truth can’t be just one of the so many loves in your life. Love the truth and start searching for the truth. 


Monday, August 4, 2014

كلمات عن الإيمان


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, منذ سنوات وأنا أبحث في المواضيع التي لها علاقة بالدين, ومن تقريبا سنة أنا في حيرة من موضوع الإيمان. أقصد بالحيرة, ما الإيمان وما المطلوب منا؟ وأنا أتأمل بعض آيات القرآن الكريم توصلت إلى نتيجة أرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون مصيبا, ولكن ما توصلت إليه يخالفني فيه جمع كبير من الناس ولن يعجبهم ما سأقول, لكن علي أن أبدي ما في جعبتي فربما أكون مصيبا فيستفيد مني الناس أو أستفيد من انتقاداته, فما كان من صواب فمن الله, وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان.

أولا كلمة الإيمان في اللغة: "التصديق" كما يقوله أكثر أهل العلم و يحسن بي أن أنقل ما قاله الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في كتابه: "شرح العقيدة الواسطية". قال الشيخ: "فأكثر أهل العلم يقولون: إنَّ الإيمان في اللغة: التصديق، ولكن في هذا نظر؛ لأن الكلمة إذا كانت بمعنى الكلمة، فإنَّها تتعدَّى بتعديتها، ومعلوم أنَّ التصديق يتعدَّى بنفسه، والإيمان لا يتعدى بنفسه، فنقول مثلاً: صدقته، ولا نقول: آمنته، بل نقول: آمنت به، أو آمنت له، فلا يُمكن أن نفسر فعلاً لازمًا لا يتعدَّى إلا بحرف الجر بفعل مُتعدٍّ ينصب المفعول به بنفسه، ثم لأنَّ كلمة (صدقت) لا تعطي معنى كلمة (آمنت)، فإنَّ (آمنت) تدُلُّ على طمأنينة بخبره أكثر من (صدقت)، ولهذا لو فسر الإيمان بالإقرار، لكان أجود، فنقول: الإيمان: الإقرار، ولا إقرار إلا بتصديق، فنقول: أقرَّ به كما نقول: آمن به، وأقرَّ له كما نقول: آمن له" انتهى كلام الشيخ وأظن أن الشيخ قد وُفّق في هذا التفصيل, فكلمة الإيمان قد تكون مشتقة من أمن, اطمأن فالمؤمن الحق من اطمأن لكلام الله سبحانه وتعالى. لا أريد أن أدخل تفاصيل الإيمان ومقتضيات ولوازم الإيمان, فقد كتبت ذلك من قبل في مشاركات سابقة, ولكني هنا أحاول فهم من هو المؤمن.

بعيدا عن المعنى الشرعي للمؤمن كما عرّفه بعض العلماء, وبعد تأملي لبعض آيات القرآن الكريم, وجدت أن المؤمن هو الذي يطمئن لما غاب عنه, أو يصدق الغيب الذي لا باستطاعته أن يثبته حسيا سواء اثباتا علميا أو بتجربة أو مشاهدة. أقصد بذلك بأنه لن يستطيع أن يثبت وجود الملائكة بالأجهزة مهما تطورت هذه الأجهزة, ولكن يستطيع أن يستدل على وجود الملائكة, وكذلك لن نستطيع أن نرى الله سبحانه وتعالى جهرة مهما حصل ولكن نستطيع أن نثبت وجوده استنادا على آياته في الكون أو بالطرق الفلسفية والعقلية. بل حتى لو بحثنا في الإعجاز العلمي واكتشفنا مئات الآيات التي تدل على الاعجاز العلمي فكلها مجرد استدلالات على وجود الله وهناك فرق بين الاستدلال بالآية وبين وجود الشيء حقيقة ولا أريد أن أدخل في موضوع فلسفي عميق لبيان الفرق. إن بحثت في جميع آيات القرآن الكريم, لوجدت بأنه إن كان هناك أمر بالتصديق أو الاطمئنان بشيء غيبي لا يقول الله سبحانه وتعالى صدقوا ولكن آمنوا. فمثلا قول الله سبحانه وتعالى: ((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)) فالله سبحانه وتعالى غيب, و الملائكة من الغيب, وكتب الله من الغيب, والرسل من الغيب و قوله سبحانه: ((لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)) لم يقل صدّق بالله ولكن آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين. وهكذا ابحث في جميع آيات القرآن التي ذكر فيها الإيمان لوجدت أن هناك أمر غيبي لا يمكنك اثباته حسيا.

قد تقول لي ولكن القرآن أثبتناه علميا بنقله إلينا بالتواتر وكذلك التوراة والإنجيل موجود اليوم عند اليهود و النصارى ويسمى "بالكتاب المقدس" و الرسول صلى الله عليه وسلم قبره موجود اليوم, فنستطيع اثبات وجوده وهذه الأمور اليوم فلماذا ذكر الإيمان بمعرض ذكره لها. أقول والله أعلم, بأن الإثبات العلمي بالتواتر وغير ذلك غير ممكن, أقصد حادثة نسخ ونقل القرآن إلينا أو نسخه والأحداث التي وقعت, مثلها مثل الأحاديث النبوية, لا يمكن اثبات ما ينسبونه للنبي صلى الله عليه وسلم بنسبة 100% علميا عن طريق النقل لأن في النفس البشرية جانب لا يعرفه إلا الله سبحانه وتعالى فلابد من وجود مجال للشك. وكذلك الكتب الموجودة اليوم عند اليهود والنصارى, لا يمكنهم باعترافهم هم بأنها نقلت 100% كما أنزل على موسى أو عيسى عليهما الصلاة والسلام. ويكفي دحض مزاعمهم ما ذكره الله من التحريف في القرآن الكريم.

كذلك وجود الأنبياء, أقصد موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام أجمعين. لا يمكن لمؤرّخ اليوم أن يثبت وجودهم اليوم استنادا على قبر أو شيء من هذا القبيل, بل حتى تاريخ ميلادهم مختلف عند جميع الطوائف. فإن وجدوا جثة في قبر من القبور, فكيف سيعرفون أن هذا للنبي ولم يتغير, لا يمكن أبدا, لابد من وجود مجال للشك, أما حديث: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" فجمع من العلماء انتقدوا الحديث وضعّفوه. فالذي أريد أن أقوله, أنك اليوم إن أردت أن تثبت لغير المسلمين عن قطعية النقل أو قطعية وجود النبي أو غيره من الأنبياء والكتب لن تجد إلى ذلك سبيلا, ولكنك ستستطيع أن تستأنس بأمور ترجح ما لديك أما الإثبات القطعي فلا وهناك فرق بين الإثبات القطعي وحصول اليقين ولبيان الفرق مبحث آخر ليس هذا موضعه.

قد تقول بهذه الطريقة, ستجعل الشك يدخل في قلوب المسلمين, أقول هذا غير صحيح! بل إنا ما أقوله قد ينقذ بعض المسلمين من الكفر. فمثلا الشخص الذي يعتمد على المرويات المنقولة, ثم يكتشف بعد ألف سنة أن مرويات فلان كلها ضعيفة, أو نقل فلان غير أمين (كما حصل بين الشيعة وأهل السنة في مسألة نقل القرآن) لربما كفر! وبالفعل تجد أن كثيرا من المسلمين في الخليج والسعودية خاصة كفروا والحدوا بسبب تصديقهم بهذه الأمور وعدم وجود الإيمان في قلوبهم. أما إن كان الإيمان موجودا, فحتى إن عُدمت هذه الأمور لم يكونوا ليكفروا. لنفترض مثلا جاء أحدهم وحفر قبر النبي صلى الله عليه وسلم, ثم لم يجد فيه أحد, هل لك أن تتخيل حاله وحال المسلمين! قد يكفر ألوف من المسلمين بسبب أنهم فقط صدقوا بحديث ضعفه العلماء ولكنهم لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم كما هو المطلوب منهم في القرآن الكريم. أما الشخص المؤمن بالغيب وإن لم يكن لديه ما يثبت ما يؤمن به, فلن يضره وجود جسد النبي الشريف صلى الله عليه وسلم أو عدمه, ولن يضره (بمعنى أن يكفر) صحة نقل هذه المرويات أو العكس, فهو مؤمن!

وبما أن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضا, ما عليك إلا أن تفتح أول صفحة في سورة البقرة وتقرأ بداية السورة, ((ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)) من هم يا رب؟ ((الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)) ((والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون)) هذا أفضل تعريف شرعي للمؤمن. وإن أردت رأيي الشخصي, الإنسان الذي يصدق بشيء لا يمكنه أن يثبته أعظم تصديقا من الذي يصدق بشيء يستطيع أن يثبته. وسأعطيك مثالا وانت اختر أيهما أصدقهم لي, إن قلت بأني أستطيع أن أكسر هذه الخشبة, فقال الأول نعم أنا موقن بأنك تستطيع, وقال الآخر لن أصدق ذلك حتى أرى فعلا تكسر هذه الخشبة. أيهما أعظم تصديقا لي؟ الأول بالتأكيد, وكذلك المؤمن, الذي يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله من غير حاجة إلى اثبات علمي, أو تجربة أو مشاهدة, لا شك بأن إيمانه أعظم من إيمان الشخص الذي يؤمن بالقرآن فقط لأنه وجد اعجازا علميا في القرآن, أو يؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم فقط لتحقق نبوءة من النبوءات. وبهذا الفهم للإيمان نستطيع أن نحل مشاكل كثيرة, بل إن المسلمين الذين كفروا بعضهم بعضا, قاموا بالتكفير بسبب عدم ادراكهم لهذه اللطيفة في كتاب الله سبحانه وتعالى... أظن والله أعلم بأنه سبحانه وتعالى يريد منا أن نثق به ونطمئن ونؤمن به من غير طلب اثبات مشاهدة أو غير ذلك كما فعلت اليهود من قبل فقالوا: ((أرنا الله جهرة)). الإنسان الذي يدرك ما المطلوب منه من ناحية الإيمان, أعظم تصديقا و أوسع صدرا وأبعد أفقا من غيره. لك أن تتخيل سعادة صديقك بثقتك, إن قال لك, ثق بي, سآخذك معي إلى البلد الذي تحبه وأنت تثق به ليس لأنه أثبت لك بأنه قادر على أخذه معك, لكن فقط لمحض الثقة والتصديق...

قد تقول إن في هذا لمخاطرة إذ يمكن لأي انسان أن يؤمن بأي شيء يريده, أقول نعم وهو كذلك, فالله سبحانه وتعالى لا يريد أن يجبر الناس على أن يؤمنوا به, أعطاهم حرية الاختيار (بخلاف ما يقوله بعض من يدعون العلم) فهذه الحياة الدنيا عبارة عن ابتلاء والابتلاء هو الاختيار, كل ما عليك هو أن تختار, في كل لحظة, في كل أمور حياتك ستجد نفسك في حالة اختيار ولكن تفصيل وبيان ذلك في مشاركة أخرى إن شاء الله... فأنت تختار ما تؤمن به, أنت تختار أين تضع ثقتك, أنت تختار المعايير وغير ذلك. ((فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)) أنا كمسلم قرأت القرآن الكريم وقرأت كتب الهندوس وقرأت كتب اليهود وقرأت كتب النصارى وقررت أن أضع إيماني في كتاب الله لأسباب كثيرة ولكن فوق كل هذه الأسباب الإيمان بأن هذا الكتاب وما يحتويه من كلمات لا يمكن أن يكون إلا من عند الله سبحانه وتعالى, هذا والله أعلم... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

الرايات السود والدولة الإسلامية في العراق والشام



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

قررت أن أكتب هذه المشاركة بعد قراءتي لمقال الباحث الإسلامي الشيخ حسن فرحان المالكي عن الأثر المنسوب لعلي بن أبي طالب في الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). والأثر المنسوب لعلي بن أبي طالب هو: "إذا رأيتم الرايات السود فالزموا الأرض فلا تحركوا ايديكم ولا أرجلكم، ثم يظهر قوم ضعفاء لا يؤبه لهم، قلوبهم كزبر الحديد، هم أصحاب الدولة، لا يفون بعهد ولا ميثاق، يدعون إلى الحق وليسوا من أهله، أسماؤهم الكنى  ونسبتهم القرى، وشعورهم مرخاة كشعور النساء، حتى يختلفوا فيما بينهم، ثم يؤتي الله الحق من يشاء" وللأسف هذا الحديث الموقوف (وفي صحة وقفه مقال) نسبه بعض المشايخ جهلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وبعض من صغار طلاب العلم أراد أن يبرئ نفسه فقال: "حديث في سنده مقال" ولم يذكر صراحة بأن الحديث أصلا لا يصح نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأعلى درجاته بأنه موقوف, فإما هذا من الجهل أو نوع من الخيانة نسأل الله العافية. أما الشيخ المالكي أظنه والله أعلم وفق في بيان حال الحديث الموقوف أكثر من الذي قصدته في هذا المقال فجزاه الله خيرا وهذا ما يميز الباحث الحقيقي, الحيادية والنزاهة.

وأما عن موضوع الأثر فأنا لن أبحث في تفاصيل السند فقد فعل ذلك الشيخ حسن وأنا من الذين يرون ضعف سند الأثر. ولكن على فرض صحة الأثر فشخصيا لا أظن أن المقصود بالأثر هم الدولة الإسلامية في العراق والشام, بل أظن أن المقصود هم العباسيون, فإنك إن أخذت تفاصيل هذا الأثر وجدته ينطبق تماما عليهم, أولا هم من أتوا بالرايات السود, وكان من بينهم أبو مسلم الخراساني المعروف, فأبو مسلم الكنية و الخراساني نسبته, ومن قرأ ترجمة أبو مسلم الخراساني يجد فيه بأنه كان حسن اللحية طويل الشعر. فهذا الأثر يبدو لي أثر سياسي من نتاج الأمويين أو على الأقل الذين كانوا ضد العباسيين. ومن جهة أخرى نجد بعض الأحاديث المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم فيه دعوة لمساندتهم: "إذا رأيتم الرايات السود خرجت من قبل خراسان، فأتوها ولو حبواً، فإن فيها خليفة الله المهدي" وهكذا بعض هذه الروايات المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة, تجد بعضها معهم والأخرى ضدهم, وطبعا اليوم لن يجرؤ بعض المسلمين أن يذكروا هذه الروايات التي معهم بسبب ظهور داعش وأفعالهم, والحقيقة ومن يدرك أثر السياسة في وضع هذه الأحاديث لغسل يده من جميع هذه الروايات المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم أو علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقاتل الله السياسة كم من كذبة نسبوها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لأغراض شخصية, وكما قيل, لم تدخل السياسة في شيء إلا أفسدته. وكذلك نجد أثر السياسة في أحاديث ما يسمى بالمهدي أو السفياني أو الرايات السود...الخ لوجدت كثير منها أو معظمها نتاج السياسة ولا يصح أسانيد كثير منها. وكما قلت البارحة, مشكلة الفرق الإسلامية سواء السنية أو الشيعية أو الزيدية يجعلون أصلا من أصولهم مبني على هذه الأحاديث التي لا يمكنهم أن يقطعوا بصحتها, ومن هنا يحصل الخلل. فبعض من أهل السنة هداهم الله كفروا جمع من المسلمين بطريقة غير مباشرة بسبب اعتمادهم على حديث في سنده مقال, وكذلك السلفية الجهادية, لم يضبطوا أمور الجهاد بسبب اعتمادهم على حديث في سنده مقال, وكذلك الشيعة بنوا عقيدة المهدي على روايات في أسانيدها مقال وأيضا الصوفية بنو كثير من أصولهم على حديث في سنده مقال, ولو أن هؤلاء جعلوا جميع أصولهم مبنية على القرآن لكان الأمر مختلفا ومشرفا, وهنا يتجلى للبعض بعض معاني قول الله سبحانه وتعالى: ((وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا))

ناقشت البارحة أحد أفراد الجماعة الأحمدية, فقال لي لم لا تؤمن بميرزا غلام, فالرجل تنبأ بأمور قد وقعت بالفعل, قلت له هذه هي المشكلة, أنتم يكفيكم أن يتنبأ شخص بحدث مستقبلي فيقع فتؤمنون به أما أنا فلا يكفيني ذلك. فقال لي وكيف ذلك ونحن نؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه تنبأ بأمور مستقبلية, قلت له ربما أنت, أما أنا, فآمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه أتى بكتاب لم يأتي به أحد من غيره, ولا يكون هذا الكتاب إلا من عند الله سبحانه وتعالى فالفرق كما بين السماء والأرض. كم نسمع من بعض اليهود والنصارى او من عبدة الأوثان من تنبأ بأمور وفعلا قد وقعت بل حتى قبل الإسلام من علماء الاغريق من تنبأ بأمور قد وقعت, هل يعني هذا بأنه يجب علي أن أؤمن بهم؟ مشكلة البعض اليوم أنه يجعل من الحديث الموضوع حديث صحيح فقط لأن ما فيه قد حصل بالفعل وهذا خطأ وخطورة هذه الفعلة تكمن في تأثيرها على غير المسلمين. البعض منا يعتمد على أحاديث لا يستطيع أن يقطع بصحتها لتفسير الواقع, ويكثر هذا في الباحثين مجال الإعجاز العلمي, ويكثر أيضا في عوام الناس الذين يحبون السياسة, ولكنهم إن درسوا التاريخ, وعرفوا أثر السياسية والخلافات في وضع الأحاديث, وعرفوا مدى أثر الخلافات المذهبية والطائفية في الرواة ومروياتهم لتركها واعتمد على القرآن, وهذا ليس بصعب على الباحث ولا أظنه صعبا على الشيخ حسن فرحان المالكي. نحن لسنا بحاجة إلى روايات ضعيفة أو في سندها مقال لنتأكد من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم, حسبنا القرآن الكريم كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا والله أعلم.