Monday, June 14, 2021

بين الإلهام و الوسواس

 يسعدني الإعلان عن كتابي الجديد (بين الإلهام و الوسواس) و هو كتاب جمعت فيه شيئا من أفكاري و آرائي حول مسائل دقيقة اختلف عليها الناس قديما وحديثا في التفسير بحكم اهتمامي بالدراسات القرآنية.


هذا الكتاب وإن كان للمتخصصين في التفسير بشكل خاص، إلا أني كتبته بأسلوب يسهل على غير المتخصص قراءته واستيعاب مراميه.


من مسائل و مواضيع هذا الكتاب:


-مسألة تحريف التوراة

-الذبيح بين إسماعيل و إسحاق

-تحديد هوية إسرائيل

-تحديد أصحاب الفيل

-علاقة إسرائيل بعِمران

-علاقة الإسراء بسورة الإسراء وبني إسرائيل

-فصول تتعلّق بذي القرنين المذكور في سورة الكهف


الكتاب مكوّن من ٤٦١ صفحة و أكثر من ١٠٠ ألف كلمة. و يحتوي على أفكار غير مسبوقة إلا أنّها أقرب إلى الحقيقة و روح القرآن. و حرصت أن يكون في كل فصل من فصول الكتاب فائدة غير موجودة في كتاب آخر من باب إضافة قيمة حقيقية للمكتبة الإماراتية بشكل خاص و المكتبة العربية بشكل عام


الكتاب متوفر عند كتّاب للنشر و التوزيع في آب تاون مردف في دبي


للطلب الكترونيا:

https://jamalon.com/en/catalog/product/view/id/38388693


تنويه: هذا الكتاب ليس للكسول ولا للذين عندهم فرط حساسية و لا لغير المهتمين بالدراسات القرآنية.




عبدالعزيز النظري

تويتر

انستغرام


السماء بناء

 (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) {البقرة ٢٢} بعد الأرض الفراش نجد (السماء البناء). وأصل البناء كما هو معروف وضع لبنة على أخرى. إذن السماء في القرآن ليست فضاء كما تقرّره الدوريّات العلميّة إنما بناء. 


سأستعرض لك بعض ما قاله المفسرون-رحمهم الله- في كون السماء بناء كالقبّة، وأوّلهم ابن عباس الملقّب بترجمان القرآن، قال: "كلّ سماء مطبقة على الأخرى مثل القبة وسماء الدنيا ملتزقة على الأرض أطرافها" ويُنسب لغيره من الصحابة: بناها على الأرض كالقبة


 وعن وهب بن منبه قال: "شيء من أطراف السماء محدق بالأرضين، والبحار كأطراف الفسطاط. وعن أياس بن معاوية: السماء مقببة على الأرض مثل القبة. وفي تفسير أبي الليث -رحمه الله- في كون السماء بناء: "قبة مضروبة عليكم، وكلّ سماء مطبقة على الأخرى مثل القبّة، والسماء الدنيا ملتزقة أطرافها على الأرض". أخرج ابن أبي الحاتم عن القاسم عن أبي بردة قال: "ليست السماء مربعة، لكنها مقبوة يراها الناس خضراء".


و قد روى الطبريّ في تفسيره روايات في هذا الباب، أختار منها ما يناسب ما نحن فيه، قال رحمه الله: "حدثنـي موسى بن هارون، قال حدّثنا عمرو بن حماد، قال حدّثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره، عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـيّ صلّى الله عليه وسلّم (وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً)، فبناء السماء علـى الأرض كهيئة القبة، وهي سقـف علـى الأرض. وحدثنا بشر بن معاذ، قال حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة فـي قول الله: (وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً) قال جعل السماء سقـفـاً لك. أما القرطبيّ رحمه الله، المفسّر المعروف فقال: "السماء للأرض كالسقف للبيت". 


قال الزمخشريّ المعتزليّ -رحمه الله- في تفسيره "الكشاف": "خلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرهم الذي لا بدّ لهم منه، وهي بمنزلة عرصة المسكن ومتقلبه ومفترشه، ثمّ خلق السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المطنبة على هذا القرار"  ونفس النتيجة عند ابن كثير المفسّر المعروف رحمه الله: "و السماء بناء وهو السقف" وقال البيضاويّ في تفسيره: "و السماء بناء - قبة مضروبة عليكم". وقال الشوكاني أحد المفسرين المتأخّرين: "جعل السماء كالقبة المضروبة عليهم والسقف للبيت الذي يسكنونه" وقال السيوطي الموسوعي صاحب تفسير الدر المنثور: "بنى السماء على الأرض كهيئة القبة، وهي سقف على الأرض". وفي تفسير البقاعي المعروف باسم نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: "والسماء بناء خيمة تحيط بصلاح موضع السكن" وأخيرًا حول هذه الآية هناك موعظة و كلام جميل وهو في تفسير الخازن المسمى لباب التأويل في معاني التنزيل: "قيل: إذا تأمل الإنسان المتفكر في العالم وجده كالبيت المعمور فيه كلّ ما يحتاج إليه، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض مفروشة كالبساط، والنجوم كالمصابيح، والإنسان كمالك البيت. و قال مثله من المتأخرين محمد صديق خان في تفسيره فتح البيان في مقاصد القرآن في تفسيره لهذه الآية: واستدل به (يعني الآية) أكثر المفسرين على أن شكل الأرض بسيط ليس بكروي ثم سرد الموعظة التي نقلتها.


و في الآية هناك ملحظ لطيف، بما أنّ الله سبحانه تعالى قال جعل الأرض فراشا والسماء بناء، ففيه إشارة أنّ الأرض كانت مخلوقة من قبل، كذلك السماوات، لكنها لم تكن فراشا والسماء بناء، وهذا يؤيّد آيات أخرى مذكورة في الكتاب العزيز مثل: (إلى السماء وهي دخان) و(الأرض بعد ذلك دحاها) ولاحظ الطبراني في تفسير الكبير كما لاحظ غيره: "إنما أطلق البناء على السماء دون الأرض لأنّ خلقها بعد خلق الأرض". 


على كلٍ، مسألة من خُلقت قبل من، السماوات أم الأرض، سأتعرّض لها في موضع آخر.


تأمّل هذه الآيات لتدرك أنّ السماء بناء حقيقيّ، وليس الكلام فيه مجاز، قال الله الذي خلقها و أعلم بها و بما فيها عنها: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) {البقرة  ٢٢} وقال: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ) (الأنبياء ٣٢} وقال: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ) {ق ٦} وقوله: (فَإِذَا انشَقَّتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) {الرحمن ٣٧} وقال: (وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ) ){الحاقة ١٦} (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا) {الفرقان ٢٥} وقوله: (وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ) {المرسلات ٩} وقال: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا) {النازعات ٢٧} وقوله: (إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ) {الانفطار ١} وقال: (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ) {الانشقاق ١}


كلّ هذه الكلمات: (بناء) و(سقفا محفوظا) و(بنيناها) و(زيناها) و(فروج) و(انشقت السماء) و(تشقق السماء) و(فرجت) و(انفطرت) كلّ هذه الكلمات تدلّ على جسم ماديّ مبنيّ، ولا تدل على الفراغ. 


أيضًا هذه السماء بناء فيه أبواب، تأمّل قول الله عز و جل في سورة الحجر، إذ قال سبحانه وتعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ) وفي سورة النبأ: (وَ فُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا). وقال في سورة القمر: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ) وقال في سورة الأعراف: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) أما ذكر أبواب السماء في الأحاديث النبوية فكثير يعرفه من اطلّع على الأحاديث النبوية. 


أبواب السماء ليست معروفة فقط عند المؤمنين بل هي معروفة كذلك عند اليهود والنصارى، بل إنك إذا زرت بعض المتاحف النصرانية وجدت عددًا من اللوحات الفنيّة التي يصورون فيها رغبة الناس في دخول أبواب السماء وحرس من الملائكة وقوف. وحقيقة كون السماء بناء جلي أيضًا في كتب اليهود و النصارى، وسأتطرّق لأدلة ذلك في الفصل المخصّص لذلك إن شاء الله.


المقصد من الاستشهاد بأبواب السماء للدلالة على أنّ السماء بناء، وليست فضاء، و لا يخفى علينا أن كلّ بناء له باب، و لهذا فإنه مفهوم ومنطقيّ أن للسماء أبوابا. كما أنّ معظم الكلمات التي جاءت في القرآن في وصف شكل الأرض تدلّ أنّها مسطّحة، كذلك الكلمات التي جاءت في وصف السماء تدلّ أنها مبنيّة و الحمدلله رب العالمين.



عبدالعزيز النظري

تويتر

انستغرام


الأرض فراش

 قال الله سبحانه وتعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) {البقرة ٢٢}


هذه أول آية ذُكرت فيها الأرض في القرآن الكريم، والخطاب مُوجه للناس، وبيّن الله سبحانه وتعالى أن الأرض فراش. ومعنى الفراش معروف للجميع وليس في أي من معاني الكلمة في اللسان العربي أنها تعني الكرة أو حتى معنى شاذ تُشير إلى الكروية، بخلاف كونها مُسطحة. و ذلك لأن الفراش عادة يكون مسطحا للاستقرار عليه والنوم والاستلقاء وما إلى ذلك. 


استدل بعض المفسرون بهذه الآية على أن الأرض ساكنة لا تتحرك لكونها فراشا وهذا واضح و استدلالهم في محله. إلا أن يأتي شخص ويقول أن الكرة لو عظمت حجمها فيمكن أن تكون فراشا كما أن الجبل العظيم يمكن أن يفترش عليه الإنسان وينام، وهذا أيضا صحيح، فإن الشيء الكبير الحجم كالجبل يمكن أن أن يكون للإنسان فراشا، ولكن سؤالي هل يصح أن يُقال عن الجبل أو الكرة فراش؟ بل هل قرأت أو سمعت أحدا من العرب يُحسن اللسان العربي قديما و حديثا قال ذلك؟ لا أظن ذلك!


بالنسبة لي شخصيا، لم أجد في الآية أية دلالة على أن الأرض كروية، بل هي أقرب دلالة على أنها مسطحة. إن القارئ القارئ الغير مشحون بأفكار مُسبقة سيتبادر إلى ذهنه أن الأرض مسطحة، ولهذا بعض من تأثر بأقوال الفلاسفة تجده يحاول أن يُوّفق بين هذه الآية و النظريات العلمية الحديثة لكي لا يكون هناك تعارض مع نظرية الأرض كروية. الذي أريد أن أقوله، أن الاعتذار ومحاولة التوفيق جاء من قِبَل الكُروي المؤمن بنظرية كروية الأرض، لا الطرف الآخر وإلا فالظاهر و المتبادر إلى الذهن والذي يُوافق الحس هو الشكل المسطح.


في تفسير الآية عند الفخر الرازي رحمه الله صاحب التفسير الكبير مفاتيح الغيب بعض الكلام الجميل الذي قلدّه كثيرون من بعده أنقلها لك، قال الرازي: واعلم أن كون الأرض فراشاً مشروط بأمور: الشرط الأول: كونها ساكنة، وذلك لأنها لو كانت متحركة لكانت حركتها إما بالإستقامة أو بالاستدارة، فإن كانت بالاستقامة لما كانت فراشاً لنا على الإطلاق لأن من طفر من موضع عال كان يجب أن لا يصل إلى الأرض لأن الأرض هاوية، وذلك الإنسان هاوٍ، والأرض أثقل من الإنسان، والثقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما والأَبطأ لا يلحق الأسرع فكان يجب أن لا يصل الإنسان إلى الأرض فثبت أنها لو كانت هاوية لما كانت فراشاً، أما لو كانت حركتها بالاستدارة لم يكمل انتفاعنا بها لأن حركة الأرض مثلاً إذا كانت إلى المشرق والإنسان يريد أن يتحرك إلى جانب المغرب ولا شك أن حركة الأرض أسرع فكان يجب أن يبقى الإنسان على مكانه وأنه لا يمكنه الوصول إلى حيث يريد، فلما أمكنه ذلك علمنا أن الأرض غير متحركة لا بالاستدارة ولا بالاستقامة فهي ساكنة، ثم اختلفوا في سبب ذلك السكون على وجوه: أحدها: أن الأرض لا نهاية لها من جانب السفل، وإذا كان كذلك لم يكن لها مهبط فلا تنزل وهذا فاسد لما ثبت بالدليل تناهي الأجسام.


وثانيها: الذين سلموا تناهي الأجسام قالوا الأرض ليست بكرة بل هي كنصف كرة وحدبتها فوق وسطحها أسفل وذلك السطح موضوع على الماء والهواء، ومن شأن الثقيل إذا انبسط أن يندغم على الماء والهواء مثل الرصاصة فإنها إذا انبسطت طفت على الماء، وإن جمعت رسبت وهذا باطل الوجهين: الأول: أن البحث عن سبب وقوف الماء والهواء كالبحث عن سبب وقوف الأرض. والثاني: لم صار ذلك الجانب من الأرض منبسطاً حتى وقف على الماء وصار هذا الجانب متحدباً؟. 


وثالثها: الذين قالوا سبب سكون الأرض جذب الفلك لها من كل الجوانب فلم يكن انجذابها إلى بعض الجوانب أولى من بعض فبقيت في الوسط وهذا باطل لوجهين: الأول: أن الأصغر أسرع انجذاباً من الأكبر، فما بال الذرة لا تنجذب إلى الفلك. الثاني: الأقرب أولى بالانجذاب فالذرة المقذوفة إلى فوق أولى بالانجذاب وكان يجب أن لا تعود. 


ورابعها: قول من جعل سبب سكونها دفع الفلك لها من كل الجوانب، كما إذا جعل شيء من التراب في قنينة ثم أديرت القنينة على قطبها إدارة سريعة، فإنه يقف التراب في وسط القنينة لتساوي الدفع من كل الجوانب. وهذا أيضاً باطل من وجوه خمسة. الأول: الدفع إذا بلغ في القوة إلى هذا الحد فلم لا يحس به الواحد منا؟ الثاني: ما بال هذا الدفع لا يجعل حركة السحب والرياح إلى جهة بعينها. الثالث: ما باله لم يجعل انتقالها إلى المغرب أسهل من انتقالها إلى المشرق. الرابع: يجب أن يكون الثقيل كلما كان أعظم أن تكون حركته أبطأ، لأن اندفاع الأعظم من الدافع القاصر، أبطأ من اندفاع الأصغر. الخامس: يجب أن تكون حركة الثقيل النازل من الابتداء أسرع من حركته عند الانتهاء، لأنه عند الابتداء، أبعد من الفلك. 


وخامسها: أن الأرض بالطبع تطلب وسط الفلك، وهو قول أرسطاطاليس وجمهور أتباعه، وهذا أيضاً ضعيف لأن الأجسام متساوية في الجسمية، فاختصاص البعض بالصفة التي لأجلها تطلب تلك الحالة لا بدّ وأن يكون جائزاً، فيفتقر فيه إلى الفاعل المختار. 


وسادسها: قال أبو هاشم: النصف الأسفل من الأرض فيه اعتمادات صاعدة، والنصف الأعلى فيه اعتمادات هابطة فتدافع الاعتمادان فلزم الوقوف. والسؤال عليه: أن اختصاص كل واحد من النصفين بصفة مخصوصة لا يمكن إلا بالفاعل المختار. فثبت بما ذكرنا أن سكون الأرض ليس إلا من الله تعالى. وعند هذا نقول: انظر إلى الأرض لتعرف أنها مستقرة بلا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها أما أنها لا علاقة فوقها فمشاهد، على أنها لو كانت معلقة بعلاقة لاحتاجت العلاقة إلى علاقة أخرى لا إلى نهاية، وبهذا الوجه ثبت أنه لا دعامة تحتها فعلمنا أنه لا بدّ من ممسك يمسكها بقدرته واختياره ولهذا قال الله تعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـاواتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ) {فاطر ٤١}. الشرط الثاني: في كون الأرض فراشاً لنا أن لا تكون في غاية الصلابة كالحجر، فإن النوم والمشي عليه مما يؤلم البدن، وأيضاً فلو كانت الأرض من الذهب مثلاً لتعذرت الزراعة عليها، ولا يمكن اتخاذ الأبنية منه لتعذر حفرها وتركيبها كما يراد وأن لا تكون في غاية اللين، كالماء الذي تغوص فيه الرجل. الشرط الثالث: أن لا تكون في غاية اللطافة والشفافية فإن الشفاف لا يستقر النور عليه، وما كان كذلك فإنه لا يتسخن من الكواكب والشمس، فكان يبرد جداً فجعل الله كونه أغبر، ليستقر النور عليه فيتسخن فيصلح أن يكون فراشاً للحيوانات. الشرط الرابع: أن تكون بارزة من الماء، لأن طبع الأرض أن يكون غائصاً في الماء فكان يجب أن تكون البحار محيطة بالأرض، ولو كانت كذلك لما كانت فراشاً لنا، فقلب الله طبيعة الأرض وأخرج بعض جوانبها من الماء كالجزيرة البارزة حتى صلحت لأن تكون فراشاً لنا، ومن الناس من زعم أن الشرط في كون الأرض فراشاً أن لا تكون كرة، واستدل بهذه الآية على أن الأرض ليست كرة، وهذا بعيد جداً، لأن الكرة إذا عظمت جداً كانت القطعة منها كالسطح في إمكان الاستقرار عليه، والذي يزيده تقريراً أن الجبال أوتاد الأرض ثم يمكن الاستقرار عليها، فهذا أولى والله أعلم.


في كلام الرازي الكلام الكثير الذي لا يتوافق مع النظريات العلمية الحديثة بخصوص الأرض، بل إن كلامه وردوده في أول كلامه فيه دعم للأرض المسطحة أكثر من الأرض الكروية. المقصد من هذا النقل الطويل أن الفخر الرازي في كلامه الكثير مما يتعارض مع النظريات الحديثة وهذا أبين من أن يتم الإشارة إليه خاصة كون الأرض لا تتحرك أو تدور حول نفسها. 


و لأبيّن لك آفة التقليد عند بعض المفسرين نجد البيضاوي رحمه الله في مواضع كثيرة من تفسيره يُقلد الفخر الرازي وكأنه يقوم بعملية النسخ و اللصق، و للأسف من دون الإشارة إلى المصدر. قال البيضاوي رحمه الله ردا على من استدل بالآية على أنها مسطحة: و ذلك لا يستدعي كونها مسطحة، لأن كروية شكلها مع عظم حجمها واتساع جرمها لا تأبى الإفتراش عليها وكذلك بعض من جاء بعد الفخر الرازي راح ينقل كلامه نقلا دون الإشارة إليه أو من دون تحقيق و لا حول و لا قوة إلا بالله. 


كان ينبغي على المعاصرين اليوم أن يدركوا الفترة الزمنية التي كان يعيش فيها الفخر الرازي، و على الباحث الحصيف أن يعرف ما واكب عصر الرازي من مناظرات كلامية فلسفية دينية، وعليه أن يعرف خلفية الرازي العلمية وما إلى ذلك ليعرف السبب الذي من أجله عزف الفخر الرازي عن أخذ ظاهر بعض آيات القرآن في هذا الباب. 


اليوم نجد أناسا يربطون الإسلام بالإرهاب، فيضطر بعض المحسوبين على العلماء عندما يقف عند آيات من مثل: (وقاتلوهم كافة كما يقاتلونكم كافة) يرتبك و يحاول جاهدا نفي أن تكون الآية فيها تشجيع على العنف والإرهاب كما يزعم بعض الكفرة و أصلا في الآية ليس فيها أي دعوة إلى العنف و الإرهاب لكن بسبب التهم التي ألصقها الكفرة بالإسلام. وكذلك إن قام غير مسلم بعمل ارهابي قالوا: الإرهاب لا دين له إذ التصقت تهمة الإرهاب عند كثير من الناس اليوم بالإسلام بسبب الضغط الإعلامي والله المستعان، والرازي كغيره من العلماء لم يَسلم من شتى أنواع الضغوطات التي يتعرض لها الإنسان ولا حول ولا قوة إلا بالله.


 وبرأيي، أحسن من قلّد الفخر الرازي هو أبو حيان الأندلسي صاحب تفسير البحر المحيط إذ قال: وقد استدل بعض المنجمين بقوله: (جعل لكم الأرض فراشاً) على أن الأرض مبسوطة لا كرية، وبأنها لو كانت كرية ما استقر ماء البحار فيها. أما استدلاله بالآية فلا حجة له في ذلك، لأن الآية لا تدل على أن الأرض مسطحة ولا كرية، إنما دلت على أن الناس يفترشونها كما يتقلبون بالمفارش، سواء كانت على شكل السطح أو على شكل الكرة، وأمكن الافتراش فيها لتباعد أقطارها واتساع جرمها. وقال بعدها بقليل: ويجوز أن يكون بعض الشكل الكري مقراً للماء إذا كان الشكل ثابتاً غير دائر، أما إذا كان دائراً فيستحيل عادة قراره في مكان واحد من ذلك الشكل الكريّ. ما يهمني في كلام أبو حيان هو أنه أثبت أن بعض المنجمين استدل بالآية على أن الأرض مبسوطة، تأمل قال (المنجمين) وهذا يعني أنه ليس فقط المُفسّرين هم من قالوا ذلك. والأمر الثاني الذي تنبّهت له من كلامه هو أنه يرى أن الآية لا تصح للاستدلال على كونها مسطحة أو مكوّرة. والأمر الثالث أنه يرى ثبات الأرض و هذا حق. و ليس هذا فحسب بل إنه في تفسيره لآية سورة نوح: (والله جعل لكم الأرض بساطا) قال: تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه. وظاهره أن الأرض ليست كروية بل هي مبسوطة إذن حتى أبو حيان وجد في ظاهر هذه الآية أن الأرض مبسوطة و ليست كروية و أبو حيان من هو في استعمالات الكلمة و فقه اللغة بشكل عام.


و أحسب أن بعض المفسرين لم ينكروا فكرة الأرض الكروية بالرغم من أن ظاهر الآية توحي أنها مسطحة بسبب مسألة كَوْن العرش محيط بالعالم، فإن العلماء اختلفوا في ذلك، وتترتب عليها (أعني المسألة) عدة مسائل كلامية أو لاهوتية. فأن يكون العرش محيطا بالعالم وفي نفس الوقت سقف المخلوقات لم يجد بعضهم مخرجا من هذه المُعضلة إلا أن فسّر أن الأرض كروية وفي مركز الدائرة الذي يحيط بها العرش مُتبنيا بتفسيره نموذج مركزية الأرض المعروف بالنظام البطلمي.


على كل، كما قلت سابقا استدل العلماء بالآية على أنها مسطحة ولكن بعد أن جاء الفخر الرازي بدء الخلاف يظهر و يقوى. في الحقيقة، لا أظن أني سأكون مُبالغا إن قلت أن الفخر الرازي هو من فتح باب الاحتمال العريض لمناقشة مسألة شكل الأرض عند الوقوف عند هذه الآية، وأما قبله من المفسرين فالغالبية منهم كانوا يرون أنها مسطحة أو أنّهم لا يُناقشونها، وسبب فتح الفخر الرازي لهذا الاحتمال ما ذكرته في الأسطر السابقة في هذا الفصل. ولذلك من جاء بعد الفخر الرازي مثل النسفي قال في تفسيره المسمى مدارك التنزيل وحقائق التأويل: ليس فيه دليل على أن الأرض مسطحة أو كرية إذ الإفتراش ممكن على التقديرين وله رأي مثل صاحب تفسير البحر المحيط المذكور سابقا.


قال السمرقندي في تفسيره المسمى بحر العلوم عند توقفه عند هذه الآية: قال أهل اللغة: الأرض بساط العالم. عزيزي القارئ، هل سمعت يوما عن بساط مُكوّر؟ عن نفسي لم أسمع في حياتي يوما عن بساط مُكوّر ولا حتى في مغامرات سندباد وعلاء الدين حكايات ألف ليلة وليلة. 


و شبيه بقول السمرقندي كذلك موجود عند بعض أهل التفسير من الصوفية و الشيعة و المعتزلة، فمثلا ستجد في روح البيان في تفسير القرآن للمفسر الصوفي إسماعيل حقي مثل هذا الكلام: الأرض بساط العالم وبسيطها من حيث يحيط بها البحر الذي هو البحر المحيط ولكن بسبب آفة التقليد تجد مثلا المفسّر نفسه في موضع آخر يأتي بكلام فيه رد ضد القائلين بكروية الأرض وفي موضع آخر تجده ينقل ردا على من يزعم أن الأرض مسطحة وكان الله في عون المحققين في كتب من سبقوا. 


و نجد المفسّر الشيعي الطبرسي في تفسيره المعروف مجمع البيان يقول: أي بساطا يمكنكم أن تستقروا عليها وتفترشوها وتتصرفوا فيها وذلك لا يمكن إلا بأن تكون مبسوطة ساكنة دائمة السكون.


و كذلك المفسّر المعتزلي أبو علي الجبائي مؤسس الفرقة الجبائية نجده يرد على فكرة الأرض الكروية مستدلا بالآية. ففي موسوعة تفاسير المعتزلة نجد التالي: و استدل أبو علي الجبائي بهذه الآية على أن الأرض بسيطة ليست كرة كما يقول المنجمون و البلخي بأن قال: جعلها فراشا و الفراش البساط بسط الله تعالى أباها و الكرة لا تكون مبسوطة. قال: و العقل يدل أيضا على بطلان قولهم لأن الأرض لا يجوز أن تكون كروية مع كون البحار فيها لأن الماء لا يستقر إلا فيما له جنبان يتساويان لأن الماء لا يستقر فيه كاستقراره في الأواني.


باختصار من استدل بالآية على أنها مسطحة كُثر لهم وزنهم و مكانتهم العلمية معروفة، وكذلك من لم ينكر احتمال كون الأرض كروية أناس لهم وزنهم و مكانتهم في العلم، ولكن ليس فيهم واحد ذهب إلى أنها كروية متحرّكة فإن أكثرهم من قال بكرويتها إنما قلدوا المنظور الفلسفي القديم، أعني مركزية الأرض و النظام البطلمي. وعلى كل حال، منظور الفخر الرازي وغيره ينسف النظريات العلمية الحديثة فلا أدري لِمَ يستدل بعض المعاصرين بأقوال المفسرين على أنهم سبقوا المجتمع العلمي في نتائج ومقررات ولوازم العلوم الحديثة اليوم؟ أهو الكسل في البحث والتحقيق؟ أم أنه سوء الفهم وضيق الأفق؟ للأسف، أحلاهما مر.



عبدالعزيز النظري

تويتر

انستغرام



السماوات و الأرض

 


ما هي أسباب إكثار الله من ذكر السماوات والأرض؟ لماذا؟ إن أردت أن تعرف رأيي فإني أرى أنّ السماوات والأرض هي ما نسميه اليوم الكون، أو حيث الدراما الإنسانية الدنيا فيها. و إني أجد هناك فرقا بين: "السماوات والأرض" و" السماوات السبع" و"السماء" و "جو السماء" و"الأرض" وسآتي في هذه المدونة على تفصيل بعض ما ذكرت، لكن من دون الإطالة، فإنّ الموضوع عميق وبحاجة إلى فهم دقيق. قد تتساءل: ما مستند قولي إنّ السماوات والأرض يعني الكون أو الذي فيه كلّ شيء، وليس بالضرورة يشمل جميع الموجودات؟ للإجابة على السؤال عليك متابعة القراءة. 


عندما تجد (السماوات والأرض) مجتمعة في القرآن فإن المقصود فيما يتبادر إلى ذهني هو الكون على حسب مصطلحنا اليوم مع تحفظي على هذا المصطلح. وإن وجدت (السماوات السبع) من دون الأرض فالمقصود به ما يعلو الأرض من الطبقات السماوية أو الطرائق أو الكواكب التي في طرائقها و سآتي على تفصيل السماوات السبع في فصل خاص لها. و عندما تقرأ (السماء)، فقد يكون المعنى مطلق العلو، وقد يكون المعنى السماء الأولى أو الدنيا أو السماء الفاصلة أو السقف الذي يحمل فوقه ما يحمل من المخلوقات، أو التي فيها بعض الأوامر الإلهية مثل المطر والعذاب والوحي وما إلى ذلك. و عندما تجد (جو السماء) في القرآن فهو ما بين السماء الأولى أو الدنيا والأرض، أو الفاصلة بين السماء السقف والأرض حيث تطير الطيور، وتُحلّق الطائرات وفيها السحاب، وما إلى ذلك. أما (الأرض) فإما المعنى يكون جزءًا من الأرض أو قطعة أو بمعنى الجانب السفلي من الوجود الكوني.


دعني أستعرض على وجه السرعة بعض الآيات، لأوضّح لك الفرق، فإن القرآن هو الكتاب المبين، وهو المنير الذي نستنير به ما انغلق علينا فهمه، والقرآن كما قيل يُفسّر بعضه بعضا.


السماوات و الأرض

عندما تجد آيات يتكلم فيها ربّ العزة عن الوجود أو (الكون) فدائما يقرن السماوات والأرض، لا يذكرها منفصلة لتدلّ القارئ على أنّ الاسم الصحيح للكون هو السماوات والأرض، وليس (الكون) كما تعارفنا عليه اليوم. وهذا الذي نحن نسميه الكون فيه جزءان، الجزء أو الحد العلوي والجزء و الحد السفلي. هذه الآية من سورة الحديد: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) {الحديد ٤} و التي تشبهها المقصود بالسماوات و الأرض ما ذكرته. و إليك المزيد من الآيات التي تشير صراحة إلى أن الوجود بمعنى (الكون) المتعارف عليه اليوم يُطلق عليه في القرآن (السماوات والأرض)، اقرأ:


(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) {هود ١٢٣} 


(قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) {الرعد ١٦}


(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) {إبراهيم ٣٢}


(قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) {الإسراء ١٠٢}


(خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) {العنكبوت ٤٤}


(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) {الزمر ٣٨}


(إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) {الحجرات ٤٩}


(وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) {الكهف ١٤}

(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) {البروج ٩}


(وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) {الروم ٢٦}


(وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) {الفتح ٧}


هناك آية عظيمة جدًّا في سورة البقرة، تبين لنا الفرق بين (السماوات و الأرض) و بين (السماء) و بين (الأرض) بجلاء وهي: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ))


إن تأملت -عزيزي القارئ- في الآية ستجد في بدايتها ذِكر خلق (السماوات والأرض) والمقصود بها الوجود الذي سميته سابقا (الكون) بشقيه العلوي والسفلي، السماوات والأرض، أو بمعنى آخر قد يسهل عليك تخيّله أو فهمه الفقاعة الكونية أو البيضة الكونية. ثمّ ذكر سبحانه و تعالى بعدها (و ما أنزل الله من السماء من ماء) فهنا المقصود بالسماء، السماء التي تعلونا، الجانب العلوي من الوجود ثم ذكر الأرض (فأحيا به الأرض) الجانب السفلي. ثمّ ذكر أخيرا (و السحاب المسخر بين السماء والأرض) بمعنى جو السماء، أو الذي بين السماء الدنيا والأرض. راجع وتأمل في الآية ستجد إن شاء الله أنّ هذا الفهم هو فهم دقيق وعزيز وأقرب أن يكون هو الصواب. 


كذلك في سورة إبراهيم، نجد ذِكر خلق السماوات و الأرض (الوجود بمجموعه) ثم ذِكر السماء الدنيا (الحد العلوي)، أرجو أن تقرأ الآية بتأنٍ: ((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْأَنهَارَ)) {إبراهيم ٣٢} و كذلك في سورة النمل على نفس النمط: ((أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ)) {النمل ٦٠}


إذن تحصّل لدينا مما سبق أن (السماوات و الأرض) عندما تقرن بفاصل تعني شيئا و عندما تجد السماء وحدها المعنى يختلف فما معنى السماء؟


السماء

كما ذكرت، المقصود بها السماء (البناء) أو (السقف) الذي فوقنا والذي تحت السماوات العلى. قال الله عز و جل عنها: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) {البقرة  ٢٢} وقال تبارك اسم ربنا ذي الجلال و الإكرام: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ) (الأنبياء ٣٢} وقال و قوله الحق: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ) {ق ٦} وقال: (فَإِذَا انشَقَّتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) {الرحمن ٣٧} وقال: (وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ) ){الحاقة ١٦} و قال (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا) {الفرقان ٢٥} وقال: (وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ) {المرسلات ٩} وقال: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا) {النازعات ٢٧} وقال: (إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ) {الانفطار ١} وقال: (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ) {الانشقاق ١} هذه الآيات المذكورة لا تتكلم عن السماوات العلى بل السماء البناء الذي كالسقف فوقنا. 


قال الله الرؤوف الرحيم: (أَلَمْ تَر أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) {الحج ٦٥} المقصود بالسماء هنا (السقف) الذي فوقنا و فوق (جو السماء) وهو (السماء البناء) و أما الأرض المقصودة بها في الآية ليس جميع الأرض ولكن الأرض (اليابسة) وليس المقصود بالأرض كل ما في الجانب السفلي من الكون بقرينة ذكره البحر.


و هذا السماء البناء كالسقف له أبواب، اقرأ قول الله سبحانه وتعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنْ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ) وقال عز وجل: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ) وقال سبحانه: (وَفُتِحَتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا) وشيء منطقي  أن يكون للبناء أبواب بعكس الفضاء إذ لا يُتخيّل الأبواب في الفضاء. انتبه، هذه الأبواب لا يمنع أن تكون كذلك في السماوات العلى فلا تفهم من كلامي أن الأبواب فقط في السماء الدنيا أو السقف. وفي الحديث النبوي هناك الكثير من الأحاديث التي تثبت وجود أبواب السماء ولكن الأبواب دائما عندما تُذكر في القرآن يكون لها علاقة بالسماء السقف التي تعلونا.


و أما السماء بمعنى أنها مصدر الأوامر الإلهية والأفعال الربانية من الإنعام والعذاب والوحي وما إلى ذلك فاقرأ إن شئت  هذه الآيات: في سورة البقرة نجد: ((فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) {البقرة ٥٩} وفي سورة النساء نجد: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا) {النساء ١٥٣} وفي سورة الأنفال: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) {الأنفال ٣٢} وفي سورة هود: ( (وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) {هود ٥٢} وفي سورة غافر: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) {غافر ١٣} وفي سورة الشعراء: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) {الشعراء ٤}  وفي سورة نوح: (يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) {نوح ١١}


جو السماء

هو الفاصل بين السماء السقف وبين الأرض، اقرأ قول الله عز وجل في سورة النحل: (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) وقال الله المَلِك الحق في سورة الملْك: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَن ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ). هذا الجو هو المكان الذي بإمكان الإنسان التحليق فيه والوصول إليه وفعل ما يشاء فيه وليس هو السماء (السقف) المحفوظ وليس ما فوق السقف من السماوات العلى. 


الطائرات والصواريخ والأقمار الصناعية إن سلّمنا بوجودها فإنها هنا في هذا الجو المُسمى بجو السماء. وكذلك السحب هي مُسخّرة في هذا الجو، تأمل قول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) قال بين السماء والأرض، هذا البين هو الجو أو (جو السماء) أو المجال الذي يمكن للبشرية أن يتدخل فيه ويُحلّق فيه وما إلى ذلك. ولهذا لن تجد الطير يُحلق في السماوات السبعة، ومن أجل هذا لم يقل السحاب المسخر بين السماوات والأرض إنما قال بين السماء والأرض ليعرف الإنسان المُتدبّر كتابه الفرق.


أما العلو بشكل عام فقال الله عز وجل في سورة إبراهيم: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) وكذلك في سورة الحج: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ) وكذلك مطلق العلو في سورة الملك نجد قوله سبحانه وتعالى: (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) )


السماوات السبع

السماوات السبع قد يكون لها عدة معانى بمعنى الطرائق أو السماوات العلى أو الكواكب وما إلى ذلك، اقرأ قول الله عز وجل في سورة البقرة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وقال في سورة لقمان: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) فهنا السماوات لا تعني الكون كله بقرينة فصلها عن الأرض، وليست هي السماء الدنيا فقط بدليل ذكره سبحانه و تعالى السماوات. السماوات المذكورة في هذه الآية المقصود بها الطبقات العليا أو السماوات العلى أو الطرائق العليا وسأعطيك تفصيلا أكثر عن السماوات السبعة في فصل خاص لها إن شاء الله، المقصد هنا ذكر بعض الآيات على عجل لتنبيهك أن هناك فرقا. 


أريدك أن تقرأ هذه الآيات بتمعّن: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) {الزمر ٦٧} الأرض هي الجانب السفلي والسماوات الجانب العلوي. وكذلك في سورة الحج: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) {الحج ١٨}.


فإن قلت إن كان كلامك صحيحا وأن المقصود بالسماوات والأرض (الكون) كما اصطلحنا على تسميته في لغتنا الحديثة، فلماذا نجد في كثير من الآيات السماوات و الأرض (وما بينهما) وما الفرق أو ما المقصود (وما بينهما)؟ 


في كثير من الآيات نجد الله سبحانه وتعالى يذكر وما بينهما، في الحقيقة، الحِكَم وراء ذلك لا تدركه العقول إنما نحن نتطفّل على ساحل بحر الحِكَم المكنونة في كتاب الله العزيز… قال الله عز وجل (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ) وقال : (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) وقال: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) وقال: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) وقال: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا) وغيرها من الآيات.


كل آية من هذه الآيات بحاجة إلى دراسة بلاغية ومحاولة جادة لكشف أسرارها، فيما بدى لي بعد الدراسة، إن قول الله سبحانه وتعالى (وما بينهما) فيه عدة فوائد، الفائدة الأولى أن الأرض تساوي أو تعادل السماوات ولهذا فإنه يقول وما بينهما. ولو كانت الأرض صغيرة جدا كالذرة مقارنة بالسماوات فكيف يصح أن يُقال وما بينهما؟ فحينما يقول (بينهما) أي أن الجانب العلوي يساوي الجانب السفلي أو على أقل تقدير قريب جدا من حجم بعضهما البعض، إذن يصح التباين والتطابق الوجودي.


و فيما ذكرت رد صريح على القائلين بأن الأرض كالذرة تسبح في هذه المجرة وأن السماوات تحتويها أو لنقل الفضاء، فإن كانت الأرض داخلة في الفضاء أو السماوات فكيف يصح أن يُقال السماوات والأرض وما بينهما والأرض هي داخلة في السماوات أصلا؟ انتبه أرجوك فإن هذا أمر مهم جدا، إذ لا يستقيم بلاغيا وليس معهودا عند العرب. ثم اعلم إن الله رب العرش العظيم كثيرا ما يذكر المتقابلات في كتابه فيقول الجن والإنس، المشرق والمغرب، الشمس والقمر، الليل والنهار وكذلك السماوات والأرض، فلو لم تكن الأرض متقابلة مع السماوات لِمَ أكثر من ذكرها متقابلتان؟ هذه واحدة


أما الثانية، فالآيات التي فيها ذكر السماوات والأرض وما بينهما نفهم منها أن (و ما بينهما) مخلوق لله، بمعنى أن الذي يقولونه اليوم أن السماء فضاء ليس بصحيح إذ الفضاء فراغ لا شيء، وتعالى الملك الحق أن يخلق لا شيء أو فراغ، ما خلق الله السماوات والأرض لعبا ولهوا بل كل شيء له حكمة. و مثل هذه الآيات، يصح الاستشهاد بها على من يرد على الملاحدة الذين يفهمون نظرية التطور بطريقة سيئة، فيقولون ما الحاجة إلى وجود الإله ونظرية التطور هي القائمة، فمثل هذه الآيات التي فيها خلق - و ما بينهما - فيه رد قوي على أمثالهم.


و الثالثة أن (و ما بينهما) المقصود به هذا الفاصل العظيم الذي فصل به الله السماوات عن الأرض (السماء السقف إن شئت أن تقول) ويدخل فيه جميع من على الأرض وجميع من في جو السماء وجميع ما يكون بين السماء الدنيا وبين الأرض. وهذا يسمى في تراث أهل الكتاب الحاجز أو القبة أو Firmament أو Vault وأمره عظيم عندهم كما أمره عظيم عندنا إذ أنه جزء أساسي من الوجود، وهو دليل أن الله فطر السماوات والأرض بعد أن كانتا رتقا، وسأسلّط الضوء على شيء من معاني (فاطر السماوات و الأرض) في الفصول القادمة فترقّب ذلك.


و الرابعة أن البشرية بشكل عام حظّها في الحياة في (و ما بينهما)، لا يستطيع الإنسان أن يخترق السماء الدنيا ولا يستطيع أن ينفذ من أقطار الأرض أو يخترقها، فصار حظه في هذا الوجود (و ما بينهما). هناك حدّ علوي المتمثل في السماء و هناك حد سفلي المتمثّل في الأرض. لا يستطيع الإنسان تجاوز الحد العلوي و لا السفلي للوجود.


الخامسة أن الإنسان قد يتوهم أن ربّه العظيم الكريم عندما يقول خلق السماوات والأرض بمعنى أنه خلق (الكون) قد يحسب أنه خلق ما يسمى اليوم الجمادات، أو فقط السماوات العلى والأرض وليس له علاقة بالمخلوقات الحية اليوم كالإنسان والحيوانات البرية والبحرية والطيور والنباتات وما إلى ذلك، فيحسب أن الله خلق الكون وترك الأحياء وتجاهلهم وليس له علاقة كما قال مثل هذا بعض القدماء من الفلاسفة. أو لعل الخلق جاؤوا هكذا عن طريق التطور كما قاله علماء الطبيعة والأحياء و غيرها من الأفكار، فعندما يقول الله أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما فمن الأمور المفهومة أنه المسؤل كذلك عن خلق جميع ما بين الطبقة العلوية والطبقة السفلية من الوجود بما فيهم الأحياء.


و هنا أسجّل لطيفة قد لا تتفق في جميع مواضعها لكني وجدتها في أكثرها متفقة حسبما درست وهي أن الله ذي القوة و الكبرياء و العظمة، أينما يذكر ملكه العام الشامل يذكر (له ملك السماوات والأرض) من دون أن يذكر وما بينهما، و هذا يجعلنا نفهم أنه يملك الكون كله. أما بعض الآيات الاستثنائية فلها اسبابها، على سبيل المثال، عندما يتكلم عن المسيح فيذكر (و ما بينهما) فهمت من هذا أن هناك تأكيد بأن المسيح أحد الذين يعيشون بين السماوات والأرض، والله مالك الملك يملكه وليس له أي المسيح عيسى بن مريم من الملك أي شيء.


و أحب أن أسجّل هنا دقيقة أخرى من دقائق الفهم، قال ربنا عز وجل: (وله من في السماوات والارض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون) سبحان الله! هذه الآية يقول فيها الملك (له من في السماوات والأرض) يعني الكون ثم قال (ومن عنده) الذي قد يُفهم منه أنه جلّ في علاه ومن عنده من المخلوقات التي لا يُعلم عنها إلا هو، أو الملائكة المقربون هم فوق هذا الوجود المسمى بالسماوات والأرض و غير محكومين بنطاقها. لهذا لا تستغرب عندما تجد في الأحاديث النبوية أن العرش هو سقف المخلوقات، و هذا الفهم يستقيم مع الكثير من المرويات المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم و الحمدلله رب العالمين.


و هكذا كل آية فيها كنوز من الحكمة بحاجة إلى دراسة بحيال ذاتها لكن لا أريد أن أغيّر مقصد هذه المدونة المتواضعة. المقصد أن هذه النظرة التي أحسبها جديدة للسماوات والأرض تتوافق فيما درست شخصيا توافقا كليا جميلا مع جميع آيات القرآن  و التوراة والأحاديث النبوية الصحيحة وكأن هذه اللآلئ جُعِلت في سلك واحد لتُشكّل قلادة جميلة. فدونك عزيزي القارئ تأمل فيما ذكرته سابقا واستعد لما ستقرأ لاحقا فقد تجد الاستنارة التي ينشدها كل طالب حق بإذن الله.



عبدالعزيز النظري

تويتر

انستغرام


القرآن الكريم و الأرض

 

من استقرأ القرآن يعرف جيدا أنه لا توجد آية واحدة أو حتى جزء من آية فيها أنّ الأرض كروية، بل لا توجد حتى كلمة قريبة من الكرة تخصّ الأرض. في المقابل نجد كلمات كثيرة تقوي فكرة أنّ الأرض مسطّحة مثل: (فراشا) ، (مهدناها) ، (بساطا) ، (سُطحت) ، (مدّت) ، (طحاها) ، (هامدة) ، (خاشعة) وغيرها من الكلمات التي توحي من قريب و بعيد إلى أنّ الأرض مسطّحة، لا تدور ولا تتحرك. 


ابحث في جميع الآيات المذكورة فيها (الأرض) لن تجد فيها كلمة قريبة توحي أنّها مكورة أو كروية أو أنها تدور. فإن قالوا: إنّ الكلمات موضوعة في القرآن لمراعاة عقول الناس و بالأخص عقول أولئك الذين عاصروا نزول القرآن، وإنّهم لا يطيقون فكرة أنّ الأرض غير مسطّحة أقول أولا هذا قول ضعيف بل أشبه أن يكون افتراء على الله العليم الحكيم، اللطيف الخبير، وذلك لأن الله -سبحانه وتعالى- فرض في كتابه الإيمان بأمور هي أكبر من مسألتنا بخصوص شكل الأرض. ثانيا أقول لازم كلامهم أنّ الدليل على كروية الأرض لابدّ أن يأتي من طرف من يزعمون أنّ الأرض كروية، وليس من طرف الذين يؤمنون بأرض مسطّحة.


كل الأدلة التي يتسدل بها الناس على أن الأرض الكروية قابلة للردّ العقلي و المنطقي، ردّ عقلي لا ردّ إنسان به سخافة وعناد ثمّ قد يكون متعنّتا فوق ذلك! وكما أنّ بعض الحداثيين لا يُشنّعون على من خالف القرآن والسنة كون أنّ هناك وجها قد يحتمله الدليل، فما بالهم يُشنّعون قول القائلين إنّ الأرض مسطّحة، وأكثر الأدلة العقلية والمنطقية والنقلية في صفّ القائلين بسطحية الأرض؟ و اليوم ليس كالسابق، فإن الأدلة البصرية متوفرة عند الفريقين، و كذلك التجارب العلمية. وهذا ما يجعلني لا أعتمد عليها كدليل، فبإمكان كلّ طرف أن يُكذّب الآخر، ويطعن في النيات و مدخلات هذه التجارب و البصريات و مخرجاتها. 


أقول و أنا في كامل وعيي و أعي ما أقول جيدا و كلي ثقة، أنّ القرآن من سورة الفاتحة إلى سورة الناس هو كتاب يُثبت أنّ الأرض ممدودة مفروشة مبسوطة مسطّحة. وقبل أن أتوقف عند بعض آيات القرآن، أحب أن آخذ من وقتك بعض الشيء، ما رأيك؟ أتمنى أن لا تمانع لأنه قد يفيدك. 


تخيّل معي أحجية تتكون من إطار مساحته ٣ x ٣ من قطع خشبية مكتوب عليها الأرقام التالية بهذا الترتيب: 



هذه الأحجية إن قمت بجمع أيّ صف منها، أو أيّ عمود منها من أيّ اتجاه ستجد النتيجة ١٥. فمثلا الصف الأول المكون من الرقم: ٤ و٩ و٢ مجموعها ماذا؟ المجموع ١٥، كذلك لو جمعت العمود الشمالي المكون من العدد ٢ و٧ و٦ فإن جمعتها كانت النتيجة ١٥. كذلك إن قمت برسم علامة x وأخذت الأرقام ٤ و٥ و٦ وجمعتها ستجد النتيجة ١٥ كذلك إن فعلت مع الطرف الآخر وجمعت ٢ و٥ و٨ ستجد النتيجة ١٥. 


حاول أن تستبدل العدد ٥ بأيّ عدد من الواحد إلى التسعة بشرط ألا تستخدم العدد ٥ وأن تأتيني بالنتيجة ١٥، ماذا سيحدث؟ لن تنجح في ذلك، أليس كذلك؟ قبل أن تستبدل الخمسة كان باستطاعتك أن تجد ثماني طرق للحصول على النتيجة ١٥، لكن الآن بعد أن استبدلت العدد خمسة صار بإمكانك فقط أربع طرق للحصول على النتيجة ١٥، نصف النتيجة السابقة! هل لاحظت ما فعله استبدال عدد في الأحجية؟ أفسدت النظام البديع، فلم تترك إلا نصفها. كذلك -عزيزي القارئ- من يُحاول أن يلوي آيات القرآن ويُحرّفها عن ظاهرها لتتوافق مع هواه.


إنّ القرآن الكريم كتاب فيه نظام عظيم بديع أنزله بديع السماوات و الأرض، إن أخذناه بقوة من غير تغيير معاني الآيات عمدا وبغير عمد فإننا سنفهم الكثير من الأشياء، هي في حقيقتها سهلة الفهم، لكن إن قمنا بتحريف معاني بعض الآيات لموافقة مخرجات العلم الحديث فإننا نقع في ورطة و قد تُغلق علينا كثير من المسائل فلا نستطيع فهمها من بعدُ. قد نستطيع أن نُحرّف معنى آية لإثبات أنّ الأرض كروية، لكن ماذا عن الآيات الأخرى؟ كيف ستكون ردّة فعل الإنسان العامي الذي يفهم من بعض آيات القرآن ما يدلّ على أنها مسطّحة، و يفهم من بعضها ما يدلّ على أنها كروية؟ وما حاله وهو يرى أنّ الآيات والكلمات العربية التي فيها لم تعد تعني المعنى الظاهر والمعروف في اللسان العربي لكن معنى آخر؟ ألن يشعر بأنّ هناك من يحتال لإثبات أنّ هذا الكتاب يتوافق مع مخرجات العلم الحديث؟


لهذا -عزيزي القارئ- حتى إن حاول البعض إثبات أنّ القرآن يدلّ على أنّ الأرض كروية في بعض الآيات فقل له: توقّف من فضلك، اقرأ و افهم منظومة القرآن، و افهم سياق الآيات. و أنت كذلك أيها القارئ لهذه الكلمات، حاول أن تفهم ما يقوله القرآن عن هذا الوجود، ستكتشف أنّ هناك خللا في تفاسيرهم التي جاؤوا بها، تفاسير و معاني دخيلة على كتاب الله يريدون حملها على القرآن لتتوافق آياته مع النظريات العلمية الحديثة، فمن فعل ذلك منهم (أنا مأسوف عليه) كمن استبدل الرقم ٥ في الأحجية السابقة الذكر، فاختلّ أجزاء من النظام البديع. وإنا لله، وإنا إليه راجعون و لا حول و لا قوة إلا بالله.


 قال ربنا عالم الغيب و الشهادة، المهيمن العزيز الجبار المتكبّر في سورة البقرة: ((وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) )) 


عبدالعزيز النظري

تويتر

انستغرام



لماذا الكلام عن شكل الأرض؟

 

يحدث كثيرًا عندما تناقش الناس مسألة شكل الأرض، و ليس عند الطرف الآخر حجّة، يقول لك: وما فائدة كثرة الأخذ والردّ والجدال بشأن هذه المسألة؟ فهي لا تُقدّم ولا تُؤخّر، ولا تقرّبك إلى الله، بل في واقع الأمر قد تُبعدك عنه بسبب ما يتخللها من الجدل. نعم قد يتبادر إلى ذهن البعض مثل هذا، لكن أقول: ليس ما تقوله صحيحًا بالضرورة، فإنّ فوائد دراسة الخلاف في هذه المسألة كثيرة. لو لم تكن لها أهمّية وفائدة لم يكن الله العزيز الحكيم، ليجعل مئات الآيات في كتابه الذي أنزله على خاتم النبيين عن السماوات والأرض و ما بينهما. فإن كان الأمر لا يعني لك شيئًا فإنّه يعني بكلّ تأكيد الشيء الكثير للمسلمين المؤمنين المهتمّين بتدبر كتاب ربّهم. 


حقا أستغرب من كلام أولئك الذين يقولون: ما فائدة هذا الموضوع؟ بغضّ النظر عن كون الأرض كرويّة أو مسطّحة أو مربّعة أو مثلّثة فإنّنا نعبد الله و نقيم الصلاة و نؤتي الزكاة و نصوم رمضان و نحج البيت، أما موضوعكم هذا فهو لا يقدّم شيئًا البتة!. قبل أن أجيبهم أريد أن أسألهم سؤالا، لماذا لا يقولون الشيء ذاته عن المواضيع الكثيرة التي يخوض فيها الناس؟ هناك الألوف من المواضيع التي يتداولها الناس فيما بينهم، وكثير منها تثير الجدل والخلاف و النزاع و الشقاق، لِمَ لا يقولون لأولئك: ما الفائدة من الخوض في تلك المسائل؟ أليس في كثير من تلك المواضيع التي يتداولها الناس أخذا و عطاء، يستدل بعض أطراف النقاش، بآيات من القرآن وأحاديث من السنة النبويّة؟ لماذا لا يقولون لهم كما يقولون لي و لأمثالي من المتكلمين في هيئة السماوات و الأرض: "ما المنفعة المرجوة من معرفة كذا وكذا؟ يكفينا أنّنا نعبد الله الرحمن الرحيم". 


حاول أن تُقلّب القنوات الفضائيّة على شاشة التلفاز لترى المواضيع التي يتناولها الناس بحثًا ودراسة وحوارًا وجدلًا، لا يمكنك إحصاء ذلك، و كثير منها أعني المواضيع المطروحة عبر القنوات الإعلامية قد قتلها الناس بحثا، فلماذا لا يقولون عنها: ما الفائدة؟ بل في الحقيقة أحب أن أسألهم، إن كنتم لا تجدون أهمية لهذه المواضيع التي نخوض فيها فلماذا تدخلون حلقات النقاش و تتدخلون في الحوار؟ إن كانت المسألة غير مهمة، فاتركونا و شأننا. هل تجد -عزيزي القارئ- كما أجد أنّ حال من ذكرت مُثير للدراسات النفسية والاجتماعية والتعمّق الفلسفي؟


فوائد دراسة هذه المسألة، أعني مسألة شكل الأرض كثيرة و لا ينبغي تجاهلها، أولها قول الحقيقة وهذه وحدها تكفي غير أنها أيضا تفتح آفاقًا جديدة، فإنّ أول ما قد تكتشفه أنّ كلّ ما تعلّمته على مدى السنوات الماضية قد لا يكون صحيحًا بالضرورة، و قد تكتشف أنّك كنت تتلقّى الأخطاء و الأكاذيب واحدة تلو الأخرى من دون أن تشعر بها ومن دون أن تمحصها؟ فإن تنوّرت و أدركت ذلك، و أخذتك حميّة الإنسانية، ومن حقّ الإنسان ألا يكون مخدوعًا، فقد يعطيك هذا دافعًا للتحرّر من داء التقليد الذي هو شرٌّ في دين الناس ودنياهم. 


اعلم -أخي القارئ- أنّ المسلم مطالب بالنظر والتأمّل في آيات الله خالق السماوات و الأرض ولا يمرّ عليها مرور الكرام، أو يحملها ويحفظها من دون أن يفقهها.فإنه مما لا شك فيه أنّ الآيات القرآنية وفهمها تلعب دورًا رئيسا في صيغة وصبغة إيمان الفرد، وتجعله في قالب يكون فيه نمط حياته.


و من منافع دراسة مسألة شكل الأرض أنّ المسلم قد يجد في كتاب ربّه الذي يؤمن به آيات في ظاهرها تدلّ على أنّ الأرض مبسوطة و مسطّحة، و في المقابل يجد أدلة في البرامج العلمية التي تعرض على القنوات الإعلامية ليلًا ونهارًا وجهارًا بأنّ الأرض كرويّة، هل يمكنك تخيّل حال المسلم؟ هذا المسلم الذي بين أدلة القرآن و أدلة هذه البرامج الإعلامية قد يفقد الثقة بكتاب ربّه، وربما لن يفقدها و يؤمن بها جميعًا أعني الوحي و العلم الحديث لكن من دون أن يفقه لوازم آيات ربّه، أو لوازم مخرجات العلم الحديث، باختصار لم يفهم أيًّا منهما. و ربما قد يُشكّك في النظريات العلمية ويبحث بنفسه، فإن هو بحث واكتشف أنّ فكرة الأرض كروية عبارة عن نظرية لا تعدو ذلك، ما الذي قد يحدث حينها إن أذن الله عز و جل ذلك؟ سيزداد إيمان المؤمن بكتاب ربّه و بالآيات الساطعة التي فيها بيان هيئة الأرض، وأظنّه سيردّ الاعتبار لجميع تلك الآثار النبوية التي كانت تثبت أنّ صورة الأرض مختلفة عن صورتها التي اعتاد رؤيتها في كل مكان حوله. و سيُكوّن له نظرة جديدة للمكان الذي يعيش فيه، ومنظور كامل عن شكل الوجود الذي فيه قصة الإنسان. 


أما إن هو اكتشف أنّ القرآن الكريم الكتاب الذي أنزله رب العالمين هداية للناس، و أن التوراة التي جعل الله فيها هدى و نور، متفقتان فيما يخص هيئة الأرض، فحدّث و لا حرج حينها عن الإيمان، و حب كلمات الله و تعظيم كتبه و توقير رسله و المنافع الأخرى التي حتما سينتفع بها إن أراد الله به رشدا.


و المنافع غير مقصورة على المؤمنين دون غيرهم من أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، فإنه من درس منهم هذا الموضوع واطلع على مسائله و تفاصيله، وتبين له عوار نظرية كروية الأرض و دورانها ثمّ وجد في التوراة و أخبار الأنبياء، و وجد في الكتاب المقدّس سواء العهد القديم أو العهد الجديد أنّ الأرض ممدودة و مبسوطة و مسطّحة فإنه سيردّ الاعتبار إلى كتابه الذي يُقدّسه وسيبحث عن الهدى و النور فيه. و إن وسّع هذا الإنسان من أهل الكتاب من نطاق بحثه، وراح يبحث في الأديان الأخرى، قد يكتشف أنّ القرآن كذلك في ظاهر آياته مُتفّق مع ما يُقدّسه من الكتب في كون الأرض مسطّحة، فإن فرصة انحيازه اتباعًا لا تقليدًا إلى الإيمان بالله واعتناق دين الإسلام و لله وحده لا إله إلا هو الأمر من قبلُ ومن بعدُ.


أما الكافر بالله أو الملحد الذي لا يؤمن بوجوده فبالتأكيد ستترك دراسة هذه مسألة شكل الأرض عليه أثرًا. فإنّ كثيرًا من الذين لا يؤمنون بوجود الرب الأعلى تجدهم مؤمنين بمخرجات العلم الحديث، من مثل أنّ هذا الكون جاء صدفة، بسبب انفجار عظيم، ومن ثمّ تمدّد الكون، ونشأ عنه ما نشأ من المجرات والنجوم والكواكب والشموس و من بينها الأرض، وبعدها جاءت الحياة ثمّ تطورت حتى وصل منتهى التطور إلى الإنسان. وأنّ الأرض التي يعيش عليها لا تعدو أن تكون  كذرة في وسط المجرة، كخاتم مُلقى في الصحراء، وهذه المجرة أقصد مجرة درب التبّانة بذاتها لا تعدو أن تكون كذرة هي الأخرى مقارنة بما في هذا الكون. وهذا النظام العظيم الذي في هذا الكون هو عبارة عن صدفة بسبب انفجار غير واع حدث في الكون و غيرها كثير من مثل الذي ذكرت. 


لكن إن اكتشف الملحد أنّ أكثر ما قيل له بخصوص السماوات و الأرض وهذا الوجود الذي نحن فيه غير صحيح، ثم قيل له بأنه يعيش في مكان كالبيت، فيه أرض يفترشها، وسماء تُظلّه كسقف البيت، وأنه محاط بجدران لا يمكن اختراقها، وليس في البيت أبواب يخرج منها إلا بعد أن يموت فقد يتساءل حينها: من جعلني في هذا البيت؟ ولماذا جعلني فيه؟ وماذا يريد مني؟ مثل هذه الأسئلة عزيزي القارئ تُحدث فارقا عظيما في الأنفس البشرية، فعلت مفعولها قبل آلاف السنين، وهي لم تفقد مفعولها حتى اليوم والحمد لله ربّ العالمين.


ثم تخيّل معي، ما الذي سيشعر به إنسان يُقال له في المحافل الإعلامية ما أنت سوى غبار من النجوم، جاء إلى هذا الوجود صدفة، ليس لوجودك معنى و لا مهمة تقوم بها، و أنت و ما هو مُسخّر لك سواء، بل إنّك ظالم في تسخير الحيوانات من أجلك، و ما أنت سوى حلقة من حلقات الانتخاب الطبيعي و هذا الكوكب الذي تعيش عليه ما هو إلا ذرة تسبح في هذه المجرة، و هذه المجرة التي أنت فيها ما هي إلا ذرة تسبح في الكون، بل هذا الكون جاء صدفة و لعل هناك أكوان أخرى. و في كل مرة هذا الإنسان المسكين يسمع عن خطر يحيط بهذا الكوكب من كل مكان، و أن مصادر هذا الكوكب الحقير محدودة و لن يتّسع في السنوات القديمة للبشر و بقية المخلوقات، و غير هذا من الكلام المحبط الذي تطرق مسامعنا بكرة و أصيلا في المحافل العلمية و الندوات و المسموعات و المرئيات و ما هو مقروء بشكل عام. 


قارن حال هذا الذي ذكرته بإنسان تقول له قد خلقك الله عز و جل و سواك فعدلك في أحسن تقويم، و أنعم عليك بالسمع و البصر و أسبغ عليك من نعمه الظاهرة و الباطنة ما إن قمت بعدّها لن تحصيها. و حملت الأمانة بما قدّر لك سبحانه من الحرية و جعلك خليفة في أرضه و استعمرك فيها، و سخّر لك الشمس و القمر دائبين و سخّر لك الليل و النهار و سخّر لك  الفلك التي تجري في البحر و سخّر لك البحر لتأكل منه و تستخرج منه ما ينفعك في دنياك و سخّر لك الأنعام و سخّر لك ما في السماوات و ما في الأرض جميعا منه، و أرسل إليك الرسل و أنزل معهم الكتاب لتهتدي و كرّمك و فضّلك على كثير ممن خلق تفضيلا. أنت مهمّ للغاية، و خليفة على أرضه التي هي تقابل سماواته العلى، لا الشمس و القمر تقرب من عظيم أمرها، و لا النجوم تضاهيها و إن وجودك في هذا الدنيا في هذا الزمن مقصود و من ورائه حكمة بالغة و إنك إلى ربّك المنتهى و إليه راجع فإما النار و إما الجنة. 


بالله عليك أخي القارئ، هل نفسية كل واحد منهما ستكون واحدة؟ بالتأكيد لن تكون كذلك، فالأول نظرته عن الوجود مختلفة تماما عن الثاني.


بعض الدعاة والوعاظ اليوم إن سألتهم، هل الأرض كروية أم مسطّحة في القرآن؟ غضبوا من سؤالك، و علت أصواتهم وكأنك سببتهم! لماذا كل هذا الغضب أيها المشايخ؟ اعتبروا السائل طالب فتوى، هل تُعاملون المستفتين بهذا الغضب حتى لو كانت أسئلتهم تبدو غريبة؟ لا تفعلون ذلك! فلماذا تغضبون عندما يسألكم المسلم المحتار هذا السؤال؟ للأسف، هذا أيضا حال بعض المحسوبين على أهل الفكر و الثقافة، تثور ثائرتهم بمجرد السؤال، بل قد تجدهم يطعنونك بكلماتهم المُتهجّمة، ألا يدلّ ما ذكرت على إيمان عميق مُعَشْعِش في قلوبهم، وأن هناك حبا غريبا لما توصّل إليه العلم الحديث في مسألة شكل الأرض؟ هل غضبهم سببه الخوف على زعزعة ما آمنوا به طوال حياتهم؟ أو أن حال البعض منهم صار كحال من قال فيهم ربنا الرحمن، العزيز الرحيم: ((وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ)) أيها الناس! المسألة لا داعي أن تثير الغضب و تشحن قلوبكم بمنكرات الأخلاق و الأهواء فتمكروا وتكيدوا بإخوانكم الذين يخالفونكم الرأي.


و أما المسالمين المحسنين الظن بالناس - وفيهم خير كثير والحمد لله - عندما يدرسون مسألة شكل الأرض دراسة جادة سيكتشفون أنّ هناك أخطاء كثيرة عند من يُقال عنهم العلماء اليوم، وسيكتشفون أنّ العلماء كغيرهم من الناس، يُصيبون ويُخطؤون، و هذا يعني أن هالة تقديس العلماء ستختفي فإن لم تختفي ستضعف على الأقل إن شاء الله، و بالتالي لن يشقّ عليهم مخالفة بعض أقوال العلماء التي ليست في محلّ اتفاق أصلا. و سيدركون أن علماء الطبيعة مُعرّضون للخطأ تماما كعلماء الدين. كما أن اليوم لم يعد الناس يخشون من الخوض في المسائل الدينية، و لم يبقى لعلماء الدين من هيبة في قلوبهم، بل صار الوعّاظ محل سخرية عند البعض، فكذلك علماء الطبيعة، قد يأتي زمان على الناس فلا يهابونهم و ربما هذا يعطيهم دافعا لتمحيص مُخرجاتهم العلمية و الفكرية. و ربما يأتي زمان عليهم فيكتشفون كما أن بعض الناس استغل الدين لمصالحه الشخصية و مطية، كذلك قد يكتشفون أن علماء الطبيعة و الجهات المختصة بعلوم الطبيعة فعلت الشيء ذاته لكن مستخدما غطاء العلم و البحث العلمي بدلا من الدين.


و أيضا أولئك المسالمين المحسنين قد يكتشفون أنّ هناك أطرافا تُمرّر الخطأ و الكذب عبر مئات السنين إما تقليدا وإما قصدا اتباعا لأجندات استراتيجية وضعوها، فإن وقر في قلوبهم كل ما سبق، و علموا أنّهم كانوا مقلدين، سيمقتون التقليد و شؤمه. وإن هم اكتشفوا أنّهم كانوا مخُدوعين بقصد عبر الوسائل الإعلامية فسيعلمون حينها أنّ هذا العالم الذي يعيشون فيه مليء بالكذبة والفجرة، فبالتالي سيأخذ كل واحد منهم حذره كي لا يكون ضحية أكاذيبهم مجددا، وسيقوم بتوعية الناس بدءًا من أقربائه ثم الأقرب فالأقرب.


كثير من المراكز العلمية اليوم، تنفق الأموال الطائلة و تبذل النفيس من وقتها و الكثير من الجهد في سبيل الحصول على إجابات لمثل هذه الأسئلة، كل ما عليك أن تحصي عدد المراكز و الجهات العلمية المختصة بعلوم الفضاء أو الكونيات، عدد الكتّاب و الكتب المُؤلفة في هذه المجال، عدد المواد التعليمية المجانية و غير المجانية، المختبرات و الأدوات، كل من يعمل في هذه الجهات فإن المسألة مهمة جدا له، لأن الخطة الإستراتيجية و التشغيلية و المالية ستختلف باختلاف الإجابة عن هذا السؤال المهم، هل الأرض كروية أم هي مسطحة.


و من منافع معرفة الإجابة عن هذا السؤال أن المؤسسات التعليمية قد تعيد النظر في مناهجها و بالتحديد موادها العلمية و كتبها. تخيّل تدرس سنوات ثم تكتشف بعدها أن كل ما تعلمته في هذا الموضوع لم يكن صحيحا، تخيّل عدد الطلبة الذين يدرسون هذه المواد العلمية في العالم؟ كم ستُوّفر الدول من الوقت و الجهد و ساعات الدراسة و العمل إن عرفنا الإجابة عن هذا السؤال؟ ثم إن معرفة الإجابة عن هذا السؤال قد يعطي فرصة للدول الإسلامية و العربية أن يكون لها السبق إن تبيّن أن هناك خطأ في المنظومة الكونية العالمية، فإن بعض الدول قد تتبنى بعض الأبحاث و التجارب التي تثبت ذلك فيكون لها السبق في المجال العلمي و بالتالي تطوير من صورة الدول العربية و الإسلامية العلمية.


لو أنّك تفكّرت في الملايين التي صُرِفت من أجل نشر نظرية الأرض الكروية، وكم من العلماء الذين بُهتوا ودمروا نفسيًّا فقط لمخالفة المنظور الكروي للأرض، و كم من البشر الذي كان ينبغي أن يُقال لهم الحقّ والصدق كُذبوا وخدعوا، وكم من أولئك الذين آتاهم الله حريّة الاختيار فقدوها و نبذوها وراء ظهورهم بسبب التقليد، و تفكّرت بجدية و بعمق في كلّ هذه الخسائر البشرية التي ذكرتها و التي أعرضت عن ذكرها لعرفت أن الأمر يستحق أن نقف وقفة جادة، وندرس مسألة شكل الأرض من دون تحقيرها أو تثبيط المهتمين بدراستها. 


أقولها باختصار إنّ أهمية دراسة هذه المسألة أننا سنعرف الحقّ من الباطل، ثم تحقيق الحق و إبطال الباطل، و دفع الشبهات التي حاول البعض أن يُشغّب بها على القرن الكريم و الإسلام بشكل عام. و الله عز و جل مدح (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) و أظنّ هذه وحدها تكفي أن يتفكّر الواحد منا في مثل هذه الأمور. أخيرا، لو لم تكن لهذه المسائل أهمية لما وصل الإنسان إلى ما هو عليه. (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ).



عبدالعزيز النظري

تويتر

انستغرام