Tuesday, January 31, 2012

الليبرالية الإسلامية


السلام عليكم و رحمة الله و بركاته... هذه هي المشاركة الثانية عن الفكر الليبرالي, و بما أن كثير من الناس يستخدمون مصطلح "الليبرالية الإسلامية" قررت أن يكون هذا الموضوع تعريفا عن هذه العقبة الجديدة. كما ذكرت في المشاركة السابقة سأنقل ما كتبه الدكتور الفاضل أحمد جلال فؤاد عن هذا الموضوع و من ثم أنقل لكم عن أسباب عدم جواز استخدام هذا المصطلح الدخيل نقلا عن موقع إسلام ويب

قال الدكتور: "الإسلام الليبرالي, بإختصارٍ شديد، تقوم فكرةُ الإسلام الليبرالي على محور "إستقلال الفرد في تفسير النصوص؛ القرآن والسنة" وبالتالي يطرح دعاةُ الإسلام الليبرالي مفاهيمَ غير تقليدية للنصوص، منها على سبيل المثالِ لا الحصر: رفض قوانين الميراث التي تميز بين الذكر و الأنثى، فهم ينادون بالمساواة، كما حدث في تونس أيام بورقيبة وبن علي. رفض تعدد الزوجات، إنطلافاً من الجمعِ بين آيتين في القرآن الكريم: ((فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً)) و ((وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ)) إذاً : لا يوجد تعدد في الإسلام... هكذا يفسرُ دعاة الإسلام الليبرالي النصوص! يقبلُ بعضُ المسلمون الليبراليون بإمامةِ المرأةِ في الصلاة للرجال والنساء على حدٍ سواء، وحيثُ أن الليبرالية الإسلامية لا تعترفُ بالحجاب كفريضة، وتنادي بالمساواةِ الكاملة، فيمكنُ أنْ نتخيلَ مشهدَ صلاةِ الجماعةِ بهذا الفهم!

دعاةُ الإسلام الليبرالي ينادونَ بالعلمانيةِ كمذهبٍ سياسي حاكم لإدارةِ البلاد، وردّهم على الإسلام التقليدي هو: أن القرآن الكريم نزل في ظروف خاصة، كانت الدولة الإسلامية في بدايتها، أما الآن فالعقل الفردي (وليس الجماعة) يجب أن ينظر لما يناسبه، مع إستلهام روح الإسلام وقيمه العليا من الحرية والعدل والمساواة. وهم يؤكدون أيضاً على إيمانهم بأركان الإسلام الخمسة. و إن كانت جماعة القرآنيين قد خرجت من رحم الإسلام الليبرالي، وهي ترفض السنة إجمالاً، وبالتالي تختلف صلاتهم وزكاتهم عن الإسلام السنّي، ولكن هذا ليس موضوعنا الآن. يتحفظ المسلمون الليبراليون على فكرة الجهاد بمعناه المسلح، ويميلون إلى جهاد النفس (اللا عنف) يميل بعض (وليس كل) المسلمون الليبراليون لقراءة القصص القرآني حول الأنبياء على أنها رمزية أكثر منها حقائق تاريخية.

من أهم رموز الفكر الليبرالي الإسلامي : جمال البنا، نصر حامد أبو زيد، خالد منتصر، طارق حجي، خليل عبد الكريم، فرج فودة، و طه حسين. ومشاكلهم مع المرجعيات الدينية معروفة، فهم – إنطلاقاً من الليبرالية – ينادون بحرية كل فرد في فهم وتفسير النصوص كيفما يرى، دون قيود أو حدود وضعها السابقون.

والخلاصة: أن وسائل الليبرالية متغيرة دائماً ومائعة حسب الظروف ، وذلك بهدف الوصول لغاية ثابتة ومقدسة وهي "حرية الفرد" حرية لا تعترف بأي قيود أو ضوابط في الفكر والدعوة إليه، والإجتهاد الفردي في فهم النصوص. حرية "تمنع وترفض" مبدأ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. حرية "تحتكر" فهمها للنصوص ، و "ترفض" إلتزام – من يريد – بمظاهر فهمه للدين، فالليبرالية في تطرفها تمنع التعدد و الحجاب وتساوي في الميراث. حرية ترفض أن يملي أحدٌ عليها – كائناً من كان – إفعل و لاتفعل، فهو حر في أن يشرب الخمر، ويعاشر من شاء من النساء أو الرجال!، طالما لا يهدد هذا مصالح الآخرين.

الليبرالية تنادي بالتسامح وقبول الآخر، ولكنها تتهكم مع آراء معارضيها بوصفها "ردة فكرية" و "ظلامية في التفسير". الليبرالية التي قامت أساساً على السوق الحر، وحرية الإقتصاد، أثمرت رأسمالية متوحشة إلتهمت حقوق الطبقات الدنيا ضماناً لحرية أصحاب رؤوس الأموال. والقول بأن الإسلام يمكن أن يوصف بالليبرالية، كما وصف من قبل بالماركسية، هو من قبيل مغازلة المسلمين، لعلمهم بصعوبة فصل الإسلام عن حياة معتنقيه. ولكن السؤال: إذا كانت الليبرالية – أو العلمانية – لا تتعارض مع الإسلام ، فلماذا الإصرار على إلصاق هذا المصطلح بالإسلام؟، وكأن الإسلام "يحتاج" إلى إضافة أو فهم "بشري" حتى يصبح ملائماً؟ إذا كانت قيم الليبرالية و الديموقراطية و العلمانية موجودة في الإسلام، فلماذا الإصرارُ على إستلهامها من الفهمِ الغربي؟ لماذا نرفض المفهوم الإسلامي لمبدأ "الشورى" إذا كان لا يتعارض مع الديموقراطية؟"

أما في موقع اسلام ويب فقالوا: "أما إطلاق مصطلح الليبرالية الإسلامية فلا يجوز شرعا لعدة اعتبارات:

الأول: أنه لا وجود لما يسمى بالليبرالية الإسلامية، لأن هذا جمع بين النقيضين، ومن أطلق هذا المصطلح المحدث يصدق عليه قول الشاعر:

سارت مشرقة وسرت مغربا      شتان بين مشرق ومغرب

فشتان شتان بين الليبرالية والإسلام، ولهذا فإن من يطلق هذا المصطلح "الليبرالية الإسلامية" يضطر إلى أن يفسر الليبرالية بتفسير يفرغها من حقيقتها ومضمونها، بحيث لا يبقى لها أي معنى، كما في هذه الجملة المذكورة في السؤال، فإذا كانت الليبرالية الإسلامية تعني التقيد بالدين ثم بالعرف ثم بالأخلاق الإنسانية الفطرية كالرحمة والشفقة.. الخ، فأي فائدة لكلمة الليبرالية، فإن التقيد بالدين ثم بالعرف ثم بالأخلاق الإنسانية داخل في مفهوم الإسلام، فأي جديد أضافته كلمة الليبرالية حتى يقال: ليبرالية إسلامية!؟

الثاني: أن هذا المصطلح المحدث يوهم التقارب بين الإسلام والليبرالية، ويسمح بتمرير ضلالات الليبرالية إلى قلوب عوام الناس وعقولهم وهم لا يشعرون، وهذا لا ريب أنه محظور عظيم يجب سد الطرق المفضية إليه.

الثالث: أن الإسلام منهج عظيم متكامل، والجمع بينه وبين المذاهب الأرضية التي هي في الحقيقة زبالات الأذهان ونفايات الأفكار، طعن فيه بالنقص والحاجة إلى التكميل، وقد قال تعالى: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا] (المائدة: 3). وقال تعالى: [وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ] (آل عمران: 85). وقال: [أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ] (آل عمران: 83) وقال: [أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ] (المائدة: 50).

والله أعلم."

أخيرا قد تتساءلون إن كان ما نقلت هي أفكارهم فكيف تمردت الليبرالية الإسلامية؟ و أدع الأخ الفاضل محمد جلال القصاص يجيبكم نقلا عن مقالته الرائعة "الليبرالية الإسلامية... عقبة جديدة على الطريق" قال أخونا: "حين تنظر في مجريات الأمور وتعيد النظر كرتين تجد أن السبب في ذلك هو أن الكفر الآن قوة عظمى أو هو القوة العظمى ، وقد شاء الله أن تكون بيده كثير من أسباب التمكين في واقعنا المعاصر ، وبالفعل أخذ الكفر بأسباب التمكين له ، فمكن للمنافقين في السياسة ، والمنافقون مكنوا لأوليائهم ممن يرى شرعية ما هم عليه من باطل ، والكافرون والمنافقون هم الذين يرمون بهذه الأحجار تحت أرجلنا ونحن نسير ، هم الذي ين يصنعون تلك العقبات على الطريق, هم الذين يفعلون هؤلاء"

و قال أيضا: "من الذي يسمح بقنوات التنصير التي تسب الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الملأ ، ثم يرى أن الرد عليهم إثارة للفتنة؟ ومن الذي يستضيف ويثير قضايا تم مناقشتها من زمن بعيد والرد فيها محسوم من يوم ولدت ، مثل (الحجاب) (وتولية المرأة) و ( سفر المرأة بلا محرم ) و (الولاء والبراء)... إلخ ؟ إنهم الكافرون ، وإنهم المنافقون ، وإنهم الغافلون ، وإنهم المغرضون .وإننا نتحمل وزراً مما يحدث ، ذلك أننا تخلينا عن تربية القيادات الصلبة التي تصنع الحدث ، نحتاج لأصحاب المواقف قبل المعارف ، فما ضيعنا إلا أننا قدمنا مَنْ كثر علمه وعلى صوته وغضضنا الطرف عن هنّاته ثم حين واجهته العقبات قعد أو انحرف ورمى في وجهنا بعدد من الحجج التي لا نقبلها ولا نستطيع ردها . ومشت الجماهير خلفه ، أو انصرفت عنا وعنه حين رأت أبناء القضية الواحدة يتشاجرون ." و إن تساءلت ما العمل في مواجهة هؤلاء فأجاب أخونا الفاضل "إعداد الكوادر اللازمة للمنازلة ، وإيجاد المنابر العالية للدعوة ، والتوجه لتربية الناشئة ، ثم الحوار مع هؤلاء الليبراليين الإسلاميين ، فبعضهم مخلص فيما يأتي ويذر .. يريد الخير لأمته . وكذا الرد على أطروحاتهم وكشف شبهاتهم؛ لكي لا يغتر بهم غيرهم . والجهود القليلة المبذولة في هذا المجال أثمرت ـ ولله الحمد ـ توعية بخطرهم ، وتحجيماً لنشوتهم."


التعريف بالليبرالية و أهدافها


السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

كتبت الكثير عن الليبراليون و عن خطورتهم و ربما استغرب البعض مني الإنكار على فكر هؤلاء, فقلت أفيد نفسي و غيري بنقل ما كتبه الدكتور الفاضل أحمد جلال فؤاد في مقاله المميز "الإسلام و الليبرالية... من يحتاج إلى من؟" و ذلك في أكثر من مشاركة. لكن في هذه المشاركة سأقتصر فقط على التعريف بالليبرالية معناها و أهدافها. و أنقل لكم ما كتب في الموسوعة الميسرة في الأديان و المذاهب المعاصرة و من ثم سأنقل تعريف الدكتور الفاضل.

أما في الموسوعة فهو مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في الميدانين الاقتصادي والسياسي، ففي الميدان السياسي وعلى النطاق الفردي: يؤكد هذا المذهب على القبول بأفكار الغير وأفعاله ولو كانت متعارضة مع المذهب بشرط المعاملة بالمثل. وفي إطارها الفلسفي تعتمد الفلسفة النفعية والعقلانية لتحقيق أهدافها، وعلى النطاق الجماعي: هي النظام السياسي المبني على أساس فصل الدين عن الدولة، وعلى أساس التعددية الأيديولوجية، والتنظيمية الحزبية والنقابية، من خلال النظام البرلماني الديمقراطي بسلطاته الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية للحفاظ عليها، وفي كفل حرية الأفراد بما في ذلك حرية المعتقد، إلا أن الليبراليين في الغالب يتصرفون ضد الحرية لارتباط الليبرالية بالاستعمار، وما يتضمن ذلك من استغلال واستعباد للشعوب المستعمرة.

والليبرالية الاقتصادية: تأخذ منبعها من المدرسة الطبيعية، التي تؤكد على أنه يوجد نظام طبيعي يتحقق بواسطة مبادرات الإنسان الاقتصادي، الذي ينمو بشكل طبيعي نحو تلبية أقصى احتياجاته بأقل ما يمكن من النفقات، على أن تحقيق الحرية الاقتصادية يحقق النظام الطبيعي، وفي ذلك تدعو الليبرالية الاقتصادية إلى عدم تدخل الدولة في النظام الاقتصادي إلى أدنى حد ممكن، ومن أشهر من نادى بالليبرالية آدم سميث ومالتوس وريكاردو وجون ستيورات مل.

أما ما قاله الدكتور: "الليبرالية تعبيرٌ برّاقٌ ومُثير ! كلمةٌ تحمِلُ معاني الحرية والإنطلاق بلا قيود. ولكننا نتحدث عن المذهب السياسي وليس المعنى اللفظي. وبتعريف مدلولها نفهم تطبيقاتها أكثر . وبمعرفة ظروف نشأتها، نستطيع أن نحدد مدى ملائمتها لظروفنا أم لا؟ Liberalism اشتقت من كلمة Liber الليبرالية كلمة لاتينية تعني الحر. وسياسياً تعني تبني وعي اجتماعي سياسي داخل المجتمع، تهدف لتحرير الإنسان كفرد ، وكجماعة من القيود السلطوية الثلاثة (السياسية والاقتصادية والثقافية) وفي جملة واحدة مفيدة، الليبرالية تدور حول "ضمان حرية الفرد"

لا تختلف ظروف نشأة الليبرالية كثيراً عن الظروف التي أنجبت "العلمانية"، فالليبرالية – كمذهب سياسي – نشأت في أوروبا المسيحية رداً على ثلاثية التسلط السياسي (الملك) والإقتصادي (الإقطاع) والثقافي = الديني (الكنيسة)، فقد تحالفت هذه القوى الثلاث، ونهبت خيرات البلاد وضيّقت على العباد. وتسآءل البعض: لماذا نحتاج للسلطة والحاكم؟ لم نجني من وراءهم إلا المشاكل، فبرزت فكرة "مجتمع بلا دولة"! يحيا فيه الناس أحراراً، دون قيود أو وصاية من أحد! ولكن المفكرين والسياسيين إعتبروا وجود كيان حاكم (= الدولة) ضروري، لأن الحرية بلا قيود ستؤدي إلى فوضى، ووجود الدولة ضروري كي تنتظم الأمور. وهذا ما دعا فلاسفة أمثال جون لوك وجان جاك روسو وغيرهم لوضع نظرية "العقد الإجتماعي" وهي ببساطة تفترض وجود "عقد" بين الحاكم و المحكوم، وأن رضا المحكوم (=الشعب) بالحاكم (=السلطة) ومرجعيتها (=القانون) هو أساس هذه العلاقة، وحيث أن "حرية الفرد" هي محور الليبرالية، فقد إقتصر دور الحاكم (=السلطة) على تلبية وضمان وصيانة الحرية الفردية ولكن بما لا يتعارض مع الصالح العام. وهو ما يعرف في الفكر الليبرالي بـ "دولة الحد الأدنى"، الحد الأدنى من التدخل، حيث أن الليبرالية نشات رفضاً لسلطة الدولة.

إذاً، دور الحاكم في الليبرالية هو ضمان حق الفرد في الحرية والإختيار، بما لا يتعارض مع الصالح العام، أو النظام العام (رغم وجود إختلافات طفيفة بين التعبيرين) فأنا كفرد – في الفلسفة الليبرالية – لي مطلق الحرية في إعتناق أي فكر أو ممارسة أي شعائر أو طقوس أو ممارسات من أي نوع، طالما لا أهدد السلم الإجتماعي، فالليبرالية قد تتحرك وفق أخلاق وقيم المجتمع الذي يتبناها و تتكيف حسب ظروفه، مع حفاظها على استقلال الفرد والتزام الحريات الشخصية وحماية الحريات السياسية والمدنية. مثال: هناك مفهوم شائع لدى العامة أن الليبرالية تدعو للشذوذ الجنسي و الإلحاد، وفي الحقيقة أن الليبرالية لا تتخذ أي موقف (مع أو ضد) هذه الأفكار أو الممارسات، فهي وإن كانت لا تعترف بأي سلطة على الفرد، فهي تأخذ موقفاً صارماً إذا تسببت هذه الحرية في الإخلال بالسلام الإجتماعي، فالإلحاد أو الحرية الجنسية لا تؤثر على السلام الإجتماعي في بعض المجتمعات الغربية، وبالتالي لاتوجد مشكلة مع الليبرالية ، بل على العكس تحمي هذه الممارسات.

ولكن في بعض المجتمعات الشرقية، قد تسبب هذه الممارسات تهديداً للسلام الإجتماعي، هنا تتدخل الحكومة الليبرالية لضمان حرية الأفراد، ولكن دون الجهر الفج بهذه الممارسات، ولكنها لا تجرّمها لمجرد تعارضها مع قيم المجتمع! فالليبرالية تعطي الأولوية لـ"الحق الفردي" بصرف النظر عن ما هو "فاضل أو صالح"، أي أنها تسعى إلى توفير حياة "جيدة" للناس و الجماعات حسب تعريفهم هم الفردي لما هو جيد بالنسبة لهم!! هذه نقطة مهمة للغاية."


Thursday, January 26, 2012

هل تفضلين موت زوجك أو يتزوج عليك؟



السلام عليكم و رحمة الله و بركاته...

سألت البارحة سؤالين في الموقع الإجتماعي تويتر و حصلت على بعض الأجوبة, و السؤالين كالتالي: هل تفضلين موت زوجك أو يتزوج عليك؟ اتمنى الاجابة بصدق؟ و السؤال الثاني, هل تفضلون موت أباكم أو أنه يتزوج على أمكم؟ للأسف لم أحفظ ما كتبته بعض أخواتي, و كنت أبحث اليوم عن بعض الأجوبة و لكني فشلت في الحصول عليها, لعل الأخوات حذفن الأجوبة أو لعل هناك عطل في الموقع. المهم أن الأجوبة قليل منها كانت بتفضيل الموت الحمدلله الغالبية من الأخوات أجابوا و قالوا أن يتزوج بالثانية أهون بكثير من أنه يموت. بعض الرجال قد لا يصدق أن زوجته قد تفضل موته على أن يتزوج من ثانية, و أنا منذ سنين عندما قرأت عن هذا الموضوع قلت إنها من النكت المنتشرة و لكن ما إن بحثت في الموضوع وجدت أن عددا ليس بقليل يفضلون موت أزواجهن على أن يتزوجوا عليهن! و ما عليك إلا أن تبحث في محرك البحث Google عن هذا الموضوع لتقرأ أجوبة بعض الأخوات لتصدم بالأجوبة.

هذه رسالة لأخواتي اللاتي فضلن موت أزواجهن, أقول لهن, عليكن مراجعة حبكن لأزواجكن فإنه ليس حبا حقيقيا بل أنانية. نعم أعزائي فإن أجوبتهن تدل على أنانية قاسية! أقول أنانية لأنها لا تحب الزوج حبا حقيقيا لكن حب تملك. حقيقة الحب هو تعلق القلب بالمحبوب فلا يسعى المحب إلا في رضا المحبوب و تجنّب كل ما لا يرضي المحبوب, هذا هو الحب الحقيقي و طبعا أعظمها مرتبة هو حب الله سبحانه و تعالى. قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله يعرّف الحب: "امتزاج الروح بالروح لما بينهما من التناسب والتشاكل (التشابه) فإذا امتزج الماء بالماء امتنع تخليص بعضه من بعضه وقد تبلغ المحبة بينهما حتى يتألم احدهما بتألم الآخر." و هذا كما قال الشاعر:

مرض الحبيب فعدته فمرضت من حذري عليه
واتى الحبيب يعودني فبرئت من نظري إليه


إن المحب إذا أحب حبيبه فإنك تراه يسارع في طاعة أمر المحبوب بل يجد لذة في تنفيذ أوامر محبوبه لا يستطيع أن يصفها, و كما قالوا سابقا: "إن المحب لمن يحب مطيعا". تجده يسارع في سبيل مرضاة محبوبه, فيفرح لفرحه و يحزن لحزنه و يغضب لغضبه و هكذا. للحب علامات كثيرة و لعل من أبرزها أنّ المحب لا يصبر عن محبوبه, بل يتمنى قربه و رؤيته في كل لحظة. و من علامات الحب الصادق الإستمتاع بكلام المحبوب حتى إن كان الحبيب لا يستطيع أن ينظر إلى محبوبه, فقط مجرد سماع أخباره و كلامه كفيلة بأن يطرب قلبه. هل نحب الإستماع إلى القرآن إلا لأننا نحب الله سبحانه و تعالى! فكم الذين يبكون عندما يسمعون كلام الله سبحانه و تعالى؟ هل هذا إلا شوق لرؤيته و استماع كلامه في الجنة أو الخوف من صدوده سبحانه و تعالى. ألم تعلم الزوجة أن الحبيب إن أحب حبيبه فإنه يحب بلدته و بيته و أهله و جيرانه و حتى الجدران التي يعيش بينها, ألم تسمعوا بمجنون ليلى يقبل الجدران لا حبا في الجدران! لكن حب من سكن بين تلك الجدران.

أعزائي الحب الحقيقي هو أن الحبيب يملتئ قلبه بالسعادة والسرور بما يسر المحبوب بل يسعى جاهدا لإسعاد محبوبه حتى لو كان لايرضى الحبيب بذلك أو يشق عليه, و يكره كل سبب يبعده عن محبوبه. فإن أزعجه محبوبه فإنه لا يغضب فيبغضه بل بعضهم قد يتلذذ بهذا الإزعاج. فإن أخطأ المحبوب في أمر ما تجد المحب أول شيء يقوله: "عفوت عنك". و بعضهم أنشد الأشعار في محبوبه بعد أن أساء إليه و قال يكفيني أنك فكّرت في. هناك فرق بين الغيرة و تمني الموت أو الإساءة إلى الزوج بسبب زواجه الجديد. كلنا نعلم عدد زوجات الرسول صلى الله عليه و سلم, و هل تمنّت واحدة منهن أن يموت الرسول صلى الله عليه و سلم أو حتى يصاب بأي مكروه! بل والله تمنى بعضهم أن يموت و لا يصاب رسول الله صلى الله عليه و سلم بشوكة في رجله! نعم يا إخواني و أخواتي, هذا هو الحب الحقيقي.

أما قولي إنها أنانية فلأنها لم تفكر إلا في نفسها, فإنك إن سألت نفس الفتاة و قلت: "هل تتمنين موت أباك إن تزوج على أمك, هل تتمنين موت أخاك إن تزوج على زوجته؟" فبالتأكيد الإجابة ستكون "لا" و الحمدلله بعد أن سألت هذا السؤال لم أجد أحدا يجيب بـ"نعم" فالحمدلله أخواتي لم يهبطن إلى هذه الدرجة من الخسة. تقول إحدى الأخوات الكريمات: " بعد الموت لا فرصة أخرى لإصلاح الأمور, لا تعلم مدى استعدادي للتضحيه بأي شيء في مقابل عودة لحظة واحدة أجلس فيها عند قدمي والدي".  فيا أختي العزيزة, إن كنتي لا ترضين ذلك لأباك أو أخاك, فكيف ترضين لزوجك! ربما يكون الإبن الوحيد لأبوين مسنين, أخ محافظ مدافع عن أخته, صديق حميم لأصدقائه, كيف ترضين بحزن كل هؤلاء فقط لسعادتك؟ و هل هذا إلا دليل على الأنانية و العياذ بالله.  أنا واثق أن كل من تمنّت موت زوجها أو إساءته إن تزوج عليها أنها فعلا إن مات عنها زوجها لحزنت عليه حزنا شديدا إن كانت تملك بعض الحب لزوجها, و أسألوا المطلقات عن حالهن بعد طلاق أزواجهن, عيش كئيب محزن و هم مستمر.

والله أعلم بعض النساء ترضى إحداهن أن تكون الزوجة الرابعة غير مبالية بما سيقال عنها في المجتمع, يهون عليها كل شيء لكن أن تعيش مع حبيبها فتكون قريبة منه. و قد سمعت و قرأت كثيرا عن مثل هذه القصص الرائعة. زوجة تزوج عليها زوجها و عندما يأتي دور الزوجة الثانية, كانت الأولى تطيّب الزوج و تحسّنه و تهذّبه كي يذهب إليها و هو جميل المظهر و عندما سئلت عن فعلها قالت: "أحبه, أتمنى سعادته من كل قلبي, و إن سعادة زوجته الثانية تسعده, فأريد أن يكون محبوبا عند زوجته الثانية و عند الناس أجمع". أعلم إمرأة أخرى تقول: "إن أراد زوجي أن يتزوج أقول له أنا أختار لك الزوجة المناسبة." و عندما سألتها عن قوة قلبها قالت: "أهم شيء زوجي يكون راضي, فهو جنّتي و ناري..."

أسألكم أعزائي, كم من زوجة تنافح عن زوجها و تحفظه بالغيب, و لا تذكره إلا بالخير؟ للأسف كثير من الزوجات اليوم إن اجتمعن في مجلس ما، لا يحفظن أزواجهن, بل تطيل الواحدة منهن لسانها في ذم زوجها. تجد البعض منهن تُعلّم صديقتها الإساءة إلى زوجها و كيفية الرد عليه إن أمرها بأمر و هي تريد عصيانه و هذا والله من علامات الخذلان و اتباع لهوى النفس و الشيطان. كم سمعنا من بعض النساء تقول احداهن: "أن يزني خير لي من أن يتزوج علي!" فأما في أمثال هذه فلا تحاول البحث عن الحب في قلبها فليس عندها شيء! و هل يرضى المحب أن يتعذب محبوبه في النار لمثل هذه الأسباب؟ هل ترضى الأم أن يموت إبنها لضربه لها؟ أقول لمثل هؤلاء، لا تدّعوا الحب! إن ادّعيتم الكراهية ربما صدقتكم, أما إن ادّعيتم الحب فلا سبيل إلى تصديقكم.

أخيرا أقول لكل زوجة تمنّت موت زوجها أو تمنّت أيّة إساءة لزوجها فقط لأنه اربتط بالحلال بامرأة أخرى أن حبك غير صادق بل كاذب قبيح. هل يعقل أن تحب شخصاً تتلذذ بقربه و النظر إليه و سماع صوته و العيش معه أن يموت و يختفي من حياتك فلا تستطيع أن تنظر إليه و لا تسمع صوته و لا تجالسه؟ لا يقول ذلك إلا شخص مصاب في عقله و حسّه و قلبه. إن دلّ ذلك على شيء دلّ على خساسة حب الزوجة و مثل هذه لا يحق لها أن تدّعي المحبة بل إن كان للـ"حب" لسان لصاح و قال: "إني بريء منها" و حق للحب أن يتبرأ من أمثال هذه المرأة المدّعية. الحب الحقيقي يحتوي على أسمى و أروع و أصدق المشاعر و للحب الحقيقي أقوام نفوسهم كريمة, قلوبهم صافية لم تكدر بخبث الطبع و الكذب أما الشهوة و التملك و الأنانية فليس فيها شيء من هذه المعاني...