Saturday, July 2, 2022

لماذا سليمان و ليس سلومون

 


كلنا نعرف النبي الملك سليمان بن داود عليهما السلام، يُنطق اسمه في اللسان العربي "سُلَيْمان"، لاحظ أن نهاية الاسم فيها صوت "آن". لكن في اللغة العبرية يُكتب اسمه هكذا שְׁלֹמֹה ويُلفظ شلومو أو شُلمو وبالإنجليزية تُكتب Solomon  ويُلفظ "سُلومون". 


في السابق كنت أسأل نفسي، لماذا في الكتب السابقة لم يكن اسمه سليمان بدلاً من شلومو أو سلومون؟ لماذا في القرآن فقط اسمه "سليمان"؟  لم أفهم حينها السبب، ولكن بعد أن فهمت النظرية، وحاولت تطبيقها أظنني عرفت إحدى الأسباب. وذلك لأن القرآن فيه قصص الملك سليمان عليه السلام مع الجن، وله علاقة بالجن أو الغيب.  


اقرأ في سورة النحل ستجد هذه الآية: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ)، وفي سورة النمل إذ نجد فيه قصة الملك سليمان مع ملكة سبأ، نجد هذه الآية التي فيها ذكر عفريت من الجن: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)، وفي سورة ص يُعدد الله العزيز الوهّاب عطاءه لسليمان، اقرأ هذه الآيات: (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، وفي قصة موته هناك ذكر للجن أيضاً، اقرأ هذه الآية من سورة سبأ: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)، وفي سورة البقرة ذكر تبرئة سليمان من الكفر، قال العليم الحكيم في هذه الآية: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، كما ترى، هناك علاقة واضحة في القرآن بين سليمان من طرف والجن والشياطين (المخلوقات الخفية) من طرف آخر. 


عن نفسي، قرأت العهد القديم من الكتاب المقدّس مراراً، وقرأت قصص سليمان المذكورة في الكتاب المقدّس، غير أني لم أجد فيه أية قصة فيها خبر علاقة سليمان بالجن، بالرغم من أن هناك بعض القصص التي تشبه القصص المذكورة في القرآن كقصة ملكة سبأ، لكن ليس فيها ذكر للجن أو الشياطين وهذا عجيب، ومن أجل هذا أقول: إن اسمه في القرآن ينتهي بـ(آن) لأن له علاقة بالجن والعالم الخفي. هل هذه مصادفات؟ الإجابة عندك.


بالرغم من كون النبي داود هو والد سليمان إلا أنّه ليس له علاقة ظاهرة مع الجن أو الشياطين، أو بالأصح ليس بين أيدينا في القرآن أو السنة النبوية الصحيحة قصص مذكورة عن علاقة داود بالجن بالتسلّط عليهم أو تسخيرهم أو شيء من هذا القبيل، ومن أجل هذا لا نجد في اسمه ما يدل على علاقته بالجن أو الغيب بخلاف سليمان. أتمنى أن تتوقّف هنا وتتفكّر، فإن ما ذكرت جدير بالتأمل. وعندما أقول: ليس هناك قصص فلا أعني نفي ذلك البتة، فإن أي إنسان يعيش اليوم ربما له تجربة مع الجن، لكن هذه التجربة تكون حالة استثنائية، بخلاف سليمان عليه السلام إذ كان يخاطبهم ويعملون له وما إلى ذلك.


في صحيح البخاري حديث عن سليمان عليه السلام، استنكره كثير من الناس ومن أجله جعل جمع من الناس يُكذّبون البخاري وما في كتابه من الأحاديث، وبمثل هذه الأحاديث يقوم بعض المُغرضين بتشويه سمعة البخاري وغيره من علماء الحديث وكتبهم والأخبار النبوية بشكل عام. وهذا الحديث هو التالي: "أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمانَ عليه السَّلامُ كانَ له سِتُّونَ امْرَأَةً، فقالَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ علَى نِسائِي فَلْتَحْمِلْنَ كُلُّ امْرَأَةٍ، ولْتَلِدْنَ فارِسًا يُقاتِلُ في سَبيلِ اللَّهِ، فَطافَ علَى نِسائِهِ، فَما ولَدَتْ منهنَّ إلَّا امْرَأَةٌ ولَدَتْ شِقَّ غُلامٍ، قالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لو كانَ سُلَيْمانُ اسْتَثْنَى لَحَمَلَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ منهنَّ، فَوَلَدَتْ فارِسًا يُقاتِلُ في سَبيلِ اللَّهِ". 


فقالوا: كيف لإنسان أن تكون له القدرة فيجامع ستين امرأة في ليلة واحدة؟ هذا يُخالف العقل والواقع، وقالوا: لو أنّه استغرق بعض الوقت مع كل واحدة منهن فإن الليل سينقضي. إن افترضنا أن هذا الحديث صحيح ثابت عن النبي سأقول ما غفل عنه هؤلاء أن سليمان لم يكن كبقية الناس بل كان ملكاً أوتي ملكاً عظيماً كما نفهم ذلك من سورة ص: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ)، ولعله من الأشياء التي حصل عليها قدرات بدنية خارقة للعادة. 


وأما عن الوقت وطول الليل وما إلى ذلك، فهناك بحث جدير بالنظر والاهتمام، وهو من الشيخ صلاح الدين ابن إبراهيم المعروف بأبي عرفة، يُثبت فيها أنه كان لسليمان القدرة على التحكم بالوقت مستدلاً بآيات وكلمات من القرآن. أقتبس عدة مواضع من مقاله المنسوب له على الشبكة:


"بداية السؤال إذا كانت "المنسأة" هي العصا، فلِمَ قال الله الحكيم: "منسأته" ولم يقل: "عصاه"؟ ظاهر الآية يرفض ما قاله المفسرون، فالمفسرون جزاهم الله خيراً، على أن "الأرضة" أكلت "العصا" حتى نخرتها، فانكسرت، فسقط سليمان أرضاً، فعلم من علم بموته بعدما خر على الأرض! ولا حاجة للخوض في أكثر من هذا من مدة لبثه متكئاً على "عصاه" سواء بقول من قال: شهراً، أو سنة، أو أربعين سنة. فليس عندنا من الله أو من رسوله في هذا شيء، واختلافهم دليل على أن لا نص عندهم من الله ورسوله، وإنما العلم ما قال الله وقال رسوله.  


فظاهر الآية يشير بشكل جلي أن من استدل على موته ممن حضره إنما استدل بما رآه من أن دابة الأرض "تأكل" منسأته، بالفعل المضارع، فهو استدل على الموت من الفعل الحاضر في الأكل، لا بعدما مضى الفعل وصار ما صار! فعندما رأى الدابة "تأكل" المنسأة علم أن سليمان قد مات أي قبل أن يخر سليمان، وإنما أفاد الخرّ شيئاً آخر يخص الجن بأنهم لا يعلمون الغيب (فلما خر تبينت الجن)، أما دلالة الموت فكانت حاصلة قبل الخر، بأن الدابة تأكل المنسأة! إذاً في القصة شيء آخر غير ما يروى، فما هو؟ وما "المنسأة" إذا؟ 


المنسأة على وزن مِفعلة، وهو الوزن الذي تستعمله العرب للدلالة على اسم الآلة فتقول: مِجرفة، ومِكنسة، إذا قصدت آلة الجرف وآلة الكنس، فما المنسأة؟ "المنسأة" اسم آلة للنسأ، فما النسأ؟ "النسأ" في القرآن الزيادة أو التأخير في الزمن، ومنه ربا النسيء، ومنه آية سورة التوبة: (إنما النسيء زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله)، وهو ما كانت تفعله العرب من زيادة الفترة وتأخير الشهر الحرام لحاجة عندها، فسمي هذا التأخير والزيادة نسيئاً.  


فما علاقة "المنسأة" و"الزمن" إذاً؟ الملاحظ أن هذه الآية جاءت بعدما ذكر الله متعلق الزمن،"الشهر" بريح سليمان في الآية التي تسبقها (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر). وسبق وأشرنا عن علاقة "النسأ" والزمن المتعلق بـ"الشهر" الوارد في سورة التوبة، ولن تجد من يماري بمثل هذه العلاقة، إذا علمت أن الآية التي تسبق آية النسيء في سورة التوبة مباشرة هي هذه (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً). فهذا هو "الزمن" وهذا هو "النسأ" مرة أخرى! وكما أن العلاقة لازمة بين الشهر والنسأ في التوبة، فهي كذلك في سبأ.  


ثم هذا حديث النبي عليه الصلاة والسلام يقضي بيننا بالحق: "صلة القربى مثراة في المال، محبة في الأهل منسأة في الأجل". فمن منا لا يرى استعمال النبي عليه الصلاة والسلام "للنسأ" حينما أراد الحديث عن الأجل؟! والأجل بلا ريب، هو ما يطلق على الزمن المحسوب، من…إلى؟ أما من استدل بشيء من الشعر على أنها العصا ووقف عندها فلم يعدل، إذ لم يقل لنا لِمَ يقول الله: "عصاه؟" والاستدلال بالحديث فوق الاستدلال بالشعر بلا خلاف.  


ولا نقول بالضرورة إن المنسأة ليست عصا، فلا يمنع أن تكون على هيئة العصا، ولكن بحثنا ومرادنا عن مطلب المنسأة وما وراءها، وما كانت له، إذاً، فقد بات واضحاً وبدليل حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي استدللنا به أن الأمر متعلق بالزمن والأجل، وليس أدل من ظاهر الآية على هذا، إذ لم تكن "المنسأة" إلا للتدليل على "أجل" سليمان وموته!


باختصار، فالمنسأة بهذا،"أداة للزمن"، وقد تكون بهيئة العصا، كانت على رأس ملك سليمان، ملازمة له، متعلقة فيه، استدل من استدل على انقضاء "أجله" بذهاب" أداته الزمنية" التي كان يملك بها سليمان زمام "الزمن الأرضي"، وقِفْ عند "دابة الأرض" الواردة في الآية فيزيد فيه ويأخره بالقدر الذي يعينه على فعل أوامر الله الملك، تماماً مثل ما يحلم العلماء التقنيون اليوم بالسيطرة على "الإزاحة الزمنية"، سواء بتسريعها أو بإبطائها، ذلك الذي سبقهم إليه النبي "المؤتى من كل شيء"، وبما سخر الله له ليجعله آيته وحجته على الحضارة البشرية حتى منتهاها أن القوة لله جميعاً.


وهذا ما قد يعيننا على فهم حديث النبي الصحيح عليه الصلاة والسلام، حين قال: "قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، كل تلد غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه - قال سفيان: يعني الملك - قل: إن شاء الله، فنسي فطاف بهن فلم تأت امرأة تلد منهن بولد إلا واحدة بشق غلام". فكيف يطوف بليلة واحدة لا تتجاوز بضع ساعات على تسعين امرأة، وهو النبي الملتزم بسنن الأنبياء من الطهارة والأدب وحسن المعاشرة، وما قد يلزمه هذا من الزمن الطويل، إن غضضنا الطرف عن القدرة الجنسية التي لم يثبت أن لأحد من الرجال مثلها؟ اللهم إلا إذا كان للمنسأة شأنها، وما يفعل بها النبي سليمان من "الزيادة" في الزمن حتى يقضي هو بليلة ما يقضيه الرجل السوي ببضعة أشهر!.


أكتفي بهذا القدر عن سليمان وسنتحدث عن شخصية أخرى تنطبق عليها هذه النظرية، أعني نظرية آن في القرآن

معنى الفرقان

 


ذكر الفرقان في عدة مواضع من القرآن، في سورة البقرة: (وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون) و أيضا في سورة البقرة: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) و في سورة آل عمران: (من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام) و في سورة الأنفال: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير) و في سورة الأنبياء: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين) و أخيرا في سورة الفرقان: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) 


قبل الخوض في الكلام عن معنى الفرقان، سأعطيكم نبذة عما قيل في معنى الفرقان بحسب السياق، فقديما قالوا إنه اسم آخر للقرآن، و قالوا أيضا هو اسم لكل كتاب أ نزله الله و قالوا التوراة ذلك لأن الله آتى الفرقان لنبيه موسى، و يوم الفرقان أي غزوة بدر هذا ما كان عليه الناس. و قالوا في تسميته الفرقان لأن الله يفرّق في كتبه بين الحق و الباطل، و قالوا لأن فيها الحلال و الحرام و قالوا لأن الله يفرّق بين جمع المسلمين و جمع الكفار، هؤلاء حاولوا لحظ المعنى اللساني. و من المعاصرين و بالتحديد الدكتور شحرور رحمه الله قال الفرقان الوصايا العشر المذكورة في كتب الله من التوراة و الإنجيل و القرآن لذا فرقها الله لوحدها فسميت “الفرقان”. التعاليم المشتركة في اليهودية و النصرانية و الإسلام هي الفرقان و تبعه على هذا أكثر المحسوبين على أهل التنوير فيما أعلم إلا نفر يسير ممن لقوله وزن مثل الدكتور عدنان الذي اختار قول المتقدمين. ما ذكرت أشهر ما قيل في معنى الفرقان. 


و الآن ماذا أقول أنا؟ من قرأ سلسلتي و نظريتي، سيستخلص أني سأقول أن الفرقان له علاقة بالغيب و الجن (بالمعنى العام اللساني للجن) و هذا ما سأثبته إن شاء الله. 


أول ملاحظة أن اسم الفرقان قريب من اسم القرآن، و لفهم معنى القرآن، أدعوك لقراءة هذه السلسلة بدلا من التكرار


https://twitter.com/AbdulAziz_Mohd/status/1541721926204284928?s=20&t=KuNEd9LqKKYPNG8an0hWJQ


و هناك معلومة مهمة موجودة في القرآن، و هي أن الفرقان نزّله الله على الرسول صلى الله عليه و سلم و آتاه لموسى عليه السلام. إذن هناك أمر مشترك بين الرسول و موسى. و في هذا من الفوائد الشيء العظيم بشكل سريع و من اراد الاستزادة فليطلبه في كتاب النظرية الكبير. الفائدة هي باختصار أن الله أنزل الفرقان على محمد و موسى، و لم يذكر أنّه أنزل الفرقان على عيسى أو إبراهيم. و لأن الفرقان مختص في القرآن بموسى و محمد عليهما الصلاة و السلام، لذلك نجد ذكرا لهم مع الجن! أعرف أن هذا قد صدمك ربّما لكن اصبر علي. 


ماذا قالت الجن عندما سمعت القرآن؟ بداية سورة الجن: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) لكن هذا ليس كل ما قالوه، إذ نجد في سورة الأحقاف: (قَالُواْ يَٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ) هذه الآية مهمة جدا و عجيبة لأنها تخبرنا أن الجن سمعت عن القرآن و كذلك كتاب موسى. ولكنها لم تذكر الإنجيل؟ بمعنى أن الجن لم تقل إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد عيسى، لماذا؟ ذكر المفسرون عدة أسباب إلا أنها ليست قوية عند التحقيق، فقالوا الإنجيل كان تكملة لكتاب موسى فلم يكن هناك داع. و قالوا لأن الجن كانت تدين باليهودية و لم تكن تدين بالنصرانية. و قالوا لأنهم كانوا يعرفون أن موسى بشّر بمحمد و قالوا لأن التوراة آخر كتب الشرائع و بعدها القرآن الذي فيها شريعة مستقلة و قالوا السبب أنّهم لم يصلهم خبر الإنجيل؟ (وهذا أقوى الأوجه الذي قالوه عندي). كما ترى و كأن هناك سر لم يقفوا عليه، و أنا أزعم أن هذا السر هو الفرقان. 


نعم أيها القارئ، فالله أعطى موسى الفرقان و كذلك الرسول، و لهذا عرفت الجن عن هذه الكتب. و ليس هذا فحسب، فإن الرسول له تجربة معروفة مع الجن، فهل لموسى في القرآن تجربة مع الجن؟ أقول نعم و أي تجربة، اقرأ كتابي (بلوغ مجمع البحرين و أسباب ذي القرنين) إذ فيه تفصيل ذلك و أعدك إن شاء الله سأنشر مختصرا لتجربة موسى مع الجن. و أما في كتب اليهود فحدّث و لا حرج، التجارب عديدة و في الحكايات و الأساطير الشعبية فصعبة على الحصر و كذلك عن الرسول و الفرقان يهدي إلى الحق. هذا هو الفرقان أنّه يهدي إلى الحق و هناك مزيد من التفاصيل و كيف أن موسى أوتي الفرقان مع الكتاب لكن فيما ذكرت الكفاية لمتدبّر القرآن.


و الموضع الثاني أخبرنا الله أنه أنزل القرآن و الفرقان متى؟ في شهر رمضان! سبحان الله مرة أخرى الألف و النون في نهاية رمضان و هذا مقصود بلا شك. و في هذا الشهر نزل القرآن، و يوم الفرقان و فيه ليلة القدر التي أمرها ما فيها > (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ) 


و المرة الثالثة متى؟ أنت بنفسك ستتعجّب! في سورة آل عمران (نعم أنا أزعم أن عمران من الجن و تفاصيل ذلك في سلسلة أخرى) ليس هذا موضعه. العجيب أنه ذكر التوراة و الإنجيل ثم ذكر الفرقان. و ليس هذا فحسب! بل في هذه السورة بالتحديد فيها هذه الآية العجيبة: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب) هل تريدون بعد هذه الآية العظيمة مزيد بيان عن صحة ما أنا ذاهب إليه؟ 


لنبحث مزيد بحث عن الفرقان، أين ذكر أيضا؟ ذكر الفرقان في سورة الفرقان! سورة اسمها الفرقان! ماذا نجد في الآية: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) ليكون للعالمين نذيرا! كل من في العالمين، من إنس و جن. و في هذه السورة بالتحديد فيها هذه الآية: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا) و فيها: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) سبحان الله استوى على العرش الرحمن! فأسأل به (خبيرا) و في نفس السورة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا) الملك يومئذ الحق للرحمن، استوى على العرش الرحمن، اسجدوا للرحمن و فيها من أمور الآخرة ما لا يخفى على أي قارئ للقرآن. أليست هذه الأمور تؤكد كلامي؟ 


حسنا، لنتكلم عن يوم الفرقان، ماذا قال العلماء عن يوم الفرقان؟ قالوا إنه يوم بدر و هذا معروف في السيرة و كتب التاريخ، يسمون يوم بدر يوم الفرقان. في أي شهر كان يوم الفرقان؟ في شهر رمضان! و ماذا حدث في يوم الفرقان، يوم بدر، اقرأ بنفسك > (إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى ۚ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) في هذا اليوم نزلت الملائكة، و في هذا اليوم قال الشيطان: (إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ) سبحان الله شيء عجب! كما وعدتك، بإذن الله بعد فهم هذه الفكرة التي كررتها كثيرا، ستقرأ القرآن قراءة فيها آفاق جديدة غير مسبوقة و فيها تنوير من نوع خاص سيذوق حلاوته من يتدبّر القرآن. 


والله هو الهادي إلى الحق و صراط مستقيم و إليه المنتهى. 


معنى القرآن

 


هل تفكّرت يوماً في معنى "القرآن"؟ كثيرون كتبوا في معنى القرآن، فقالوا: سمي القرآن قرآناً لأنه يجمع الآيات والسور ويضم بعضها إلى بعض. قال الفراء: "هو مشتق من القرائن لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضًا، ويشابه بعضها بعضًا وهي قرائن" ومنهم رأى أن الكلمة مشتقة من القرائن، جمع قرينة، لأن القرآن يصدق بعضه بعضاً، ومنهم من جعله مشتقاً ومصدر لقرأ كالغفران مصدر لغفر، والشكران مصدر لشكر، وهكذا. ويُنسب للشافعي أنه قال: "القرآن اسم وليس بمهموز ولم يؤخذ من قرأت، ولكنه اسم لكتاب الله". وقال الطبرسي، العالم الشيعي المعروف في تفسيره مجمع البيان: "القرآن: معناه القراءة في الأصل، وهو مصدرُ قرأتُ، أي تَلَوْتُ، وهو المَرْوِي عن ابن عباس، وقيل: هو مصدرُ قرأتُ الشيء، أي جَمَعْتُ بعضهُ إلى بعض"، ومنهم من قال: إنّها كلمة سريانية أصلها قرياناً أو قرين والتي تعني الدرس أو قراءة الكتاب وهكذا. 


لكن إن أنت أخذت بنظريتي، سيكون المعنى واضحاً، سمي القرآن بهذا الاسم لأن فيه أموراً وأخباراً غيبية، عن الماضي والحاضر والمستقبل، والجنة والنار وأمور تتعلق بالله سبحانه وتعالى وعن الملأ الأعلى إلى غير ذلك. قال الرحمن الرحيم في سورة آل عمران: (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)، وقال أيضاً في سورة آل عمران: (مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ)، وقال اللطيف الخبير في سورة يوسف: (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ)، وقال العزيز الحكيم في سورة البقرة: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)، وقال الذي لا إله إلا هو في سورة النجم: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). 


فهناك عدد من الآيات التي تثبت أن هذا القرآن يحتوي على أخبار غيبية وأمور خفية غير ظاهرة لعامة الناس. نجد في سورة آل عمران هذه الآية العظيمة: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)، ومنذ القدم، الناس يقولون: إن لهذا القرآن ظاهراً و باطناً. 


يُروى عن ابن مسعود: "إن هذا القرآن ليس منه حرف إلا له حد ولكل حد مطلع"، ويُروى عن ابن عباس: "إن القرآن ذو شجون وفنون وظهور وبطون". قال التفتازاني: "وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها ومع ذلك فيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان". وقال ابن النقيب: "إن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق، ومعنى قوله: ولكل حرف حد أي منتهى فيما أراد الله من معناه". 


وقال ابن عطاء الله السكندري في كتابه لطائف المنن: "علم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسوله بالمعاني العربية ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت الآية له، ودلت عليه في عرف اللسان، وثم أفهام باطنة تفهم عند الآية، والحديث لمن فتح الله قلبه، وقد جاء في الحديث: لكل آية ظهر وبطن فلا يصدنك عن تلقي هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة: وهذا إحالة لكلام الله وكلام رسوله، فليس ذلك بإحالة، وإنما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلا هذا وهم لم يقولوا ذلك بل يقرؤون الظواهر على ظواهرها مراداً بها موضوعاتها، ويفهمون عن الله تعالى ما أفهمهم". يمكنك مراجعة هذه الأقوال وزيادة في كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي. 


ومن يدري، لعل هذا القرآن فيه معاني باطنة إضافة إلى المعاني الظاهرة، ولا تتعارض معه، لا يستطيع فهمها إلا فئة من الناس هداهم الله إلى معرفتها، أو أن الجن قد يفهمون من باطنها معاني ليست في مقدور البشر، أعني الكلمات التي لا نفهمها نحن البشر واختلف عليها الناس قديماً وحديثاً، قد تكون كلمات ميسّرة للفهم للجن. 


ماذا عن الحروف المقطّعة في بداية بعض السور؟ اختلف الناس في تحديد المعنى المراد منها، أو حتى فهمها على أقوال كثيرة، أما المتقدمون فاختلفوا في معناها على ثمانية أقوال على الأقل. فمنهم من قال: هي أسماء القرآن، ومنهم من قال: بل أسماء السور، وآخرون قالوا: إنها أسماء الله الحسنى، وقالوا: قَسَم، وقالوا: حروف مقطعة من أسماء وأفعال، وقالوا: مختصرات أو رموز كانت تستخدمها العرب مثال ذلك هل تا؟ يعني هل تأتي. ومنهم من قال: إنّها حروف من حساب الجُمّل، وإنها من حروف الهجاء أعلم الله بها الناس أن القرآن مؤلف منها، إلى غيرها من الأقوال. وأحسن ما قالوا في هذا الباب: أنّها من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله عز وجل. 


أما المتأخرون فصعب على الحصر، فكثيرون هم الذين كتبوا في معانيها، بل أفردت مؤلفات فقط للكلام عن هذه الأحرف. وأما غير المشهورين فأظنّ أنّه في الأسبوع الواحد يأتي أحدهم على مواقع التواصل الاجتماعي فيجد رأياً جديداً غير مسبوق. وأشهر الأقوال المعاصرة أنّها أحرف سريانية أو آرامية، ومنهم من قال: إنها الهيروغليفية المصرية. 


بالنسبة لي شخصياً فقدّمت ستة آراء جديدة لم أُسبق إليها، اثنان منها أشرت إليها في روايتي سبعة آلاف عالم من طرف خفي، لأن التفصيل فيها قد يُسبب الحيرة العظيمة عند بعض القرّاء، ولا أريد أن أكون سبباً في جنون القارئ. أما الآراء الأربعة الأخرى فهي أيسر منها، وفي متناول الفهم، سأسردها على وجه السرعة.


الرأي الأول: أنّها قد تكون علامات وآيات الكتاب الكوني المكنون، وبها يتم الكثير من الأمور، لا أحب أن أُفصّل هنا لأن هذا سيطول جداً، والحقيقة قد يحتاج الأمر إلى نفس طويل، ويشقّ علي شرحه الآن.


الرأي الثاني: أنّها الوحي، بمعنى أن الوحي عندما يجيء يكون بأصوات هذه الأحرف، لكن النبي يُترجمه سواء ترجمة ذاتية أو ترجمة عن طريق الروح الأمين أو الرسول المَلَكي، نقرؤها بالصيغة التي نقرؤها اليوم. 


الرأي الثالث: أنّها علامات تُبيّن السبع المثاني. 


الرأي الرابع: أنّها أحرف يفهمها الجن وهذا الأخير الذي أميل إليه مؤخراً.


وبما أن هذا القرآن فيه خطاب للإنس والجن، وليس الإنس فحسب فلِمَ لا تكون هناك آيات خاصة لهم؟ وإن أنت بحثت في كتب التفسير قديماً وحديثاً، وحتى محاولة بعض الشباب المعاصرين لتدبر القرآن لوجدتهم لا يركزون كثيراً على الجن في القرآن، ولهذا لا يستطيعون فهم كثير من الأمور المذكورة في القرآن، ويستغلق عليهم أشياء كثيرة، والحمد لله بعد أن هُديت إلى هذه النظرية، فإني استطعت فهم كثير من الأمور وقدّمت إجابات لكثير من الأمور التي كانت محل خلاف بين المسلمين منذ البداية وحتى يومنا هذا، من ذلك هوية العبد الذي صاحبه موسى عليه السلام، وذو القرنين ويأجوج ومأجوج وغيرهم، يمكنك قراءة تفاصيل ذلك في كتابي: "بلوغ مجمع البحرين وأسباب ذو القرنين" أو كتاب: "بين الإلهام والوسواس".


والعجيب عندما تقرأ عن أخبار الجن، تجد عدداً لا بأس به من الناس يقولون: إن لغة الجن هي لغة السريان، السريانية وهذا معروف منذ قديم الزمان إلى اليوم، لاحظ وجود الـ(آن) في اسم السريان! وإن لاحظت أن كثيراً من التعويذات والطلاسم والرُّقى فيها كلمات وتعويذات سريانية حتى عند النصارى، وإن كانوا لا يستخدمونها للتحاور فيما بينهم تجدهم يستخدمونها في الرقية. ومن المثير للاهتمام أن المسلمين عبر التاريخ يستخدمون الأحرف المقطعة لمثل هذه الأغراض، أعني التعويذات والرُقى وما إلى ذلك. وعند بعض المتصوفة أن السريانية هي لغة روحانية وعند البعض لغة الملائكة، على أية حال من اللغات التي لها علاقة بالعالم الخفي، ألا تجد وجود (الآن) في لغة السريان مثيراً للاهتمام؟ 


تحدّثنا عن الإنسان والجان، والإيمان والقرآن، فلننطلق للحديث عن أسماء شخصيات مذكورة في القرآن ونُطبّق عليها النظرية، فننظر هل يصحّ كلامي، وأن النظرية جديرة بالاهتمام أم أنها لا تصح ومجرد أوهام توهمتها؟


المقابلة بين السماوات و الأرض

 (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) ) {سورة الرحمن ٧-١٠}


تأمّل أسلوب المقابلة في الآيات السابقة: (والسماء رفعها ووضع الميزان) وقال: (و الأرض وضعها للأنام) شيء مقابل شيء، السماء مرفوعة والأرض موضوعة، مقابلة بين ما يشبه الضدين، ولا يفهم من هذا السياق إلا أن تكون الأرض متباينة عن السماء، تحتها، لا أنها تسبح فيها وحجمها كحجم الذرة في مجرتها بل هي مقابلة للسماء. وماذا تفهم من كلمة وضعها؟ هل تجدها مثل معنا جعلها في السماء؟ أو أن المتبادر إلى الذهن أخفضها وجعلها ثابتة مستقرة ومخصصة للأنام؟ بالتأكيد الثاني. ولهذا نقرأ في تفسير ابن كثير: "أي كما رفع السماء، وضع الأرض ومهدها، وأرساها بالجبال الراسيات الشامخات لتستقر لما على وجهها من الأنام، وهم الخلائق المختلفة أنواعهم وأشكالهم وألوانهم وألسنتهم في سائر أقطارها وأرجائها" وفي تفسير الزمخشري هذا: "خفضها مدحوّة على الماء" وقال الفخر الرازي: "أن الأرض موضوعة لكل ما عليها" وقال المفسر الشيعيّ الطبطبائيّ في الميزان: "وفي التعبير في الأرض بالوضع قبال التعبير في السماء بالرفع لطف ظاهر" وقال الماوردي: "أي بسطها ووطأها للأنام ليستقروا عليها ويقتاتوا منها". 


أيضا قوله عزّ وجلّ: (والسماء رفعها) ولو أنّ السماء كما يقولون اليوم أنها تحيط بالأرض، أقول ما المفهوم من رفعها؟ رفعها عن ماذا؟ ما المرفوع عنه؟ هل يصحّ أن تقول بطن الأمّ مرفوع عن الجنين الذي فيه؟ لا يقول ذلك أحد، وذلك لأنّ البطن يحتوي الجنين ويحيط به، لكن إذا جعلت الأرض مقابلة للسماء فهنا قوله عزّ وجلّ: (و السماء رفعها) يكون مفهوما من دون ذكر الأرض. وهذا ما يفهمه كلّ من يفقه العربية. قال الخازن في لباب التأويل في معاني التنزيل: "والسماء رفعها أي فوق الأرض". 


للبقاعي كلام جميل في كتابه "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" إذ قال فيه: "والسماء رفعها أي حساً بعد أن كانت ملتصقة بالأرض ففتقها منها وأعلاها عنها بما يشهد لذلك من العقل عند كلّ من له تأمل في أنّ كلّ جسم ثقيل ما رفعه عما تحته إلا رافع، ولا رافع لهذه إلا الله فإنه لا يقدر على التأثير غيره، ولعظمها قدمها على الفعل تنبيهاً على التفكر فيما فيها من جلالة الصنائع وأنواع البدائع، ومعنى بأنه جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومتنزل أوامره ونواهيه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه." وقال أيضا: "ولما ذكر إنعامه الدال على اقتداره برفع السماء، ذكر على ذلك الوجه مقابلها بعد أن وسط بينهما ما قامتا به من العدل تنبيهاً على شدة العناية والاهتمام به فقال: (والأرض) أي ووضع الأرض: ثم فسر ناصبها ليكون كالمذكور مرتين إشارة إلى عظيم تدبيره لشدّة ما فيه من الحكم فقال: (وضعها) أي دحاها وبسطها على الماء (للأنام) أي كلّ من فيه قابلية النوم أو قابلية الونيم، وهو الصوت بعد أن وضع لهم الميزان الذي لا تقوم الأرض إلا به.“


و تذكّر أن الخالق العظيم ذكر لنا رفعه السماء بغير عمد نراها في سورة الرعد: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)، فإن كانت الأرض كروية و السماء كروية محيطة به، ما وجه الآية في ذكره عز من قائل (بغير عمد ترونها)؟ لا يكون ذلك مفهوما إذ الشكل الدائري لا يحتاج إلى أعمدة بخلاف النموذج المسطّح للأرض.


نجد في سورة الزخرف هذه الآية العظيمة: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) {سورة الزخرف ٨٤} إن المتدبّر للقرآن يجد في هذه الآية ما يدل على عظيم مكانة الأرض، و ذلك لأنه قابل بين السماء و الأرض، فقال و هو الذي في السماء إله و في الأرض إله، أكّد ذلك بقوله (في السماء) و (في الأرض) و بهذا نعرف أن للأرض مكانة لا تقل عن السماء بدرجة كبيرة، أعني أنها ليست ذرة حقيرة تسبح في الفضاء. و إن كانت السماء محيطة بالأرض، و أن الأرض كالذرة في الفضاء لا تكاد تُذكر، كيف قال الله عز و جل (و في الأرض إله). و ذلك لأنه لا وجود للسماء في المنظور العلمي الحديث، إنما الفضاء، و هذا الفضاء تم تحويله إلى سماء من قبل الذين يريدون التوفيق بين القرآن و المخرجات العلمية الحديثة، على كل فالسماء  أو الفضاء تحتوي الأرض. إن كان ما يقولونه حقا، ألا يكفي أن يقول و هو الذي في السماء إله بدلا من إضافة الأرض؟ 


بالتأكيد سيقولون المقصد العبرة و الاتعاظ بهذه الآية و هذا يستقيم إن قلت و هو في الأرض إله و إن كانت الأرض حقيرة مقارنة بالسماء. أقول لهم، الواحد منكم لا يقول أنا ربّ هذا البيت و ربّ الطاولة الصغيرة في البيت. و ذلك لأنك إن قلت أنا ربّ البيت يُفهم من كلامك البيت كلّه. و بما أن الله فصّل فقال (في السماء إله) و (في الأرض إله) فهمنا أنه يتكلم عن شيئين منفصلين غير متصلين. و نتخلّص من هذا الفهم أن السماء ليست بداخل الأرض و لا الأرض بداخل السماء، و ليس أي منهما محيط بالآخر. و هذا جلي واضح في أكثر الآيات التي فيها ذكر السماء و الأرض أو السماوات و الأرض. 


أحب أن أقف في هذا الفصل عند آية عظيمة تثبت ما نحن فيه: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ) {سورة الزمر ٦٧} 


أذكر مرة أخي الذي يصغرني قال لي كون الأرض في قبضة الله عز و جل، فإن هذا يدل على أن الأرض كروية، قلت له لا، ليس الأمر كما ظننت، و ذلك لأن القبضة إن كانت عظيمة يمكنك قبضها في يدك حتى لو كان الشيء المقبوض مسطحا أو مربّعا أو مستطيلا. قال الفخر الرازي في تفسيره: ”يعني أن الأرضين مع ما لها من العظمة والبسطة لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته“.


ما يهمني الإشارة إليه في في الآية دلالة على أن السماوات شيء و الأرض شيء آخر. بمعنى أن السماوات منفصلة عن الأرض. إن قلنا أن الأرض ما هي إلا ذرة تسبح في الفضاء و أن الفضاء أو السماء يحتويها، فإن الله تبارك و تعالى يوم يقول (و السماوات مطويات بيمينه) كان ينبغي أن تشمل هذه السماوات الأرض على حسب المنظور العلمي، أليس كذلك؟ فإن كان كذلك ستتحطم الأرض يوم يطوي العزيز الجبار المتكبّر السماوات بيمينه، أليس كذلك؟ لكن الحقيقة غير ذلك إذ نجد في هذه الآية أن الله جعل الأرض قبضته يوم القيامة في حين السماوات مفصولة عن الأرض و مطويات بيمينه.


و في رواية عبيدالله بن مقسم في صحيح مسلم: ”أنَّهُ نَظَرَ إلى عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ كيفَ يَحْكِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ قالَ: يَأْخُذُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بيَدَيْهِ، فيَقولُ: أَنَا اللَّهُ، وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا، أَنَا المَلِكُ حتَّى نَظَرْتُ إلى المِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِن أَسْفَلِ شيءٍ منه، حتَّى إنِّي لأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هو برَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ؟ وفي رواية : رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، علَى المِنْبَرِ وَهو يقولُ: يَأْخُذُ الجَبَّارُ، عَزَّ وَجَلَّ، سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بيَدَيْهِ.“ 


و حتى إن قلنا إن السماوات و الأرض كلها في يمينه فهذا يدل دلالة أكبر أن السماوات و الأرض متقابلة متوازية غير متصلة بسبب الاستئناف في الآية. قال الطبري في تفسيره: ”وقوله: (وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يقول تعالى ذكره: والأرض كلها قبضته في يوم القيامة (وَالسَّمَاوَاتُ) كلها(مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه) فالخبر عن الأرض مُتَنَاهٍ عند قوله: يوم القيامة, والأرض مرفوعة بقوله (قَبْضَتُهُ) , ثم استأنف الخبر عن السموات, فقال: (وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) وهي مرفوعة بمطويات.“ و بما أنها مطوية فإنها كانت منشورة كالسجل كما يدل عليه آية سورة الأنبياء: ((يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)). 


في الحقيقة آية سورة الزمر (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ) تدل على عظيم مكانة و هيئة الأرض، و ذلك لأن الله جعلها في قبضته و السماوات مطويات بيمينه، يعني الأرض في مكان و السماوات في مكان آخر وهذا الذي يُفهم من ظاهر هذه الآيات. يُمكن أن يُقال أن في هذه الآية السماوات أعظم مكانة و شأنا من الأرض بدليل قوله (مطويات) و ذلك لأنك عندما تطوي أمرا لا يكون يدك أو قبضتك محيطة بالشيء المطوي و سيكون هناك أطراف من الشيء الذي طويته بيمينك خارج القبضة أليس كذلك؟ أقول نعم هذا صحيح لكن ليس الاستشهاد هنا لمقارنة الأرض بالسماوات أيهما أعظم مكانة إنما الإشارة إلى عظيم أمر الأرض كونها في قبضة الله الرحمن، الرب العزيز، الواحد القهّار. و إلا فلو أنّها كانت كالذرة، و حقيرة حجمها مقارنة بالشمس، كان الأولى أن يقول مثلا و الشمس قبضته يوم القيامة خاصة أن الحديث عن يوم القيامة. فلما قابل بين السماوات و الأرض دلّ أن الأرض عظيمة بخلاف المقررات العلمية المعاصرة.


ثم إن هناك أمر آخر يُفهم من الآية، بالتحديد قوله: (و الأرض جميعا) لماذا لم يكتفي الرحمن بقوله الأرض؟ أقول السبب الذي يظهر لي أن الأرض جميعا قد تعني السبع الأراضي، و قد تعني الأرض المعمورة و أطرافها و الماء المحيط بها و ما تحت الثرى و غير ذلك من الأمور التي فهمنا القليل منها و غابت عنا الكثير من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو سبحانه، عالم الغيب و الشهادة اللطيف الخبير. 

Thursday, June 30, 2022

الاستواء على العرش

 



هذه السلسلة تكملة لسلسلة كلمات عن الرحمن:


https://twitter.com/AbdulAziz_Mohd/status/1542177028836835330?s=20&t=Kz0DfCDv3ZNLLj5kOZ6BtA


في هذه السلسلة سأحاول أن أضيف قيمة لك عزيزي المتدبر، أن أذكر شيئا من هذه الفوائد و النظرات في موضوع الاستواء على العرش ما لن تجده عند الآخرين في منشوراتهم المقروءة و المسموعة أو المرئية. و هذه طريقتي، أحب أن أضيف قيمة حقيقية للقارئ غير متوّهمة لمتدبر القرآن مقابل الوقت الذي يقضيه في القراءة. 


بسم الله نبدأ، ذكر الله العرش في مواضع عدة من القرآن، و ذكر الاستواء على العرش في سبعة مواضع. و هي كالتالي:


في سورة الأعراف: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّـهُ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ في سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ استَوى عَلَى العَرشِ) و في سورة يونس: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّـهُ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ في سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ استَوى عَلَى العَرش) و في سورة الرعد: (اللَّـهُ الَّذي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَونَها ثُمَّ استَوى عَلَى العَرش) و في سورة طه: (الرَّحمـنُ عَلَى العَرشِ استَوى) و في سورة الفرقان: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَـنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) و في سورة السجدة: (اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) و في سورة الحديد: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش) هذه هي المواضع السبعة التي فيها ذكر الاستواء على العرش. 


أولا لاحظ أنه ذكر الاستواء على العرش يسبقه دائما ذكر خلق السماوات و الأرض. حتى في آية سورة طه و التي فيها: (الرحمن على العرش استوى) إن قرأت الآية التي قبلها ستجد خلق الأرض و السماوات: (نزِيلا مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى) هذه واحدة…


و الثانية، معلوم و لا يخفى على قارئ القرآن، أن الله خلق السماوات و الأرض في ستة أيام. و بعد أن خلق السماوات و الأرض في ستة أيام استوى على العرش، بدلالة (ثم) في الآيات التي تأتي للترتيب و التراخي. إذن بعد أن انتهى من خلق السماوات و الأرض في ستة أيام استوى على العرش، و هذا المعنى الذي يعرفه أهل الكتاب من أنه استوى على العرش في اليوم السابع بالرغم من الترجمات السيئة التي أضلّتهم. في القرآن الكفاية، عندنا هناك ٦ أيام خلق السماوات و الأرض و عندنا (ثم استوى على العرش) و يفهم من ذلك أن هناك ٧ أحداث مهمة جدا للغاية. و سبحان الله تجد ذكر الاستواء على العرش في القرآن سبع مرات و لم يكن هذا مصادفة إنما هذا مقصود و هذه الثانية. 


و الثالثة أريدك أن تنتبه يا عزيزي القارئ، أن الله لم يذكر اسما من أسمائه في القرآن كلّه من أول الفاتحة إلى آخر الناس أنه استوى على العرش، أعني أنّك لن تجد (العزيز استوى على العرش) أو (الحكيم الذي استوى على العرش) بل حتى لا تجد مباشرة (الله استوى على العرش) أو (استوى على العرش الله) و لكنك ستجد اسم وحيد فيه هذه المباشرة و هو اسم “الرحمن”. اقرأ (الرحمن على العرش استوى) و المرة الثانية (ثم استوى على العرش الرحمن فأسأل به خبيرا) و هذا من العجائب حقيقة و انتبه لهذا التفرّد العلماء من أهل التفسير و النظر في القرآن قديما و راحوا يبحثون عن الحكمة أو السر أو العلم وراء هذا التفرّد. 


فقالوا لأن رحمته وسعت كل شيء و أن الرحمن نعت ذات و أن رحمته وسعت كل شيء، و بما أن العرش يسع السماوات و الأرض إذن ناسب أن يختار اسم الرحمن دون أي اسم آخر. و لعل أشهر من انتصر لهذا الرأي هو ابن قيم الجوزية إن لم تخني الذاكرة. و قالوا استخدم الرحمن لتعليم المشركين الذين لم يكونوا يعلمون وما الرحمن و في بعض الأخبار التاريخية أن هناك من اعترض على الرسول صلى الله عليه و سلم استخدامه لاسم الرحمن و أنه يدعو أكثر من إله فمرة يقول الله و مرة يقول الرحمن فأراد أن يعلّمهم أن الله هو نفسه الرحمن. و قالوا أيضا أنه لما أمر الله خلقه أن يحسنوا إلى بعضهم البعض، فاختار الاسم الذي يفهم منه الناس أنه ذو النعم التي لا تحصى و لا تعد و أن هذا هو المرجو من الذين يكونون على العرش أن يصلوا خيرهم إلى الناس أجمعين. و قالوا اختار الرحمن لأن الرحمن يرحم المؤمن و الكافر فناسب أن يختار الرحمن. 


ما ذكرت هي أشهر ما قرأت في هذا الباب و هي كما ترى جيدة لا بأس بها إلا أنّها ليست قوية خاصة إن قرأت ما كتبته في السلاسل السابقة. عن نفسي سأكشف لك عن الفهم الذي وصلت إليه و الذي أراه الأقرب إلى العلوم التي فيها فدونك عزيزي القارئ. 


أولا استواء الرحمن على العرش جاء في موضوعين، في سورة طه و سورة الفرقان و قد ذكرت في سلسلة سابقة علاقة سورة طه بالجن، و الأحرف المقطعة و ما إلى ذلك. و لكن دعنا نتأمل الموضع الذي في سورة الفرقان فلم أتطرّق له من قبل. قال في سورة الفرقان: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَـنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) تأمل أولا أن هذا جاء في سورة تنتهي بالـ”ان” هذه الأولى. و ثانيا لاحظ التكملة (فأسأل به خبيرا) و الخبير هو أخص من العليم، بمعنى عنده علم بخفايا و دقائق الأمور و سبحان الله ناسب هذا الاسم أن ينتهي بـ(فأسأل به خبيرا) و ليس هذا فحسب فالقرآن يحكي لنا أنهم كانوا يقولون: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا) يعني الخبير سيعرف.


و بما أنه استخدم الرحمن فهذا قد يستطيع الخبير أن يفهم منه أن الله بعدما خلق السماوات و الأرض استوى على عرشه الذي هو خارج نطاق السماوات و الأرض. ألم يخبرنا الله: (وسع كرسيه السماوات و الأرض) و في الحديث مشهور أن عرش الرحمن يسع السماوات و الأرض، و أنه سقف الجنة، إذن هي خارج نطاق البشرية و أوسع من هذا العالم الذي نحن فيه و بهذا نفهم لماذا الرحمن. لأن الله عز وجل كما أنه رب الناس كذلك هو رب العالمين، ربّ العوالم كلها، سواء هذا العالم الذي نعيش فيه أو عالم الجن و الملائكة أو غيرها مما لا نعلم. وكيف تفهم ذلك لاحظ أولا: (إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ يَسْجُدُونَ) هذا يعني أن هناك مخلوقات عند الله خارج هذا النطاق المحدود الذي نحن فيه. و ثانيا اقرأ هذه الآية: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ) إذن هناك ملائكة مقربون، و الثالثة اقرأ هذه الآية: (ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِه…) إلى آخر الآية العظيمة. موضع الشاهد الأول أن هناك من يحملون العرش، و قد سبق أن العرش أوسع نطاقا من السماوات و الأرض أي خارج حدودها، و الشاهد الثاني بما أن هناك ملائكة تحمله إذن هذه الملائكة أيضا خارج نطاق السماوات و الأرض و لابد. و الشاهد الثالث قوله: (و من حوله) إذن هناك حول العرش مخلوقات الله أعلم بها، و هذا يعني أن هذه المخلوقات أيضا خارج نطاق السماوات و الأرض. و الشاهد الرابع قوله: (يؤمنون به) إذن حملة العرش و من حول العرش يؤمنون به و قد سبق أن ذكرت أن الإيمان لا يكون إلا مع شيء غيبي، و بما أن حملة العرش تؤمن و كذلك من حول العرش نفهم من ذلك حتى هذه المخلوقات العظيمة لا تستطيع أن ترى الرحمن سبحانه و تعالى. فإذا فهمت ما كتبته سابقا سترى عظيم ذكر اسم “الرحمن” في أنه على العرش استوى، و هذا ما يثبت نظريتي السابقة اثباتا قويا جدا لمن فقه شيئا يسيرا منها. 


ما الذي أريد أن أقوله و الذي قد لا يعجب البعض؟ أن الله عندما خلق السماوات و الأرض كان في نطاق هذا العالم المخلوق. لا تغضب بسبب تأثرك بكلام الفلاسفة، و لا تنفعل تأثرا بأهل الكلام أنّك كيف تجعل الله هكذا، يعني أنت مجسّم! اصبر علي! الدليل على أن الله خلق السماوات و الأرض في نطاق نفهمه نحن البشر ذكره لخلق السماوات و الأرض في ستة أيام. 


من أجل إرضاء المجتمع العلميّ، كثير من العلماء والمفكرين والدعاة والمثقفين المعاصرين يحاولون تفسير الأيام الستة المذكورة في هذه الآيات على أنّها ليست الأيام التي يعرفها البشر، إنما أيام من أيام الله عزّ وجلّ. فيقولون: لا أحد يعرف ما هذه الأيام إلا هو سبحانه، ولعلّها تتساوى مع مليارات السنين؟ و هذا غير صحيح، بل الأيام هي الأيام المعروفة عند البشر فإن لم يكن كذلك هل كان الله سيوحي إلى نبيه أياما، ويكرّرها في أكثر من موضع من دون أن يفهم الناس أيّ أيام يقصد؟ ثمّ لماذا لا نجد المشركين أو أهل الكتاب أو غيرهم سألوا: ما مقدار تلك الأيام؟ أليس لأنّ الأمر واضح، وأنّ المقصود بالأيام الأيام المعروفة عند البشر؟ ألستم تقولون: إنّ القرآن مُيسر، حتى الفلاح في مزرعته سيفهمه والخباز في مخبزه سيفهمه، ويقرأه بسهولة ويسر. بالله عليكم، لو أنّ الإنسان العاميّ قرأ القرآن، وقرأ الآيات التي فيها خلق السماوات والأرض في ستة أيام ماذا سيفهم من ظاهر الآيات؟ أليست الأيام المعروفة عنده؟ هل تظنون أنّ الناس بشكل عام سيقومون بتحليل أنّ الأيام قد يعني أياما خاصّة أخرى؟ كلا لن يحدث ذلك! ولا أظنّ أنّ أحدكم سيجيب بغير هذا، فإن كان كذلك فلماذا إذن تُحرّفون ظاهر معنى الآية؟ 


لمزيد من التفاصيل عن الستة أيام اقرأ هذه السلسلة:


https://twitter.com/AbdulAziz_Mohd/status/1500138538440228864?s=20&t=_V8NEspUK1tOxDNRK8-fHg


إذن، إن قلنا أن هذه الأيام هي الأيام المعلومة لدى البشر و هو كذلك، نقول لهم إن الله عز و جل بعد أن خلق السماوات و الأرض في ستة أيام، استوى على العرش الذي هو خارج نطاق هذا العالم و بالتالي ناسب أن يكون “الرحمن” هو الاسم الذي اختاره مباشرة للاستواء على العرش. 


و لهذا من قرأ في الديانات و الفلسفات القديمة سيجد أقوالا مشهورة سأذكر بعضا منها.


الأولى و هي مشهورة عند الربوبيين، أن الله خلق السماوات و الأرض و هذا الوجود ثم تركهم و شأنهم و لا يبالي بهم (سبحانه و تعالى) و لا يتدخل في شؤونهم، بمعنى أنه لا ينزل الكتب و لا يرسل الرسل و لا يأتي بالآيات من مثل فلق البحر و ما إلى ذلك. 


و من الفلسفات القديمة أن الله بعد أن خلق العالم السماوات و الأرض و بما أنه الله الخالق إذن صار جزء من العالم، بمعنى أن الله و الكون الذي نعرفه أتحدوا و صارا شيئا واحدا (سبحانه و تعالى)، و بنيت على هذه الفكرة كثير من الأفكار الهندوسية و البوذية الصينية و بعض الفلسفات القديمة و الأفكار الكلامية. 


و منها أن الله بعد أن خلق العالم انشغل بأعماله الخاصة (سبحانه و تعالى) التي لا تخص البشر. هذه تجدها في بعض الأساطير. 


هذه الأفكار مهمة جدا، لماذا هي مهمة؟ لأنها تبين لنا إحدى تلبيسات إبليس، طريقة إبليس في الإغواء هي تلبيس الحق بالباطل، يعطيك جزء من الحق و فيه باطل عظيم، أو جزء عظيم من الحق غير أن فيه باطل مهلك و هكذا. لا يأتيك مرة واحدة بكل الباطل لأن الباطل المحض سيرفضه الناس مباشرة، و لكن إن خلط حقا مع باطل أي لبّس عليهم الأمر لأنه إبليس فإذن قد يقبله الناس. 


الآن تعالوا لندرس هذه الأفكار و نرى ما فيها، الفكرة الأولى أن الله خلق السماوات و الأرض ثم تركهم هذه الفكرة غير صحيحة، الصحيح أن الله خلق السماوات و الأرض ثم استوى على العرش أي استوى على عرش هو خارج نطاق العالم الذي نعرفه. غير أنه يبالي بخلقه و أنزل الكتب و ما إلى ذلك. أصحاب هذه الفكرة انتبهوا لأمر صحيح و هو أن الله استوى على عرش هو خارج حدود السماوات و الأرض و لكنهم ضلوا في الجزئية الثانية و هي أنهم قالوا أنه لا يبالي. فهنا خلطوا حقا و باطلا و ما كان كذلك فالنتيجة العامة للفكرة تكون باطلا. 


الفكرة الثانية أن الله خلق السماوات و الأرض ثم صار جزء من هذا العالم، هؤلاء عكس الذين قبلهم، أخطؤؤا في الجزئية الثانية، إذ الله لم يتحول إلى جزء من هذا الوجود بل هو محيط بهذا العالم و خارج نطاقه باستوائه على العرش. و لأنه الرحمن الذي استوى على العرش، فله علاقة بكل شيء في هذا الوجود، هناك رحم (صلى) بينه و بين المخلوقات كلها، التي نراها و التي لا نراها. > (الذي أعطى كل شيء خلقه (قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ) سبحان الله أن تأتي هذه الآية في سورة طه بالتحديد لمن العجب. و الدليل الآخر (و هو معكم أينما كنتم) إذن هذه الفئة من الناس انتبهت لمعنى من معاني اسمه الرحمن لكنها ضلّت بتلبيس إبليس عليهم.


الفكرة الثالثة أن الله انشغل بأعماله الخاصة، هذا لا يستقيم إن قلنا إن الله له أعمال غير أعمال البشر لا يستطيع أن يكون مهيمنا عليها لأنه إن انشغل بأمر ما قد ينشغل عن البشرية و عالمها. و هذا خطأ و باطل، و لكنهم قد انتبهوا إلى حقيقة أن الله قد يكون في شأن غير شأن هذا العالم الذي نحن فيه، بدلالة الآية العجيبة من سورة الرحمن: (يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) إذن ليس فقط يسأله من في الأرض بل حتى في السماوات، سبحان الله أن تأتي هذه الآية العظيمة في هذه السورة بالتحديد أعني سورة الرحمن من الأدلة القوية جدا على نظريتي. و ليس هذا فحسب، بل في السورة نفسها نجد التالي: > (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ) خلط أصحاب الفكرة الباطلة فإنهم لم يفرقوا بين الانشغال و الانظار و الموعد. لأنهم لو علموا ذلك و فهموا معنى اسم الرحمن سيعلمون أنه من لوازم هذا الاسم أن يكون عليما بكل شيء مهيمنا على كل شيء. 


إذن كما ترى تلك الأفكار الباطلة لعل بعض أصحابها انتبهوا لأمر صحيح غير أنّهم خلطوا بذلك الفهم الصحيح فهم باطل سقيم فكانت النتيجة كما هي. و القارئ في تلك الديانات و الفلسفات و الأساطير سيدرك قيمة ما كتبته هنا. 


من الذي سبق نجد أن أنسب اسم للاستواء على العرش بالمعنى الظاهر من الاستواء على العرش هو اسم “الرحمن” للأدلة المذكورة. و الله هو الهادي إلى الحق و صراط مستقيم و إليه المصير.

Thursday, June 2, 2022

نظرية آن في القرآن

 أخصص هذا المقال لأكشف لك عن نظرية جديدة تخص بعض الأسماء المذكورة في القرآن، وأصل هذه النظرية وأجزاء يسيرة منها كتبتها قبل سنوات عديدة في مقالاتي عن معنى اسم الله الرحمن. ملخصها أن من بعض معاني اسم الله "الرحمن" له مناسبة وعلاقة بالغيب، أو الجن، أو الشيء غير المرئي والمحسوس في العادة من قِبَل البشر، ومفادها أن أكثر الأسماء التي وردت في القرآن وتنتهي بنفس نهاية صوت اسم الله الرحمن (آن) تكون لها علاقة بعالم الغيب والجن بالمعنى اللغوي العام للجن.


إذ أن الكلمات التي تحتوي على حرفي (الجيم والنون) تعطي معنى الخفاء ومن ذلك الجن والجنين إذ هو متخف في بطن الأم، والمجنون وهو الذي خفي عقله وهكذا، والجنّة وهي متخفية ومحيطة بالأشجار فلا يظهر ما بداخلها، والجِنّة فسّرها بعض أهل التفسير بالملائكة. 


هل تريد أن نجرّب النظرية معاً؟ فلنبحث في بعض الأسماء المذكورة في القرآن والتي تنتهي بهذا الصوت: (آن). أولاً اسم الله الرحمن، هذا الاسم من أسماء الله الحسنى، لن تجد في القرآن كلّه سورة اسمها من أسماء الله إلا سورة واحدة وهي سورة الرحمن، لا يخفى على أي قارئ للقرآن أن سورة الرحمن خطاب للإنس والجن، وهذا ما اشتهر عند أهل العلم قديماً وحديثاً. فهذه أول مناسبة واضحة بين اسم "الرحمن" والغيب. ولأن هذه السورة حملت هذا الاسم فإن كثيراً من الناس لا يعرفون الكثير من المعاني المذكورة في هذه السورة. فإن السورة فيها الشيء الكثير من المعاني الخفية أو الغيبية التي لا يجد الناس حتى اليوم تفسيراً لها أو على الأقل يستشكلون بعض معانيها.


إن فتحت كتب التفاسير التي تجمع الأقوال السابقة التي قيلت في بيان معنى الآيات، لوجدت تقريباً في كل آية من سورة الرحمن فيه أكثر من قول لبيان المعنى. فإن سألت الناس كيف علّم القرآن ومتى؟ لا يعرفون ذلك، وإن سألتهم ما معنى علّمه البيان؟ لوجدتهم يختلفون، وإن سألتهم بيّنوا لنا معنى النجم والشجر يسجدان، أو معنى والسماء رفعها ووضع الميزان، لوجدتهم يتخبطون كثيراً. وأيضاً اسألهم عن معنى رب المشرقين ورب المغربين، أو معنى مرج البحرين يلتقيان، أو ما المقصود بالبحرين أصلاً؟ وما هو البرزخ الذي بينهما، وغيرها كثير لوجدتهم يختلفون اختلافاً عظيماً.


وسبب هذا الاختلاف بين المفسرين من المتقدمين والمتأخرين أنّهم حسبوا أن هذه السورة فقط لهم، وأن فيها فقط أموراً تخص عالم الشهادة، أو العالم المحسوس للإنسان، وغفلوا أن هذه السورة أيضاً خطاب للجن، وبما أنّ السورة اسمها "الرحمن" ففيها من أخبار الغيب والآخرة ما فيها.


ولأن الرحمن قد يكون اسماً له علاقة بعالم الغيب كان بعض البشر من العرب لا يعرفون اسم الرحمن أو معنى الرحمن كما في سورة الفرقان: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا)، وفي سورة الرعد: (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ).


وهكذا ابحث في الأسماء الأخرى المذكورة في القرآن والتي تنتهي بهذا الصوت (آن) ستكتشف أن هناك معنى خفياً (جنياً)، أو غيبياً أو علاقة بالغيب للمسمى. لنأخذ بعض الأمثلة.


ورد اسم "الجان" في سورة الرحمن من بين جميع السور! وردت في الآية: (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ) إن عدت لكتب التفسير لوجدت أنّهم يقولون أن الجان هو الشيطان، أبو الجن أو إبليس، و كما هو معلوم لدينا أننا نحن البشر لا نستطيع رؤية الجان، قال ربنا عز و جل في سورة الأعراف: (يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ).


فإن قلت: "هذا الجان عرفنا أنّه من الغيب بالنسبة لنا، فما تقول في اسم "الإنسان"، وهل الإنسان، أنا وأنت وبقية الناس، له معنى غيبي أو خفي؟" سأقول: وكيف غاب عنك أن هذا الإنسان قد نُفِخ فيه الروح، بمعنى فيه جوانب غيبية بلا شك. ما الذي تعرفه عن النفس؟ هل تستطيع مشاهدة النفس، تتحسسها، تلمسها، تشمّها، تراها؟ لا تستطيع أي شيء من ذلك؟ وماذا عن عقله؟ لا تستطيع، ولأن الإنسان مكوّن من جزء مادي وجزء غير مادي وهو النفس، وقد نفخ الله فيه الروح فإنه ممزوج بشيء غير مادي. ومن أجل هذا فإن العلم الحديث بجميع تقنياته ومعدّاته وتقدّمه لا يستطيع أن يجعل النفس التي بداخلنا على طاولة التجارب والتشريح. 


في مقالات قادمة سنأخذ بعض الأمثلة ونُطبّق عليها النظرية فنختبرها، أتثبت أم أنّها ستسقط؟


Thursday, May 26, 2022

صلاحية الإسلام

يحدث أحيانا أن تدخل في مساحة فتجد متحدثا يتكلم عن الإسلام و أنه لم يصلح إلا بضعة سنوات بعد موت الرسول صلى الله عليه و سلم، والبقية يصغون له وهم في خضوع و قد تقرأ شبيه هذا الكلام السخيف في بعض الكتب. وهي اسطوانة يكررها ملاحدة العرب بأسلوبهم الخطابي الآسر للقطيع. لكن هناك مشكلة عندما يحكم بعض المتعالمين على أن الإسلام غير صالح للمجتمعات الإنسانية المعاصرة، فإنّهم يقولون ذلك بسبب ما وقع في التاريخ أو حال المسلمين اليوم في ظل النظام العالمي الجديد. قبل الرد عليهم نقول لهم ماذا تقصدون بأنه غير صالح؟ إن كنتم تقصدون أن يكون المجتمع خاليا من المجرمين، أو مجتمع أفراده لا يعصون الله أبدا، فنعم لا الإسلام و لا غيره من الأديان يصلح لتحويل الإنسان إلى ملاك أو مجتمع إنساني إلى مجتمع ملائكي. هذا لا يكون. الإسلام لم يأتي لتحويل الإنسان من إنسان إلى ملاك و أن يجعله منزّها من الأخطاء. يا رجل، الإسلام وقت نزول القرآن، و الناس يعيشون و بينهم رسول الله صلى الله عليه كان من الناس من يقع في المعاصي و الذنوب، و يرتكب الصغائر و الكبائر. وجود الرسول صلى الله عليه و سلم و معه القرآن و يؤيده جبريل عليه السلام لم يُحوّل الإنسان إلى ملاك، معصوم من الخطأ، لا الإسلام لم يأتي من أجل هذا و لا الرسل أرسلوا من أجعل تغيير حقيقة الإنسان من أنّها خطّاء. بل كل أديان العالم و حتى هذه الأفكار الإنسانية التي يتداولها أهل التاريخ و الاجتماع يعلمون أنه لا وجود لشيء في التاريخ من البشرية و حتى اليوم جعل المجتمع البشري معصوما من الخطأ. فإن كنت أحد الذين حكموا على الإسلام أنه غير صالح لأنه لم يجعل المجتمع مجتمع ملائكي، فإنّك حقيقة لم تعرف الإسلام ولا تعرف شيئا عن المجتمعات الإنسانية و أفضل لك مليون مرة أن تصمت ولا تقف ما ليس لك به علم. عندما تقرأ عن الإسلام كما في كتاب الله، تجده منسجم مع مصالح الناس و دفع الشرور عنهم كمجتمعات إنسانية و كأفراد. الذي ينبغي لك أن تبحث عنه و تؤكد عليه، و هيهات هيهات، أن تثبت أن مجتمع ما كان يتبّع تعاليم الإسلام كما في القرآن لم يكن منسجما مع مصالح المجتمعات الإنسانية. فإن وجدت مثالا لذلك فعندها تكلّم في المساحات و قل الإسلام غير صالح، أما و أنت لا تفرّق بين الحابل و النابل، فأرجوك لا تتكلّم في شيء لا تعرفه و الناس الذين نصبوك الناطق الرسمي باسمهم، أقول لهم: امسك عليك عقلك و قلبك، لا تجعلهما ضحية الانبهار بالأسلوب الخطابي أو المظهر الخارجي أو الكلمات المؤثرة.

النرجسي و الحاسد

وقعت على مقطع لدكتورة تذكر بعض علامات الشخصية النرجسية. (مفيد جدا). و الحقيقة في كثير من الأحيان في مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى في واقع الحياة، تجد أن الأكثرية ينتقدون الشخصية النرجسية أو الشخصية الحاسدة، السبب في ذلك منطقي و مفهوم إذ أكثرنا ينظر للموضوع ليس من زاوية الشخصية النرجسية نفسها أو الحاسدة، إنما من زاوية المتضررين من هذه الشخصيات. و لكن قررت على الأقل في هذه التغريدات أن لا أقف ضد الشخصية النرجسية أو الحاسدة و ذلك لأبين بعضا من المعاناة التي يعانونها. النرجسي أو الحاسد، ما الذي يواجهه إن أدرك الابتلاء الذي هو فيه و أراد التخلّص منه؟ قد يبحث في الشبكة لكن الغالب سيجد أمورا مثل: “الاستعاذة من الحاسد”، “كيف لا تكون ضحية للنرجسي” و “كيف تغضب النرجسي” و “كيف تتخلّص من شرّ الحاسد” و “لا علاج للنرجسي” أو “لا دواء للحاسد”. ماذا برأيكم سيحل بالنرجسي و الحاسد إن كان يقرأ كل هذا؟ و يجد شحا في محتوى يعينه على التغلّب على حالته الصعبة، يعني كل شيء ضدّه؟ الشيء الذي قد يصاب به سيشعر بأنه مختلف عن الآخرين، و هذا يأتي معه تحديات، و قد يشعر بالذنب و هذا ما قد يؤدي به إلى الاكتئاب و الوحدة و كره الذات و ما يتوّلد من هذا الشعور أحوال معروفة. و قد ييأس فيظنّ أنه سيبقى طيلة حياته هكذا و لن يخطو خطوات جادة لعلاج نفسه وقد يتعدى آذاه و ضرره غيره. الحسود لم يلد و هو يريد أن يكون حاسدا، و كذلك النرجسي لم يلد ليكون نرجسيا، الغالب أنه نتاج المجتمع و تعاملات المجتمع معه، سواء المجتمعات الصغيرة أو الكبيرة، القريبة أم البعيدة و قد يكون ابتلاء من غير مقدّمات ظاهرة. جرّب اسأل أي حاسد التمست فيه علامات الحسد، هل تحب أن ينعتك الناس بأنك حسود؟ كما أنه لا يفتخر أحد بالجهل، كذلك لا يفتخر الحاسد بحسده و لا النرجسي بنرجسيته (إن كان عنده وعي كافٍ أنه مصاب بالنرجسية). أن تحسد و تعرف سبب حسدك و مصدره و لكن لا تستطيع دفعه لبلاء عظيم، قد يأتيك هذا الشعور قهرا و رغما عنك بما بما كسبته منذ طفولتك و تراكم على مضي السنوات، ولا تستطيع أن تغلبه، و عندما تقرأ أنه لا علاج لك قد تصاب بالقلق المرضي Anxiety و غيرها من الأمراض الخطيرة. أريد أن أقول، إن وجدت إنسانا نرجسيا أو حاسدا، لا تحاول أن تشمت به أو تجعله محل سخرية أو تنتقم منه بتحقيره، ففي النهاية هو أخوك الإنسان قد تُبتلى بها بعد سنوات، اسعى أولا في مساعدته حتى من دون إظهار ذلك، فإن لم تستطع فحاول حينها أن تكفّ شرّه عنك. فمن يدري ربما الحاسد يكون ضحية مجتمع ما، النرجسي ضحية طريقة عيش اجتماعية يعيشها المجتمع، لماذا لا نعطيهم الأمل في النجاة؟ و نقول لهم نفهم معاناتك، لدينا طرق قد تعينك في التغلّب على الحسد و الكبر المستوطن في قلبك. اهدي من تحسد و عوّد لسانك على مدح من تحسده أمامه و خلفه، حاول أن تطلب العلم في المسائل الإيمانية ثم تجمّلها بالعمل الصالح. و كذلك للنرجسي، أعنه للقيام بأعمال قد تخفف من حدة النرجسية عنده، حاول أن تعينه على الاتيان بأعمال تكسبه وعيا جديدا، صحيح بعض الأعمال قد يرفضها بسبب خوف مستوطن في صدره لكن حاول معه، وجّهه من دون أن تشعره أنّك أعلم منه و الحكمة هي مفتاح التعامل مع هذه الحالات الصعبة. أنا لا أقول أن تكون نرجسي أو حاسد أمر مطلوب، لا، أبدا إذ هذه الحالات جُلّها ضعف في وعي الإنسان بنفسه و بالآخرين من حوله و معرفة و إيمان حقيقي عملي لا معرفي فقط بالرب الذي خلق السماوات و الأرض. وفي الختام، أريد أن أقول أن النرجسي و الحاسد يحتاج لمحتوى يساعده للتغلّب على البلاء الذي ابتلي به، كن الوردة و لا تكن الشوكة، كن عونا له على الشيطان و نفسه الأمارة بالسوء و لا تكن معينا للشيطان و الهوى عليه. و هذا لا يقل من أهمية وجود علاج و محتوى يعين المتضررين من آثار هذه الشخصيات.