Wednesday, August 6, 2014

وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... كما أقول دائما, لا أحب الكتابة عن السياسة, ولكن لدي بعض الملاحظات عن بعض أفعال المسلمين الذين لهم تأثير سياسي واجتماعي, وذلك من باب التفكّر في أفعالنا كمسلمين, هل هي ترضي الله سبحانه أم لا, ولعل بعد قراءة هذا المقال يدرك كل منا أين نقطة ضعفه أو كيف يمكن أن يؤخذ عليه من قبل غيره. وطبعا أحب أن أنوّه أني لا أقصد في هذه المشاركة العموم ولا تحديد أي فرقة أو أي فكر من هؤلاء على الحق فقد اختلطت الأمور لدرجة أن أصحاب الفرقة الواحدة قد يحملون توجهات خمسة من الفرق الأخرى. إنما المقصود في هذه المشاركة فرد أو أفراد أما لغة الغالبية والعموم فإني سأحاول مهما أمكنني أن أتجنبها وأحب أن أبين أن المشاركة قد تعتبرونها طويلة وربما تأخذ منكم 5 دقائق لقراءتها...

طبعا لا يخفى عليكم الذين يفعلون أمورا هي مخالفة للدين بحجة الدفاع عن الدين, والسنة, وغير ذلك ثم عندما تنكر عليهم يقولون لك بأن ما يفعلونه من صلب الدين وهكذا يحسبون أنهم يحسنون صنعا... ولم ينجو من ذلك أفراد من جميع الطوائف والفرق الإسلامية, سواء المنتسبين إلى الإخوان أو السلفية أو الشيعة أو الصوفية أو الذين يُعرفون اليوم بالجامية (ملاحظة: الجامية ليست فرقة وإنما توجه فكري منتشر بين كثير من المشايخ اليوم يختلف عن فكر الشيخ محمد آمان الجامي نوعا ما) وسأذكر بعض ملاحظاتي وربما بعض انتقاداتي لأفعال هؤلاء بغض النظر عن الطوائف التي ينتسبون إليها, ومن أراد الحق فالقرآن موجود وكل ما عليه أن يعرض نفسه وأفعاله على القرآن الكريم ثم يوزنها, إنما أنا أسلط الضوء فقط.... وطبعا لن يعجب البعض ما سأكتبه وكذلك عادة الناس فإنهم لا يعجبهم أن يأتي أحد ينتقدهم أو يظهر عوار تفكيرهم...

سأبدأ بالحداثيين أو الذين يتبنّون الأفكار التنويرية و من يدعون إلى الوسطية والإنسانية والتسامح وترك التشدد والعصبية ومنهم المختصين بانتقاد الأحاديث المنسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم. ستجدون أحدهم مثلا يكثر من سب السلفيين أو أهل الحديث ويلمزهم في كل كتاباته أو مقالاته, وذلك لأنه يظن أن أهل الحديث خانوا المسلمين بالأحاديث التي ينسبونها للنبي صلى الله عليه وسلم, وأن هذه الأحاديث سبب لفرقة المسلمين شيعا وأحزابا... وربما تأخذه الحماسة فيبدأ بسب من مات من علماء الحديث ويتهمهم بالخيانة والعمالة وكأنه سلط على قلوبهم فهو يعرف خفايا القلوب وما تخفي الصدور. وطبعا إن أنكرت عليه اتهام نواياهم لقال لك إنما أفعالهم تبين ذلك, وكأن الإنسان كل فعله يفعله, يفعله بقصد سيء وغفل أن الإنسان قد يفعل الخطأ بنية حسنة. ثم إنك لو سألته ألا تدّعي التسامح والرحمانية فلماذا لا تسامحهم؟ فربما يرد عليك ويخبرك بأن ما فعلوه لا يغتفر وقد أوقعونا في مزالق ومصائب لا يعلمها إلا الله, وهكذا حكموا عليهم بعين ما ينتقدون به خصومهم وهذا من العجب.

كما أن بعض منهم اتهم الرواة الذين ينقلون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم قد يُبطنون الكفر والكذب ولكن لا يظهر لنا فكما أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف كل المنافقين بأعيانهم فكذلك هؤلاء وطبعا هذه المقولة فيها من الحق الشيء الكثير لكن ما أدراك أيها الأخ بأن الرواة كانوا يبطنون الكذب أيضا, لماذا لا تريد أن تقنع نفسك بأنهم ربما كانوا يبطنون الصدق وكانوا يتحرون الصدق ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ولكنهم وقعوا في الخطأ وجل من لا يُخطئ!؟ طبعا سيعود إلى رده السابق. ما الفائدة المرجوة من سب الأموات من الصحابة والتابعين والعلماء فقط لبعض المواقف التي يمكن حملها على أكثر من وجه ويمكن أن ينظر إليها بمنظور آخر. ولنفترض أن هناك خيانة أو غير ذلك, فما الفائدة من سبهم اليوم؟ (ملاحظة السب يختلف عن الانتقاد) وجدت بعض هؤلاء يسخر من المشايخ وخاصة مشايخ السلفية فقط لبغضه لأهل الحديث وذلك لأن السلفية في نظره هم ورثة أهل الحديث, فما إن تكلم شيخ من مشايخ السلفية إلا ولمزه أو سخر منه. فإن نصحته في ذلك, قال لابد أن نحرر المسلمين من قيود الوهابية والسلفية التكفيرية.

وطبعا هناك ميل غريب عنده لكل ما هو غربي أو فكر علماني, فتراه كثيرا ما يمدح أخلاق اليهود والنصارى ويذم أخلاق المسلمين في كل حين, وكأن هذا الغالب في الطرفين! يمدح الغرب في حق وباطل وينبهر وكأن ليس للمسلمين أي شيء وكأنهم لم يقدموا للعالم أي شيء, فإن قيل له في ذلك, فيقول انظر تخلف المسلمين كيف فعل بنا, أصبحنا في مؤخرة في الأمم. والإنصاف يقتضي ذكر المحاسن والمعايب على الأقل وقد أنصف الله سبحانه وتعالى اليهود في كتابه. وهذا الشخص كما أنه يكره فكر أهل الحديث والسلفية فإنه يكره أي فرقة إسلامية لها ظهور في الساحة سواء إيجابيا أو سلبيا, سواء السلفية الجهادية أو الإخوان أو غيرهم, فربما يفرح بهجوم الكفار على المسلمين أو علوّهم على المسلمين لأنه يرى جزءا من العلاج لا يتجزأ ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)) وطبعا لا تستغرب إن رأيت أحد أفراد هذا الفكر يكرر ما قاله نيتشه أو يستشهد بديكارت أكثر من استشهاده بآيات الله سبحانه وتعالى, بل ربما يقوي قول الله سبحانه وتعالى بقول هؤلاء جهلا, وطبعا تراث المسلمين لا يخلو من العلم ولكن هذا الشخص رضي بأن يكون على ساحل بحر المسلمين يطلب اللؤلؤ والمرجان من غير أن يغوص وغاص في بحيرة غير المسلمين فوجد ما وجد ثم وكأن المسلمين لا شيء عندهم ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا))

وأما السلفية, فربما تجد أحدهم كأنه لا يعيش في هذا العصر إنما يُخيل إليه بأنه في القرن الثالث أو الرابع الهجري, فيظن أن كل شيء كان ينطبق وقتها ينطبق اليوم وإن تمّت المخالفة فإما أن يكون هذا المخالف مبتدع أو كافر بنص الحديث الفلاني. فإن قيل له بأنه ليس هناك حديث صحيح في هذه المسألة المعينة, لقف شعر بدنه و بدأ بالهجوم عليك من غير تريث وتفكر وربما قال لك: "بدأت تتزندق, وبدأت تنتهج نهج الشيعة فهم بؤرة الشر". فإن قلت له لكن على حسب أصولكم فالراوي فلان ضعيف, ذاك غير ثقة وهذا كذا وكذا, قال لك أنت تشكك في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يا زنديق!, فإن قلت له بأنك لا تشكك في الرسول صلى الله عليه وسلم إنما تشكك في صحة نسبة هذه المقولة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم, لقال لك أنت تتهم العلماء الذين حملوا ودافعوا عن هذا الدين وإما أن يقول أنت لست بعالم والخير كل خير في اتباع السلف والعلماء. فإن قلت له بأن العلماء اختلفوا فيما بينهم وكذلك السلف, لربما اتهمك بأنك تبحث فيما لا يُبحث عنه, وكأن هناك تاريخ لا ينبغي لأي إنسان حتى أن يحلم بأن يقرأه. وهكذا تجد هذا لا هو ينشر العلم الصحيح, وإن نشر لا يفهم العلم الفهم الصحيح, وإن قيل له في ذلك اتهمك بالجهل وزكى مشايخه وطبعا مشايخ الفرق الأخرى لا وزن لهم, فإنهم ليسوا من أصحاب الفرقة الناجية ومعنى ذلك أنهم يستحقون النار ومعنى ذلك أنهم حكموا بما لا علم لهم ومعنى ذلك أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا))

وهناك فئة من الناس يظنون أن الإسلام فقط حمل السلاح وتخويف الناس وتعريض المسلمين للخطر, وذلك لأن مفهومهم عن الدين أنه لم يصل إلينا على طبق من ذهب, إنما وصل إلينا بعد جهاد الصحابة وتضحيات السلف وحمل السلاح وغير ذلك. وبالتأكيد لا يختلف على الأخير أحد, ولكن لم تكفرون المسلمين والحكومات بالجملة؟ لقالوا لأنهم يوالون اليهود والنصارى ويخذلون المجاهدين فقد أتوا بناقض من نواقض الإسلام المعروفة في كتب ابن باز وابن عثيمين وصالح الفوزان وغيرهم. فإن قلت لهم ولكن هؤلاء الذين تكفرونهم لا يقصدون الكفر وإنما يفهمون النصوص فهما غير فهمكم, فلماذا يحق لكم فهم النص بطريقة ولا يحق لهم فهم النص بطريقة أخرى إن كان النص يحتمل هذا وذاك؟ وطبعا الرد جاهز, لأن فهمهم ناتج عن مخالطتهم الكفار والمنافقين فلا ينبغي أن يؤخذ بفهمهم وطبعا هناك ردود أخرى قد يلجؤ إليها, فيقول بأن تخويف العدو أمر مطلوب شرعا, ولكن هذا التخويف لمئة من العدو قد ينتج عنه تخويف ألف ألف من المسلمين! وطبعا الرد جاهز عنده, فيقول فليصبروا فإن المسلمين الذين جاهدوا كانوا يصبرون, وكأنه يريد تطبيق ما كان يحصل في أفضل أحوال المسلمين في زمن أحوال المسلمين مختلفة... وربما يقول لك لكن الشيخ فلان وفلان يوصي بكذا وكذا, فإن قلت له بأن علماء المسلمين لا يقتصرون على فلان وفلان بل هناك غيرهم كثر, لقالوا أولئك علماء السلاطين أو من الذين "تصهينوا مع حكّامهم" وهكذا يكفرون ويبدعون وغير ذلك ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا))

وطبعا هناك من الإخوان من لا يعجبه العجب, فإن قامت حكومة ببناء مسجد اتهمت نوايا هذه الحكومة بأنها تضلل المسلمين وتحاول أن تلبس قناعا وتريد غسل عقول الشعب, فإن قيل له بأن المسلم مطالب بحسن الظن أجابك بأنه لا أحد يستحق حسن الظن اليوم, فإن قلت لهم لم نحسن الظن بك إذا, فيقول لأني أحب الإسلام, وهكذا يزكي نفسه ويكفر غيره من طرف خفي. وطبعا إن قيل لهم لم تتربصون ببعض الحكومات وتستغلون أي فرصة لإثارة الفتنة والفوضى قيل لك بأن هذا كذب وافتراء عليهم ويبدأ بفتح قصة المؤامرة وكل ذلك من غير علم أو برهان يمكن أن يُستند عليه ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)). وربما تجد أحدهم يدعو إلى نصرة الإسلام والمسلمين ويصرخ هنا وهناك ومن ثم هو لا ينصرهم لا في نفسه ولا في ماله أو ولده فإن قيل له في ذلك لقال إنما علينا البلاغ وهكذا رضوا بالمرتبة الثانية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويريدون من غيرهم الدرجة الأولى. وطبعا اتهام علماء المسلمين بأنهم من علماء السلاطين قد يكون أسهل من شرب الماء عند أحدهم فإن ذكرته بآداب احترام العالم والكبير لربما استمع إليك ولكن في اليوم الثاني يعود.

من جهة أخرى, نجد بعض من ينتهج نهج الفكر الجامي المعاصر يضيع وقته فقط لمراقبة مشايخ الإخوان أو الذين يتعاطفون مع الإخوان أو من ذوي الشهرة من مشايخ السلفية. فإن قلت له يا شيخ بارك الله فيك اطلب العلم ولا تضيع وقتك في هذه الأمور ولا تغتب المسلمين, رد عليك وقال لابد من تعرية دعاة الفتنة وهكذا حكم على معظم هؤلاء بأنهم مبتدعين, والمبتدع هو مهدد بالنار. فإن قلت له هل أنت تكفره؟ فيقول لا بالتأكيد لا, نحن لا نكفر أعوذ بالله! فإن قلت له هل هو مسلم؟ فيقول نعم. فإن قلت له هل سيدخل الجنة في النهاية أم سيدخل النار خالدا مخلدا فيها؟ ربما يختار الأول وقلبه يتألم بناء على بعض الأحاديث التي يعتقد بها, فتقول له إذا لماذا تغتاب من قد يكون مصيره من أصحاب الجنة إن كان يشهد بأن لا إله إلا الله إلى النهاية؟ قال لك لكي لا ينخدع الناس وعلماء السلف كانوا يحذرون من دعاة الفتنة, فالعبرة ليست بدخول الجنة في نهاية المطاف ولكن في النجاة من النار. وطبعا تجد هذا الإنسان حريصا على أن يخطئ أخاه المسلم بدلا أن يهديه الله, بل يفرح بزلاته فإنه يستخدمهم كعناصر لبرنامجه أو لكتاباته وبالتالي يحصل على رضا الجمهور. فإن قلت له بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يضيع وقته في هذه الأمور بعنوان محاربة دعاة الفتنة, ولا شك أنهم كانوا موجودين بنص القرآن الكريم, ولا الصحابة الكبار, لم يكونوا يتصيدون أخطاء المسلمين, على الأقل فيما أعلم. لكن طبعا لن يعجبهم كل ذلك فإن محاربة دعاة الفتنة من الجهاد, وحيا هلا بالجهاد, فنقول إذا لماذا تسبون الأشخاص وتلمزونهم ولا تنتقدون الفكر, فكما تعلمون, هناك فرق كبير بين نقد المقال وبين نقد صاحب المقال. لماذا لا يسلم منكم أموات المسلمين من السخرية والسب وغير ذلك؟ طبعا كالعادة الرد جاهز: "لكي لا يتعاطف معهم المسلمين, فإن تعاطفوا فهم معرضون للبدعة" وهكذا ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا))

ومنهم من يقوم بمدح ولاة الأمر ليل نهار لا يفتر عن ذلك أو على الأقل أصحاب السياسة في الدولة, فإن قال له مسلم عامي بسيط يغار لله: "يا شيخ, إنك تثني على هؤلاء أكثر مما تثني على الله سبحانه وتعالى وتمدحهم أكثر من رسول الله صلى الله عليه وسلم" فطبعا الرد جاهز: "إن هذا كذب وافتراء علي! لابد أنك من أصحاب الفرق الضالة والأهواء, لا أشك إنك من جماعة الإخوان!" ويبدأ فوبيا الإخوان يسيطر عليه, فيرد العامي: يا شيخ والله لست بإخواني ولكني مسلم, وإنما تغريداتك وكتاباتك تشهد عليك" فطبعا لا يمكنه أن يكذّب العامي فكتاباته تشهد عليه, ولكن الرد الآخر جاهز عنده فيقول: "إنما أفعل ذلك لأن دعاة الفتنة ينتقصونهم فكان لابد من فعل العكس" وهكذا تجده يعود إلى الغيبة وذكر مساوئ المسلمين ولمزهم وتصنيفهم والحكم عليهم سواء بدعاة النار أو البدعة أو الكفر أو اتباع الهوى وكل ذلك من باب الجرح والتعديل وبحجة الحفاظ على الدين والسنة ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)) والله المستعان والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...


No comments:

Post a Comment