Monday, August 25, 2014

كن مسلما


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... أذكر عندما كنت صغيرا كنت أستمع إلى بعض الأناشيد الإسلامية, وعندما أقارن أناشيد اليوم مع أناشيد الماضي سواء الأداء والكلمات, أجد بونا شاسعا, واخترت لكم اليوم نشيد: "كن مسلما" وهو نشيد كنت أستمع إليه أيام دراستي الإعدادية. يمكنكم الاستماع إلى النشيد بالضغط على هذه الوصلة: http://picosong.com/cpcm/ تبدأ الأنشودة بعد الثانية 33 من المقطع. وأنقل لكم الكلمات التي اعتمد عليها المنشد, وهي من الكلمات الجميلة:

"كن مسلماً وكفــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاك بين الناس فخراً
كن مسلمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاً وكفاك عند الله ذخراً
وروائع القرآن جلَّ اللهُ مـــــــــــــــــــــــــــــــا أسمى هداها
كن مسلماً واصدع بها فـي الأرض واهـــــتف في سماها

ماذا يفيد الجاحدون أخــــــــــــــــــــــا الهداية من ضلالك!؟
ولأيِّ شيءٍ يزرعون الكفــــــــــــــــــــر في كل المسالك!؟
أيحاربون الله جهراً!؟ ويــــــــــــــــــــــــــــــح عُبَّاد الممالك
كن مسماً , واعلم بأن الكل غيـــــــــــــــــــــــر الله هالك

Wednesday, August 20, 2014

تفعيل الجرح والتعديل على جميع طبقات الرواة


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... هذه المشاركة هي تكملة للمشاركة السابقة والتي كانت بعنوان: "سلسلة تصحيح مفاهيم – عدالة الصحابة". بناء على المشاركة السابقة تبين لكم بأني أرجح فكرة أن ليس كل الصحابة (على حسب التعريف الأوسع للصحابة) هم عدول, بل منهم أهل للثقة ولا داعي للتنقيب عن أحواله ومنهم من نحن بحاجة إلى دراسة مروياتهم ومن ثم مقارنتها ببقية الصحابة وأن نُفعّل الجرح والتعديل. بما أن غالب علماء أهل السنة تبنوا عقيدة "الصحابة كلهم عدول" لم يُفعّلوا آليات ومعايير الجرح والتعديل عليهم وذلك لأنهم كلهم عدول, وبذلك لم يهتموا كثيرا بدراسة الأحاديث المرسلة من قبل الصحابة وذلك لأن الصحابة كلهم عدول ولا يضر أن يسقط بين الصحابي والنبي صلى الله عليه وسلم أحد من الصحابة. وقد بيّنت أن هذا التفكير لعله غير سليم وذلك في مشاركة سابقة لي بعنوان: "سلسلة تصحيح مفاهيم – مرسل الصحابي".

الذي أطلبه من طلاب العلم والعلماء, أن يُفعّلوا الجرح والتعديل, فمثلا إن وجدوا بأن أحد من الصحابة يرسل كثيرا عن النبي صلى الله عليه وسلم, أن نضع علامة استفهام حوله, ثم ندرس سيرة الصحابي وأحواله كما يفعلون بالرواة دون الصحابة. لابد أن نفهم لماذا يرسل هذا الصحابي ولماذا يحذف اسم الصحابي الذي سمع منه, ولماذا يكثر من هذا الارسال؟ وما هي مواضيع مروياته...الخ ومن ثم نقارن بالمروي ونرى هل هو الوحيد الذي روى هذه الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أم هناك غيره؟ فإن كان الوحيد لابد أن نتساءل خاصة إن كان الحديث في مسائل فيها بأن هذا أو ذاك حرام, خاصة أن هذه الأمور تهم المسلمين جميعا. وأرى نفسي مضطرا لأن أصرّح بأني لا أريد أن ألمز الصحابة أو أنتقصهم أو شيء من هذا القبيل والعياذ بالله, بل أقول إني والله أرجو الله أن أكون من الذين يحبون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه وأن لا يقبضني إليه إلا وأنا أحمل هذا الحب والاحترام لهم, أما إن كان الله قد سخط على أحد منهم أرجو أن لا يجعل قلبي يركن إلى المغضوب عليهم و لا الضالين.

وقد استقريت أحاديث الصحابة رضوان الله عليهم, فلاحظت عدة ملاحظات لابد أن نقف عندها, مثلا أبو هريرة, أكثر صحابي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم, لابد إذا أن ندرس هذا الصحابي ونتساءل لماذا هو أكثر صحابي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يرافقه أكثر من 3 سنوات؟ بالرغم من أن هناك من رافق النبي صلى الله عليه وسلم ولم يروي ولا حتى 5% مقارنة بمرويات أبو هريرة. طبعا لاشك أن هناك أسباب, منها مثلا حفظ أبو هريرة أو انشغال الصحابة الذين رافقوا النبي لسنوات عديدة, وما إلى ذلك. الذي أريده من طلاب العلم والعلماء اليوم أن لا يقتنعوا بهذه الأسباب فقط, بل يتعمقوا في البحث, أرى أنه لابد من دراسة المرويات التي تقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له بالحفظ أو ما شابه ذلك, فربما اعذارنا مبنية على مرويات ضعيفة في الأساس, أو ربما صحيحة, لابد أن ندرس حال الصحابي الآخر وهل فعلا كان مشغولا كما قال عنه أبو هريرة أم لا؟ وهذا من باب الإنصاف للسماع الطرفين وليس لطرف واحد فقط وهذا من باب انصاف الصحابة. كما أننا نحترم الذين يكثرون الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم, فكذلك لابد احترام الآخرين الذين لم يروا هذا الكم الهائل وندرس الأسباب بجدية وتعمق وتحليل.

والملاحظة الأخرى التي لاحظتها, وجدت بأن كثيرا من أحاديث أبو هريرة تتعلق بالغيبيات, لم يروها أحد من الصحابة غيره. لا شك أن هناك أحاديث قد رواها غيره من الصحابة عن الغيبيات إلا أنه الأكثر فلابد أن نتساءل, لماذا هو بالذات؟ وخاصة هذه الأمور الغريبة محل اهتمام عند العرب والرواة من بعده فلماذا لا نجد عندهم كذلك. والصحابي جابر بن عبدالله, وجدته يروي أحاديث معجزات النبي صلى الله عليه وسلم أو الخوارق للعادة, فلماذا وهو من أكثر الصحابة رواية لأحاديث الأحكام؟ وكذلك أنس بن مالك يكثر من أحاديث خصائص النبي صلى الله عليه وسلم, وابن عمر السنن وأحاديث الخلافة و أبو سعيد الخدري من الأخبار وهكذا. طبعا سيقولون أن لكل واحد تخصص ولعل في هذا القول من الحق الشيء الكثير, ولكن من المعلوم لدينا أيضا بأن الصحابة كانوا حريصين على نشر العلم وقد نُسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية" و "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" ولا أظن أحدا كان أحرص على ذلك من الصحابة رضوان الله عليهم. فأنا هنا لا أتّهم الصحابة وإنما أقول لابد من الدراسة ولنفهم هذه الأمور فلعلنا نكتشف أن هناك من الرواة من يروون الأحاديث وينسبونها للصحابة وهي في حقيقة الأمر كذب على الصحابة.

وهكذا ينبغي أن نفعل بالتابعين وأتباع التابعين, ومن ثم إن تبيّن لنا أن فلانا من الرواة قد كثرت عليه الشبهات فما الأولى؟ أن نأخذ أحاديثه و ننسبها للنبي صلى الله عليه وسلم؟ أم نحتاط ونفعل كما فعل أبوبكر وعمر رضي الله عنهما بالإقلال عن الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ ومثلا إن وجدنا صحابيا اتهموه جماعة من الصحابة لابد أن نتوقف في أحاديث من اُتهم وندرسها, لأن الصحابة أعلم بعضهم ببعض وحكمهم أدق وذلك لأن أغلب الظن (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) بأن حكمهم على إخوانهم من الصحابة لن يكون نابعا من اتباع للهوى أو العصبية المذهبية أو ما شابه ذلك وأنهم عاصروا بعضهم بعضا. ونحن بهذه الطريقة أولا إن كان الصحابي صادقا في نقله نبعد الشبهات عن الصحابي, إن كان هناك شبهات حوله وإما إن كان مخطئا أو كاذبا والعياذ بالله فإننا نحفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم, وفي كل خير إن صلحت النية. ولكن للأسف الناس اليوم صاروا يقدسون الصحابة بسبب عقيدة اخترعوها لأنفسهم ثم تبنوها ويجبرون الآخرين على تبنيتها وإلا كفر! وليس لهم من الله برهان. إنما آيات أو أحاديث تحتمل هذا أو ذاك, وهذا لا يعتبر برهانا عند الدارس. يقولون هم بشر غير معصومين لكن أفعالهم تثبت خلاف ذلك. لنفترض أن محدثا من المحدثين زعم أنه لو يودع في كتابه إلا الصحيح ثم وجدنا على حسب الأصول المتعارفة لدى المتشاغلين في هذا العلم أن في الكتاب أكثر من 20 حديثا ضعيفا من بين 500 حديث, فهل ينبغي لنا أن نثق بالمحدث أو نثق بأحكامه سواء في الرجال أو المرويات؟ لابد من مثل هذه الأسئلة باستمرار, وأنا أنصح طلاب العلم والعلماء أن يحذروا عند دراسة الأحاديث فإنما ينسبون أقوالا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم, والأولى أن يأخذ العالم كل حديث ويدرسه دراسة فردية من جميع الجوانب ويكون إنهاء دراسة الحديث بشكل كامل كإنهاء لمشروع معين. أعرف أن هذا سيطول ولكن الدكتور محمد عمراني يقوم بهذا العمل فجزاه الله خيرا, ولكن كما يقولون: "يد واحدة لا تصفق" وبالإضافة إلى ذلك فالدكتور ترك تفعيل الجرح والتعديل على جيل الصحابة, وأنا متأكد إن هو فعّلها لاكتشفت أمورا كثيرة وربما سيختلف حكمه على المرويات. والله أعلم وأسأل الله أن يلهمنا التوفيق والسداد.

سلسلة تصحيح مفاهيم - عدالة الصحابة


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... كتبت من قبل في مدونتي محاولات لتصحيح بعض المفاهيم التي وجدتها غير صحيحة في سلسلة: "تصحيح مفاهيم" وأغلب ما كتبته كان يتعلق بمواضيع تخص علم الحديث. والسبب في ذلك خطورة هذا العلم, وأقصد بالخطورة, الأهمية والنتائج التي قد تسبب أضرارا للمسلمين أو العكس وذلك لأن أهل الحديث معظم رواياتهم ينسبونها للنبي صلى الله عليه وسلم. وإن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال شيئا فلابد من الإيمان والعمل به, وإن نُسب إليه أمر كذب, فلابد أن نكذبه ولا يضرنا من كان يروي هذا الكذب.

طبعا قبل الخوض في هذه المسألة لابد أولا أن ننهي مسألة "عدالة الصحابة" فقد كثر خوض الناس في هذه المسألة قديما وحديثا, فمن قائل بأن الغالبية كفار وخانوا الله ورسوله والعياذ بالله, ومن قائل بأنهم جميعا عدول ولكنهم غير معصومين ومن قائل بأن منهم الصالح والطالح وليسوا كلهم عدول وليسوا كلهم كفار وخونة. وكل فريق يستدل على قوله بآيات من كتاب الله سبحانه وتعالى أو أحاديث منسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم. عن نفسي, أحب الاعتدال والوسطية, وإني أرى بأن القول الثالث هو الأقرب إلى الحق إن شاء الله, أقصد بأن من الصحابة الصالح ومنهم غير ذلك. ولكن لابد أن أنوّه على أمر ما, فأنا أختار هذا القول الثالث فقط بناء على تعريف أهل السنة والجماعة للصحابة وهو أوسع تعريف. أما من يرى أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قلة قليلة وأنهم لا يتجاوزون العشرة أو ما شابه ذلك, فهنا الأقرب في رأيي الشخصي بأنهم جميعا عدول إلا أنهم أيضا غير معصومين. وما ذكرته من الأمور المهمة وعلى الدارس أن يفرق ويعرف الفرق لكيلا يتهم إخوانه من المسلمين ظلما. كل من الدكتور عدنان ابراهيم والأستاذ الباحث حسن فرحان المالكي لهم بحوث في موضوع عدالة الصحابة فمن أراد أن يبحث أكثر في هذه المسألة أن يرجع إلى ما قد كُتب في هذا الموضوع, لكن ملخص هذه الأبحاث بأن من الصحابة من هو محسن ومن هو ظالم لنفسه.

طبعا من يقرأ كلامي من المتعجلين الذين لم يتعمقوا في البحث, سيتهمونني بأني تأثرت بكلام الدكتور عدنان ابراهيم أو حسن فرحان مالكي, أو بدأت أقرب إلى التشيع أو بدأت "أتزندق"! ولكني قبل الخوض في بعض الأدلة أحب أن أقول بأن معظم اختياراتي العقدية والفقهية هي نفسها اختيارات أهل السنة والجماعة, ولكني لا أرضى لنفسي أن أصنّف نفسي فأقول سني, ولكني أقول مسلم وكفى, وذلك لعدم الانتماء إلى فرق وأحزاب, عملا بقول الله سبحانه وتعالى: ((إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ)). أحب أن أقول أني لن أُعلّق على استدلالاتهم بالأحاديث المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة والعلماء, لأن ذلك بحاجة إلى كتاب بأكمله, ولكني سأحاول التعليق على استدلالهم بآيات من القرآن هي الأشهر بالنسبة لهم بشكل مختصر.

بعض الناس يستدل بآيات الله سبحانه وتعالى للقول بأن الصحابة كلهم عدول ولكني أظن فهمهم للآية ليس في محله. ولنضرب أمثلة على ذلك, قالوا بأن الله رضي عنهم جميعا وذلك لقوله سبحانه: ((لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) أقول ليس في هذه الآية دليل على أن الله رضي عن جميع من تسمونهم بالصحابة؟ من أين أتيتم ذلك؟ إنما الآية مختصة بالذين بايعوا تحت الشجرة, أهل بيعة الرضوان ولا علاقة لها بسائر الصحابة، بل في الحقيقة هذه الآية كما تبدو لي أخص من ما يدّعونه! ثم إن الله سبحانه وتعالى قد جعل في هذه الآية قيدا ربما خفي عليهم, و ذلك في قوله: (إذ يبايعونك تحت الشجرة) فالله لم يقل بأنه رضي عنهم في جميع الأحوال, ولكنه قيّد. لنفترض أني فاسق وإني أعصي الله باستمرار والعياذ بالله, إلا أنني في يوم من الأيام صليت صلاة كنت خاشعا فيها وأديت جميع شروط وأركان الصلاة... ما الذي يغلب على الظن؟ يغلب على الظن بأن الله يتقبل مثل هذا, ولكني بعد أشهر عدت إلى عصياني لأوامر الله والعياذ بالله. فهل بسبب قبول صلاة واحدة أو رضاء الله لفعل واحد يجعلني في مأمن وأكون أهلا للثقة بشكل مطلق؟ لا أظن بأن عاقلا سيقول نعم!

أظنكم سمعتم بجائزة الشخصية الإسلامية لخدمة الإسلام أو جائزة القرآن الكريم للشخصية الإسلامية سواء في السعودية أو الإمارات أو غير ذلك, ألم يفز في احدى هذه الجوائز الدكتور القرضاوي؟ فما بال الناس اليوم في معظم دول الخليج يبغضونه ويصفونه بأنه من دعاة الفتنة؟ لأنه في ظنهم قد بدل وأفسد وغيّر بعد أن كان مصلحا. بمجرد الرضى عن حادثة واحدة لا يعني أبدا بأن هذا الإنسان أصبح مرضيا بشكل مطلق (للعلم أنا هنا لا أبدي رأيي عن القرضاوي إنما أقول رأي بعض الناس فيه كما وصفت). وهناك إشارة لتأكيد ما أقوله في آية أخرى ولكن ربما غفلنا عنها, قال الله سبحانه وتعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)) قال القرطبي رحمه الله: "فمن نكث بعد البيعة. (فإنما ينكث على نفسه) أي يرجع ضرر النكث عليه، لأنه حرم نفسه الثواب وألزمها العقاب" فاحتمال النكث موجود وقد ذكر الله نتيجة النكث وهذا ظاهر وبيّن وإلا لو كان كما يقولون بأنه رضي الله عنهم مطلقا فلم رهّب ورغّب؟ القول بأن الله رضي الله عنهم مطلقا وكلهم في الجنة وغير ذلك, أقول بأنه قول على الله بلا علم وكفى به اثما مبينا. فالمسلم عليه أن يقول أيضا نحن رضينا عن المؤمنين إذا بايعوا تحت الشجرة, ومن نكث منهم فلا ينبغي لنا أن نقول عنهم عدول, ومن تمسك بعهده نقول نعم هؤلاء هم العدول. ولكن كيف نعلم من نكث ومن لم ينكث!؟ الأمر ليس بالصعوبة التي يظنها الناس, إنما توزن أفعالهم وأقوالهم بكتاب الله سبحانه وتعالى والصحيح الثابت من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم, فما وافق نقول نعم, وما خالف نقول لابد من الحذر من مروياته. فالعبرة باستقامة الراوي (سواء كان صحابيا أو تابعيا) وعدم احداثه ما يخل بعدالته.

مثال آخر يستدلون بقول الله سبحانه وتعالى: ((واَلسَّابِقُونَ الاْوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاْنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإحْسَان رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي تَحْتَهَا الاْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)) فيقولون رضي الله عنهم ورضوا عنه وهذا يعني أن جميع الصحابة في الجنة. أولا كما قلت لابد من الثبات على تعريف واحد للصحابة, فالقوم قد اختلفوا في تعريف الصحابي على أكثر من قول وهذا معروف في كتب الأصول والحديث. ثانيا الاستدلال أظنه والله أعلم في غير محله, لأن الله سبحانه وتعالى قال (السَّابِقُونَ الاْوَّلُونَ) وكلنا يعلم بأن ليس جميع من يسمونه اليوم صحابي كان من السابقون الأولون, بل إنهم أيضا اختلفوا في تعريف "السابقون الأولون" على عدة أقوال, فأي علاقة بعموم الصحابة ؟ نص الآية لا يوحي أبدا بعدالة جميع من تصنفونهم من الصحابة, إنما السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار (وهنا ملاحظة أخرى لم يقل الله المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم, إنما خصص فقال والسابقون الأولون, ولكن أيضا قد يُقال بأن "من" بيانية فيكون المعنى كل المهاجرين والأنصار).  وأيضا اختلف العلماء في تعريف (الذين اتبعوهم بإحسان) على عدة أقوال, ولكن لابد أن نفهم متى انقطعت الهجرة, وهذا مهم لتمييز من هو من المهاجرين ومن هو ليس من المهاجرين والأنصار فلعله يكون من الذين اتبعوهم و سبحان الله فإنه قيّد الذين اتبعوهم فقال (بإحسان) فننظر في كل من كان من غير المهاجرين والأنصار (هذا إن افترضنا أن المقصود "بمن" البيانية) هل اتبعوا بإحسان أم لا.

قد تقول لم تبحث في موضوع عدالة الصحابة أو تريد أن تفصل بين المهاجرين والأنصار ومن اتبعوهم, أقول كل هذا دفاعا عن النبي صلى الله عليه وسلم. كما أننا نحترم الصحابة والتابعين لهم بإحسان والرواة والعلماء, فلابد أن يكون احترامنا ودفاعنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أعظم بكثير. ولا نُكرم من يكذب على رسول الله, فإن الكذب على رسول الله ضرره عظيم وقد كتب في أضرار الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابات ومقالات, من الذي سيتأثر؟ الأمة بأكملها. لنفترض أن أحدا من الذين نُصنّفهم من الصحابة, رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا وهو ليس من المهاجرين والأنصار, أمر فيه مثلا بقتل كل من يفعل كذا وكذا والمسلمون من شدة حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم, بادروا بتنفيذ أوامره وقاموا بالقتل لأنهم ظنوا بأن هذا الحديث فعلا صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم تبين لنا بعد الدراسة والبحث بأن هذا الذي جعلوه صحابيا و رضي الله عنه, لم يكن صحابيا إنما من الذين اتبعوا الصحابة, ولكنه لم يتبع بإحسان بل كان ظالما لغيره ولنفسه. فكل هؤلاء الذين ماتوا ربما كان نتيجة كذبة نسبها هذا الشخص إلى النبي عليه الصلاة والسلام, فهل سيرضيك أنت كمسلم ذلك؟ يثور غضبنا فقط إن نسب أحدهم إلينا قولا لم نقله ونحزن وربما نقع في شجار مع من نقل هذا الكلام أو نرفع قضية, ثم لا نبالي بما يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقط لحجة قد بيّنت ضعفها في هذه المشاركة بأنهم كلهم عدول وكلهم في الجنة؟ هذا والله المستعان, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

Monday, August 18, 2014

نصيحة للأستاذ حسن فرحان المالكي




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... عادتي لا أحب أن أكتب مقالات وأذكر فيها أسماء المشايخ والدعاة (كما يسميهم البعض), ولكني في هذه المشاركة سأضطر لأذكر بعض الأسماء, لا للنكاية فيهم أو شيء من هذا القبيل, إنما للنصح والمحبة في الله, ولأني على ثقة بأن من سأنصحه يتقبل هذا النصح, وهو الأستاذ الباحث الإسلامي حسن فرحان المالكي. (بما أن الأستاذ حسن يفضل أن يُنادى بالأستاذ حسن بدلا من الشيخ حسن فسأفعل ذلك في هذه المشاركة). أنا من الذين يتابعون الأستاذ حسن, لأن له أبحاث علمية في التخصصات التي أحبها مثل تفسير القرآن و علم الحديث وما شابه ذلك. وأنا كطالب علم أحب الوصول إلى الحق وأن أتعلم وأخذ الحكمة أنا وجدتها. بخلاف كثير من الناس, عن نفسي, أحسب الأستاذ حسن من الذين يغارون على هذا الدين ويحبون كتاب الله ولا أزكي على الله أحد, وهذا ما يلتمسه كل من يقرأ كلمات الأستاذ في نصرة كتاب الله سبحانه وتعالى. وبما أن الأستاذ حسن هو من المعاصرين الذين يدعون إلى التمسك  بكتاب الله وتدبر آياته, فبالتالي يكون قدوة لغيره, فالذين يتابعونه يريدون أن يروا قدوة لهم, ولكن ما إن خالف هذا الذي يدعو إلى كتاب الله, كتاب الله, أصاب من يتبعونه بالحزن أو الخيبة أو ما شابه ذلك وقد أصابني الحزن ولا أقول الخيبة, لأنه جلّ من لا يخطئ. التمست اليوم تصرفا لا يليق بالأستاذ حسن, وكلمات أحزنتني قالها الشيخ حسن ضد الشيخ المغامسي, حفظهم الله جميعا. وذلك بعد أن انتقده واتهمه بأمور فقط لأنه استمع إلى مقطع لأحد المشايخ يلعن ويحرض على الجهاد وما شابه ذلك, والمقطع في الواقع ليست للشيخ المغامسي إنما لغيره. ولا أشك بأن الأستاذ حسن قالها خيبة وحزنا لما ظن أن المغامسي قال كذا وكذا, مثل ما أنا الآن أشعر بالحزن لتصرف الأستاذ حسن.

قال الأستاذ حسن بعد سماعه للمقطع هذه الكلمات: "هؤلاء عقلاؤنا فكيف بالمجانين؟ المغامسي يلعن كل من دعم عزل مرسي والإخوان ويدعو للجهاد في كل مكان! في سوريا ومصر ومالي, الشيخ المغامسي خلوق خاشع صاحب عبادة وتأله وإخبات الخ لكن من أين أتاه هذا الغلو ؟ أتاه من قبل العلم لا من القلب من المعلومات عن هذا وهذا. المعلومات الخاطئة لها أثر كبير في تشكيل شخصية المسلم فقد يكون المسلم بطبعه عاقلاً معتدلاً لكن المعلومات الخاطئة تدفعه للغلو تديناً بجهل. أول المعلومات التي يجب على المغامسي تصحيحها هو معلوماته عن معاوية وحبه له كنت أعرف أن هذا الحب لمعاوية سيلحقه يوماً ما رغم فضل الشيخ وخشوعه. لا تطمئن لمثقف أو داعية أو شيخ يغلو في حب معاوية سيلحقه هذا الحب ويعاقبه سيمنحه الإعجاب بالواقع التاريخي سيستلهم سيرة دعاة النار. انظروا الى الشيخ المغامسي في فضله وخشوعه الخ من كان يظن أنه سيلعن طول الدنيا وعرضها ويدعو لهذا الجهاد غير المشروع؟ إنها الثقافة =المعلومات. إن لم يثبت المقطع للمغامسي فالحمد لله فهذا الرجل لا يليق به هذا التهور ونحن نجله عن هذا التصحيحات تقول هو آخر يسمى السحيياني لذلك أعتذر"

قد تقولون ما الذي أحزنني في كلمات الأستاذ حسن, أقول تعجله وعدم تبينه, فما إن استمع إلى المقطع وبدأ بنشر عدد من التغريدات, ونشر معلومات خاطئة عن الشيخ المغامسي حفظه الله. الأستاذ حسن بدأ كلامه بشيء فيه نوع من الاستفزاز, واتهمه باللعن واتهمه بأنه يدعو إلى الجهاد بغير علم, واتهمه بالغلو...الخ فعل بالشيخ المغامسي كما يفعل الناس به. ما الذي تظنونه سيحدث بعد تغريدات الأستاذ حسن؟ سينشرون الناس كلام الأستاذ حسن من غير تثبت أيضا, وسيقومون باتهام المغامسي بأشياء لم يقلها, وطبعا هناك من بعض الناس الذين ينتسبون إلى العلم, ليس لهم هم سوى الطعن في المشايخ الذين لهم قبول بين الناس فينشرون هذه الكلمات ولن يتوقفوا عند هذا الحد, بل إنما سيبحثون عن كل أخطاء المغامسي, أخطاء قد أخطأها قبل عشرات السنين ويعيدون نشرها... سينعتونه بالصوفي والمخرف والتقول على الله بغير علم وطبعا يضيفون إلى ذلك السخرية منه, فإما أن ينعتونه بالقصاص أو قلة العلم وأنه فقط واعظ وغير ذلك ولم يعلموا هؤلاء أن رأس العلم خشية الله سبحانه وتعالى. للأسف قد حصل ذلك بالفعل والشيخ المغامسي بريء.

قال الله سبحانه وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين)) أنا متأكد بأن الأستاذ حسن يعرف تفسير هذه الآية ولوازمها, بل في الحقيقة عند مقارنة فهمي لآيات الله سبحانه وتعالى بفهم الأستاذ حسن, فكأني كقطرة ماء أمام بحر وما عليكم سوى أن تقرؤوا كتبه لتدركوا ذلك. وقال الله سبحانه وتعالى: ((لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ)) كنت أتمنى أن يفعل الأستاذ حسن ذلك, فالشيخ المغامسي أحسبه من المؤمنين ولا أزكي على الله أحدا, وأظن أن الأستاذ حسن أيضا يظن خيرا بالمغامسي وهذا ما يلتمسه القارئ من كلمات الأستاذ, فكان الأولى إذا أن نتبع تعاليم الله سبحانه وتعالى في الظن بالمؤمن خيرا.

لنفترض أن كل ما يقوله الأستاذ حسن في الخليفة الأموي معاوية صحيح, أقول فرضا. ولنفترض أن المغامسي يحب معاوية حبا عظيما, لنفترض فقط. ولنفترض أن المغامسي لم يقرأ أبحاث الأستاذ حسن في معاوية ولم يدرك أخطاء معاوية كما يدعيه الأستاذ حسن, لنفترض فقط. فهل هذا يعني, أن هذا الحب الذي هو نابع من قلب المغامسي نتيجة العلم بأن معاوية هو أحد الصحابة, وعلى حسب الأصول السلفية فالصحابة كلهم عدول وقد رضي الله عنهم...الخ فأحب المغامسي معاوية من أجل ذلك, من أجل صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم, لماذا إذا يظن الأستاذ حسن بأن هذا العلم والحب لمعاوية سيعاقبه!؟ (أقصد إن جهل المغامسي ما علمه الأستاذ حسن عن معاوية).

الحقيقة أظن والله أعلم, هذا فيه سوء ظن بالله سبحانه وتعالى, وكأن الله سبحانه وتعالى سيعاقب من يحب إنسانا فقط لأن هذا الإنسان أحب (فلانا من الناس) لغلبة ظنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يحبه. ألا يظن الأستاذ حسن بأن غاندي ومانديلا في الجنة؟ لماذا يا ترى يظن هذا الظن؟ لانتفاء العلم عندهم, أقصد بأنهم لم يعلموا الإسلام الحقيقي أو ما شابه ذلك, فالأستاذ حسن أعذرهم لأنهم يجهلون حقيقة الاسلام أو ما شابه ذلك ولهم أعمال صالحة فيغلب على ظنه بأنهم في الجنة وأنا هنا لست أريد أن أصدر الأحكام من يغلب على ظني في الجنة ومن لا يغلب, فالأمر كله لله سبحانه وتعالى. فلماذا لم يتسع قلبه ليظن بأن الله لن يعاقب من يحب معاوية فقط من أجل غلبة ظنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم يحبه؟ بل إن الأستاذ حسن وصف المغامسي بالخشوع, وأنا كذلك أظنه من المؤمنين الخاشعين ولا أزكي على الله أحد, وهذا يعني إن هو علم الحق فسيعود إلى الحق ويتبعه إن شاء الله نتيجة الخشوع والخشية, فلماذا هذا التسرع؟

لا أنتظر إجابات من الأستاذ حسن, لأنه اعتذر للمغامسي, ولكن في واقع الأمر, الأضرار الذي ينتجه تسرعنا في اتهام الأشخاص كثيرة, نعم هناك فائدة للاعتذار, ولكن مقارنة بأضرار هذا التسرع, فهذا الاعتذار يكاد لا يكون له قيمة. وهذا لا يرضاه أحد منا على نفسه, أقصد بأنن نُتهم ويقال فينا ما لم نقله, ثم عندما نثبت لهم بأننا لم نقل ما نشروه عنا, اعتذروا! هل سيعجبنا ذلك؟ بالتأكيد لا. ألسنا نريد اتباع تعاليم الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ ألا ينبغي أن نحب لإخواننا المؤمنين الخير كما نحبه لأنفسنا؟ هذه المشاركة مجرد نصيحة وتذكير للناس ومن بينهم الأستاذ حسن. وأخيرا أقول, والله إني لا أقول هذه الكلمات تشفيا وكرها للأستاذ حسن أو شيء من هذا القبيل, بل إني أحبه في الله, وهذه المحبة تقتضي مني النصح ولو كان هو خيرا وأفضل مني, ولأني مؤمن بأن الأستاذ حسن سيقبل النصيحة, لأن هذا ما تعلمه من القرآن الكريم. وكتبت هذه النصيحة في المدونة, لأني أعلم بأن كلماتي ربما لن يقرأها إن كتبتها في تويتر, وذلك لسيل الشتائم التي يتلقاها الأستاذ حسن يوميا والله المستعان, هذا والله أعلم وأستغفر الله لي ولأخي الأستاذ حسن وللشيخ المغامسي وللمسلمين والمسلمات.

Sunday, August 17, 2014

آدم وحواء والنفس الواحدة




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... مدونة جديدة لها علاقة بالتي قبلها, هذه المرة سأُسلّط الضوء على آية قرآنية, ألا وهي: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) والناس قديما وحديثا اختلفوا في تفسير هذه الآية, إلا أن أغلب المفسرين يقولون بأن المقصود في قوله (من نفس واحدة) هو آدم, و المقصود في قوله (وخلق منها زوجها) هي حواء وذلك استنادا على روايات منسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم (الله أعلم بصحتها) وأقوال المفسرين والعلماء سواء من المسلمين وغير المسلمين, وخاصة أن هذا القول هو الأشهر عند أهل الكتاب.

ولكن يحسن بي قبل الخوض في هذه المسألة أن أنقل كلام الشيخ الشعراوي رحمه الله عندما تعرّض للموضوع فقال: "الناس تريد أن تدخل في متاهة. هل خلق منها المقصود به خلق حواء من ضلع آدم, أي من نفس آدم؟ أناس قالوا ذلك، وأناس قالوا: لا، ((مِنْهَا)) تعني من جنسها، ودللوا على ذلك قائلين: حين يقول الله: ((لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ)) أأخذ الله محمدا صلى الله عليه وسلم من نفوسنا وكوّنه؟ لا، إنما هو رسول من جنسنا البشرى" انتهى كلام الشيخ الشعراوي. قرأت كثيرا من التفاسير والأقوال حول هذه الآية وتطرقهم إلى المواضيع ذات الصلة إلا أن كلام الشعراوي رحمه الله من أحسنها. فأولا بالفعل هذا الموضوع سيدخل الذي يخوض فيه ومن يقرأ في متاهات, وبالإضافة إلى ذلك بعد قراءتي المتواضعة لأقوال الناس سواء من المسلمين وغيرهم, سواء من أهل السنة أو الشيعة, الصوفية أو الزيدية...الخ كل منهم له رأي, إلا أنه لا يمكن لأي منهم أن يجزم فيقول قولي الحق لا يحتمل الخطأ! وحتى ما ستجدونه في هذه المشاركة مجرد احتمال لا أكثر, ولكن بعض هذه الأقوال لا شك بأنها أقرب إلى الحق من البعض الآخر.

لست أريد أن أناقش من خلق أولا, آدم أم حواء, لأن غالب الناس يظنون بأن آدم خلق أولا, إلا أن قليلا من الناس سواء كانوا من الذين يُسمّون بالـ"قرآنيون" فإن بعضا منهم يرجح أن حوّاء خلقت قبل آدم, أو من أهل السنة, فقليل من أهل السنة والجماعة يميلون إلى هذا القول كعدنان ابراهيم الذي أظنه يميل إلى هذا القول (للأمانة لم أستمع إلى محاضراته كلها حول هذا الموضوع إنما الشيء القليل). وكثير من الذين ينادون بحقوق المرأة ويرفضون النظرة الدونية للمرأة وأنها التابعة...الخ, يحبون دعم هذا القول, وفي الحقيقة هذا القول له وزنه, وذلك لأنهم يفسرون آية سورة النساء بآية سورة الأعراف والقرآن كما هو معروف لدى الجميع يفسر بعضه بعضا. قالوا (أي الطرف الآخر) تفسير هذه الآية: ((((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) تجدونه في آية سورة الأعراف. وهم نظروا بأن المقصود بالنفس الواحدة هي حواء, وذلك لأننا نقرأ في آية سورة الأعراف: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)) فقال سبحانه (جعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها...) ولم يقل لتسكن إليه (ويمكن الرد على هذا), وقال (فلما تغشّاها) وهذا واضح ليس بحاجة إلى تفسير لأن الرجل هو الذي يفعل ذلك. فقالوا إذا آية سورة الأعراف تُفسّر آية سورة النساء وبالتالي (نفس واحدة) هي حوّاء و (جعل منها زوجها) هو آدم. وكما ترون هذا القول قوي, وكذلك القول المشهور أيضا قول قوي وله وجهه واللغة تحتمل هذا وذاك. لي رأي شخصي في المسألة, ولكني قبل أن أضيف أي شيء, أحب أن أنوّه بأنه إذا صح أي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن هذا الموضوع فإني مؤمن بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم, أما إن لم يصح أو أن الحديث المنسوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيه ضعف في السند أو شبهة في الرواة أو غير ذلك فعندها يكون لاجتهادي محل, وإلا فلا.

أحب أن أضيف شيئا لا أظنني سُبقت إليه (لا أقصد بهذا مدح نفسي أو شيء من هذا القبيل والعياذ بالله لكني بالفعل لم أجد من يقول بمثل هذا القول) وهو في حقيقة الأمر يدعم قول القائلين بأن حواء خلقت قبل آدم, وذلك استنادا على قول الله سبحانه وتعالى: ((إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) جميعنا يعلم من القرآن الكريم بأن مريم بنت عمران الصدّيقة, حملت بعيسى بن مريم ولم يخلقه الله هكذا من غير أب وأم, إنما خلقه من غير أب! أظن بعضكم فطن إلى ما أريد أن أذهب إليه... اقرؤوا الآية من جديد! ((خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) آدم خلق من تراب ثم قال له كن فيكون, وكذلك عيسى بن مريم, وإلا لما ناسب أن يذكر الله هذا المثال, وتأملوا قول الله سبحانه وتعالى قال (مثل) ولم يقل (شبه) فالمثل أقوى في الشبه من عدة نواحي. فالذي أريد أن أقوله, كون عيسى كان في بطن مريم ثم ولد, لا يمنع أن يكون آدم خلق هو الآخر من حواء, سواء من بطنها أو ضلعها أو أي شيء أراده الله سبحانه وتعالى. فالقدرة ممكنة والآية لا تنفي هذا الافتراض نفيا جازما.

النقطة الثانية, سواء الذين فسروا بالنفس الواحدة (آدم) أو الذين فسروها بحواء, فالحقيقة كلا الطرفان سيقعون في ورطة عندما يفسرون آية سورة الأعراف: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)) لأن الآية التي بعدها يقول الله سبحانه وتعالى: ((فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) وفي هذه الآية احراج عظيم لآدم وحواء, ولهذا اضطر المفسرون إلى تأويل الآية عن ظاهرها, فقالوا إنما المقصود ذريتهما أي ذرية آدم وحواء هم الذين أشركوا. والبعض منهم جعل الآية على ظاهرها واضطر أن يقول بأن آدم وحواء أشركوا واستندوا على روايات غير ثابتة وقد أنكر هذا القول ابن قيم الجوزية رحمه الله. فكما ترى, كلا الطرفين عندما يقرؤون الآية يضطرون إلى التأويل أو اتهام آدم وحواء بالشرك وفي المذهبين بنظري فيه نوع احراج والله أعلم وتفاصيل هذا الاحراج يطول وليس هذا موضعه.

أما عن رأيي الشخصي في المسألة, فإني أظن والله أعلم أن (النفس الواحدة) و (جعل منها زوجها) ليس المقصود بهما في هذه الآيات آدم وحواء, وإنما الذين كانوا من جنس البشر قبل آدم. ومن قرأ مشاركتي السابقة في هذه المدونة لوجد أني أحاول اثبات وجود بشر قبل آدم. فإن افترضنا أن المقصود بهم غير آدم وحواء فلا اشكال في الحقيقة, فليس عندي اشكال من خلق قبل من, ولا يرد علي اشكال شرك آدم وحواء والعياذ بالله ولم أصرف الآية عن ظاهرها فلم أجد أي إحراج. والشرك والعصيان والكفر وارد على من سبق آدم كما بينت ذلك في المشاركة السابقة. أعرف أن ما كتبته في هذه المشاركة والتي قبلها لن ترضي كثير من المسلمين, لأنهم يرون عدم ظهور ميزة الرجل بشكل واضح على الأنثى, أو لأنهم يرون أن هذه الكلمات لا تنفي نظرية التطور نفيا كاملا,...الخ أريدكم أيها الإخوة أن تقرؤوا كلماتي ومن ثم تقارنوها بأقوال المفسرين, ثم تنظروا أي الأقوال يدعمه القرآن ثم اختاروا لأنفسكم ما ترونه الحق والله يهدي من استهداه. هذا والله أعلم.