Saturday, October 3, 2020

من العبد الذي أسري به؟

 ما يهمني في هذا الفصل الحديث عن أول آية و التي هي: ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) و معروف منذ صغرنا و حتى اليوم عند جميع المسلمين قصة الإسراء و المعراج و أن هذه الآية دليل عليها. لست بصدد البحث و التحقيق في أحاديث الإسراء فهي كثيرة و تحتاج إلى كتاب منفرد و سيشق علي ذلك، لكني في هذا الفصل أحب أن أركّز على عبده المذكور في هذه الآية. من هو المقصود بعبده؟


الذي يتبادر إلى الذهن أنه رسول الله محمد صلى الله عليه و سلم و ذلك استنادا على الأحاديث و كتب التفاسير و كتب أسباب النزول. و لكن كعادة الأفكار التي تجول في خاطري فإنها تقترح على إجابات أخرى، لست أدري أهي وساوس أم ماذا بالضبط، و لكن كما وعدتكم في بداية هذا الكتاب، إني سأكتب ما يجول في خاطري و حتى و إن كان غريبا أو منكرا فلعله في أحد الأيام يأتي أحدهم فيجد أن بعض الأفكار التي كانت عندي ربما هي أصوب و أصح مما في الكتب السابقة فيبني عليها و يصل الناس إلى الحق و ربما إن كان خطأ يدرك الناس كيف أن الوساوس تأخذ الإنسان بعيدا. 


المهم الذي كنت أقوله و مؤمن به أن هذه السورة لابد أن فيها ذكرا لإسرائيل إن كانت السورة أيضا تعرف بسورة بني إسرائيل حقا. فبحثت عن العبد و قرأت السياق فوجدت أن بعد الآية الأولى يقول الله سبحانه و تعالى: ((وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلً)) فتساءلت في نفسي لِمَ قال الله رب العالمين و آتينا موسى الكتاب بعد آية الإسراء؟ فإن كان الرسول صلى الله عليه و سلم هو من أُسري به فَلِمَ لَمْ يذكر التفاصيل أو النعم التي أنعم بها على الرسول الكريم؟ و لِمَ بعدها لَمْ يقل (و لقد) آتينا موسى الكتاب أو (و إذ) بل قال (و آتينا) فكأن الآية الثانية تكملة للآية الأولى، و أن العبد المقصود هو موسى عليه السلام. حتى هذه اللحظة أذكر جيّدا وقتها كيف قفّ شعري، لأن هذه الفكرة كانت جديدة بالنسبة لي و تخالف ما كنت أعرفه منذ الصغر، و يحدث لي ذلك عندما تأتيني فكرة أرى فيها احتمالية الصحة. 


فما هي الأمور التي جعلتني وقتها أثناء تدبري أن أقول أن موسى هو المقصود في الآية من سورة الإسراء؟ الأول السياق، فعندما تقرأ الآية الأولى و من بعدها مباشرة (و آتينا موسى الكتاب) تشعر و كأن هناك علاقة قوية بين الآية الأولى و الثانية. 


الأمر الآخر و الأهم هو بحثي في إسراء موسى، فاستقرأت القرآن فوجدت بالفعل أن هناك حدثا مسجلا في القرآن و هو التالي: ((فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)) فهنا نجد أن موسى أسرى بأهله ليلا بدليل أنه قال: (جذوة من النار لعلكم تصطلون) و قد بيّنت لك في فصل سابق أن الإسراء لا يكون إلا ليلا. 


و أيضا نجد موسى مرة أخرى له علاقة بالإسراء و في حادثة أخرى: ((فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ)). فهناك علاقة بين موسى و الإسراء في أكثر من حدث في القرآن و ليس في كتب التاريخ و ما إلى ذلك بل القرآن فانتبه. و لكن أقول والله أعلم أن المقصود بالآية الأولى من سورة الإسراء حادثة الإسراء الأولى لموسى أي عندما سار بأهله و إليكم الأدلة.


الآية الأولى من سورة الإسراء تُحدّثنا أن هذا العبد جاء إلى مكان مبارك، فقررت البحث في تلك الحادثة هل وصل موسى إلى مكان مبارك أم لا؟ و عند الإستقراء نجد الآيات العجيبة التالية في سورة القصص: ((فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)) تأمل قول الله سبحانه و تعالى: (في البقعة المباركة) إذن وصل موسى إلى بقعة مباركة، و أيضا هذه البقعة هي مقدسة، نجد في سورة طه: (( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى)) تأمل (بالواد المقدّس طوى) و أيضا نجد في سورة النازعات ما يلي: (( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى)) تأمل (بالواد المقدّس طوى) فالظاهر من هذه الآيات أن موسى وصل إلى بقعة مباركة و واد مقدّس. 


و عودة إلى الآية الأولى من سورة الإسراء نجد أن الله قال فيها (لنريه من آياتنا)، إذ قال: ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) ركّز على قوله (لنريه من آياتنا). فإن قلت هل رأى موسى من الآيات تلك الليلة عندما سار بأهله؟ أقول نعم بل رأى من الآيات الكبرى، دعونا نقرأ الآيات التالية: ((وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) )) تأمّل في آخر آية (لنريك من آياتنا الكبرى) و قارنها بقوله في سورة الإسراء: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) عجيب، أليس كذلك؟ أنا أيضا اندهشت عندما انتبهت لذلك. و لا يشك عاقل أن موسى تلك الليلة رأى من آيات الله التي تكرر ذكرها في عدد من الآيات القرآنية.


فتحصّل لدينا مما سبق أن موسى له علاقة قوية بالإسراء، و أن هذا العبد وصل إلى أرض مباركة و كذلك موسى، و هذا العبد المذكور أسرى به الله ليريه من آياته و قد علمنا من القرآن أن موسى أيضا رأى من آيات ربه الكبرى. ثم إن هناك أمرا آخر، لو تأملت الأسماء المذكورة في ختام الآية الأولى لوجدت (السميع البصير)، و إن أنت رجعت إلى قصة موسى ستجد معاني هذه الأسماء تتكرر، فمثلا في سورة طه: ((اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦) تأمل ما قاله موسى: (إنك كنت بنا بصيرا) و أجابه الله (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) مما يدل أنه يسمع و يجيب. فإذن في هذه الآيات يتبين لنا أن الله هو السميع و البصير. ليس هذا فحسب بل تعال نقرأ معا هذه الآيات: ((اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) الشاهد الذي أريده تجده في الآية الأخيرة و ذلك في قوله (إنني معكما أسمع و أرى). 


فكما ترى الآية الأولى من سورة الإسراء تكاد تتطابق تماما مع ما وقع لموسى بعدما أُسري به، قد تقول يا أخي كيف تقول أُسري به و في الآية سار بأهله (أي موسى)، أقول لك أن هذه الأمور كلها من تقدير الله، ألا ترى أننا نجد هذه الآية في سورة الأنفال: ((فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)))  فإن كان كذلك صحّ أن يُقال أسرى بعبده، و الدليل أيضا قوله سبحانه و تعالى: ((ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ)).


بقي أمر و سؤال، و هو في محله، تقول الآية: ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) فهل كان موسى يوما ما في المسجد الحرام؟ و هل وصل إلى المسجد الأقصى؟ لست بصدد بحث الأماكن فإن هذا سيأخذنا إلى موضوع آخر و سأحتاج فصولا لتوضيح بعض الأفكار التي كانت عندي و أنا أتدبّر، لكن يكفينا أن نقول أن هناك انتقالا حدث لموسى من مكان إلى بقعة مباركة. 


فإن طالبتني بالدليل سأقول لك بأن موسى لبث في مدين سنين ثم جاء على قدر الله إلى البقعة المباركة. اقرأ هذه الآيات: ((إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ۖ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ۚ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ)) الشاهد (فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى) فهناك انتقال، و ليس هذا فحسب بل معروف لدينا جميعا فرار موسى من مصر: ((فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ)) بعد حادثة القتل. و أيضا في سورة الكهف: ((وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)) إذن القرآن يثبت لنا مرارا أن موسى انتقل أكثر من مرة. فلا غرابة إذن إن كان يوما ما في المسجد الحرام ثم أسري به إلى المسجد الأقصى. 


و حتى في الروايات المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه و سلم، فيه اثبات أن موسى أتى البيت الحرام، و من أشهرها رواية ابن عباس المذكورة في صحيح مسلم: سِرْنا مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ مَكَّةَ والْمَدِينَةِ، فَمَرَرْنا بوادٍ، فقالَ: أيُّ وادٍ هذا؟ فقالوا: وادِي الأزْرَقِ، فقالَ: كَأَنِّي أنْظُرُ إلى مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَذَكَرَ مِن لَوْنِهِ وشَعَرِهِ شيئًا لَمْ يَحْفَظْهُ داوُدُ، واضِعًا إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، له جُؤارٌ إلى اللهِ بالتَّلْبِيَةِ، مارًّا بهذا الوادِي قالَ: ثُمَّ سِرْنا حتَّى أتَيْنا علَى ثَنِيَّةٍ، فقالَ: أيُّ ثَنِيَّةٍ هذِه؟ قالوا: هَرْشَى، أوْ لِفْتٌ، فقالَ: كَأَنِّي أنْظُرُ إلى يُونُسَ علَى ناقَةٍ حَمْراءَ، عليه جُبَّةُ صُوفٍ، خِطامُ ناقَتِهِ لِيفٌ خُلْبَةٌ، مارًّا بهذا الوادِي مُلَبِّيًا. إذن لا إشكالية في تنقّل موسى من مكان إلى مكان. في الحقيقة هو أكثر نبي ذُكر لنا تنقلاته في القرآن.


و تعالوا نقرأ السياق الآن بمنظور جديد، تنزلوا معي قليلا و قولوا أن الآية الأولى المقصود (بعبده) موسى، ماذا قال في الآية التي تليها: ((وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا)) قال بعد حادثة إسراء موسى و آتينا موسى، فإن قيل لَمْ يقل الله (و آتيناه الكتاب و جعلناه هدى) فلماذا ذكّر اسمه؟ أقول لا بأس فإننا نجد في القرآن مرة يتكلّم عن الغائب و في التي تليها يذكر الإسم و هذا معروف يعرفه كل الذين درسوا علوم القرآن. و ليس هذا فحسب، و آتيناه الكتاب وقعت بعد انتهاء قصته مع فرعون. فالترتيب الزمني أن موسى أسري به و رأى من آيات ربّه الكبرى ثم خلّصهم الله من فرعون ثم آتاه الكتاب، هذا الترتيب الصحيح و بما أنه لم يذكر فرعون و ما وقع بينه و بين بني إسرائيل فصار هناك فاصل، و عندما قال و آتينا موسى الكتاب يدل على أن هناك فاصلا بين الآية الأولى من سورة الإسراء و الآية الثانية بفاصل زمني. فإن فهمت هذا تعال نقرأ هذه الآيات من سورة القصص.


السياق الأول قصة اسراء موسى: ((فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ۖ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥) ))


السياق قصة موسى مع فرعون: ((فَلَمَّا جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ (42)  ))


و التي بعدها ماذا! تأمل: ((وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) )) سبحان الله، (ولقد آتينا موسى الكتاب) سبحان الله القرآن فيه ترابط و تشابه عجيب جدا، فالآيات من سورة القصص تبيّن لك الآيات من سورة الإسراء و العكس صحيح.


إذن تحصّل لدينا مما سبق أن الآية الأولى من سورة الإسراء تتكلم عن موسى عليه السلام، النبي الذي أسري به.


قد تقول أنك بهذا أثبت أن موسى هو المقصود بعبده في الآية الأولى من سورة الإسراء و هذا الظاهر، لكن عن نفسي و لكي أكون صادقا معك عزيزي القارئ، بقيت لي مشكلة وحيدة، صعوبة لم أجد لها حلا. ربما هي ليست صعوبة بالنسبة لك لكن بالنسبة لي هي صعبة، و هي في كلمة (عبده). 


لقد تتبعت القرآن و المواضع التي ذكر فيها عبده، فوجدتها كلها في حديث عن الرسول محمد صلى الله عليه و سلم إلا إذا اقترن عبده باسم النبي المقصود. فمثلا هذه الآيات من خلال السياق يتبين لنا أن المقصود بعبده هو رسول الله محمد صلى الله عليه و سلم، اقرأ بداية سورة الفرقان: ((تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا)) فالآية الأولى و التي فيها ذكر عبده واضح من السياق أن المقصود هو محمد صلى الله عليه و سلم.


و في سورة الزمر أيضا: ((أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)) و السياق واضح أن المقصود هو الرسول صلى الله عليه و سلم. و في سورة النجم: ((فأوحى إلى عبده ما أوحى)) الواضح من سياق الآيات أن المقصود هو الرسول صلى الله عليه و سلم. و كذلك في سورة الحديد: ((هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤوف رحيم))


ففي أربعة مواضع نجد ذكر (عبده) و الظاهر من جميع تلك المواضع أن المقصود بعبده هو محمد صلى الله عليه و سلم، و لكن عندما كان يقصد (بعبده) نبيا آخر اقترن اسم النبي، مثال ذلك: ((ذكر رحمة ربك عبده زكريا)) قال هنا عبده لكن أضاف اسمه (زكريا) لكي تستطيع أن تفرّق أن العبد المذكور في باقي الآيات هو الرسول محمد صلى الله عليه و سلم. و نفس الشيء عندما يقول (عبدنا) بدلا من عبده، إن وجدتها من غير اضافة اسم النبي فالمقصود يكون هو الرسول صلى الله عليه و سلم.


في سورة البقرة: ((وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين)) و في سورة الأنفال: ((واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير)) و في سورة القمر: ((كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر)) واضح من سياق هذه الآيات أن المقصود بعبدنا هو الرسول محمد صلى الله عليه و سلم. و عندما تجد (عبدنا) و يقصد بها الله نبيا غير الرسول فإنه يذكر اسمه تماما كما الحال مع مواضع ذكر (عبده). 


نجد في سورة ص هذه الآية: ((اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب)) تأمل ذكر عبدنا و لكنه أضاف بعده (داوود). و أيضا في سورة ص نجد هذه الآية: ((واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب)) تأمل قال (عبدنا) و أضاف (أيوب) لتعرف المقصود. فإذن عندما نجد عبدنا منفردة في القرآن فإن المقصود هو الرسول محمد صلى الله عليه و سلم، و عندما يريد أن يخبرك عن عبد آخر فإنه يضيف اسم النبي الآخر. 


و لكن إن أنا أتبنى هذا الذي ذكرت فإنه يكون هناك خرق لهذه القاعدة في سورة الإسراء، لأني قلت سابقا أن المقصود بعبده في سورة الإسراء هو موسى عليه السلام بسبب البينات و الدلائل التي لاحت لي، فهل استنتاجي خاطئ أن عبده المقصود في بداية الإسراء هو موسى و أن الصحيح هو الرسول محمد صلى الله عليه و سلم؟ أو أن استنتاجي خاطئ فيما ذكرت أنك كلما وجدت (عبده) و (عبدنا) في القرآن المقصود به الرسول صلى الله عليه و سلم إن لم يُعرّف و أن العبد في بداية سورة الإسراء المقصود به موسى؟ بصراحة هذا الأمر حيّرني كثيرا و لا أزعم أني أعرف الإجابة و إني أدعو الله أن يهديني إلى الحق لكي أفهم و أتجاوز هذه الصعوبة…


الأمر الذي انتبهت له أن في سورة الإسراء عبده لم تأتي منفردة بدون حرف بل جاءت بحرف الباء (بعبده) و لكن هذا قد لا يكفي. المهم أني أعترف أني لا أفهم هذا، فهل جاءت عبده كاستثناء خاص للرسول موسى عليه السلام في سورة الإسراء؟ أم أن القاعدة التي ذكرت بخصوص (عبده) غير صحيحة، فإن كانت الأخيرة غير صحيحة فلا اشكال البتة، و لكن عن نفسي و في الحقيقة في نفسي شيء من هذا إذ أني أميل أنها صحيحة. على كل حال، احتمالية أن يكون عبده المذكور في سورة الإسراء هو موسى عليه السلام احتمال قوي جدا و كذلك احتمالية كونه الرسول صلى الله عليه و سلم كذلك احتمال قوي. و أسأل الله أن يهديني حتى أهتدي إلى الحق.


كتبه،

عبدالعزيز النظري

3 comments:

  1. يا عبد العزيز:
    ما الذي دهاك فأوردك التيه بعد الهدى!
    استشفافك لمعاني الآيات لا يعني أن تدير ظهرانيك لصحيح الأحاديث التي تفسر هذه الآيات بشكل واضح
    حتى قوم قريش في (كفرهم) لم ينكرونها!
    نسأل الله لك الثبات وزوال الأفكار الخاطئة و أنت الذي عهدناك متقد التفكير سوي العقيدة
    دع عنك موجة الاسلام المتناغم حسب السياسة الحالية المطلوبة من الشعوب العربية
    واثبت يا عبد الله و لا تقف ما ليس لك به علم
    هو عبد الله محمد
    صاحب الإسرا ءو المعراج
    ودع عنك هوى القرآنيين و شحرورهم

    ReplyDelete
    Replies
    1. يا هلا فيك، ليس هناك في مقالي أني انكرت الاسراء و المعراج النبوي أبدا، لو أنك قرأت آخر المقال لوجدتني أقول أن هناك احتمال كبير هو الرسول صلى الله عليه وسلم. أرجو أن تعيد قراءة المقال بتأن أخي الفاضل

      Delete
    2. أن تقول(أن احتمالية أنه الرسول موسى عليه السلام )واردة لوحدها تكفي للإنكار
      أخي عبد العزيز
      هل أنت مسلم سني؟
      هل قرأت الأحاديث(المتوااااترة في إسارائه إلى بيت المقدس)؟؟
      وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: ثبت الإسراء في جميع مصنفات الحديث، وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام، فهو متواتر بهذا الوجه. وذكر النقاش ممن رواه: ((((عشرين صحابياً)))))
      ثم شرع يذكر بعض طرقه في الصحيحين وغيرهما، وبسط قصة الإسراء، تركناه لشهرته عند العامة، وتواتره في الأحاديث
      لذلك لا جدوى من احتمالية رؤيتك بوجود الدليل

      Delete