Saturday, July 2, 2022

من هو عِمران؟

 


السورة الثالثة في القرآن هي سورة آل عمران، وإن بحثت في كتب التفاسير كلّها وسألت الناس عن عِمْران لن تعرف على وجه التحديد من هو عمران! ولن تجد عن أخباره شيئاً غير أنه أبو مريم وأن الله اصطفى آله، أما غير ذلك فلن تجد غير كلام أهل التاريخ والمفسرين التي لا يمكننا الاعتماد عليها لمعرفة عمران على وجه التحديد


قال ربنا عز وجل: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)) استناداً على الآية السابقة لا بد أن يكون عمران ذا مكانة عظيمة، إذ ذكر مع آدم ونوح وإبراهيم، ولا يخفى على أي واحد منا أن الثلاثة لهم مكانة عظيمة، الأول أبو البشر، والثاني أبو الرسل، والثالث أبو الأنبياء، الثلاثة يُعتبرون من أصول البشر، أما الرابع المذكور وهو عمران لا نكاد نعرف عنه شيئاً! هل يُعقل هذا؟ من السياق نستطيع أن نقول لا بد أن له مكانة خاصة عند الله، إذ اصطفاه وجعله مع من ذكر في الآية فهذا بحد ذاته تكريم له وأي تكريم.


فكّر ملياً في الأمر، إن سألت الناس من هو آدم لقالوا لك من يكون، وإن سألتهم من نوح، فكذلك هو معروف عند الناس في العالم أجمع وقصته أشهر من نار على علم، وكذلك إبراهيم يعرفه الكل، لكن إن سألتهم من يكون عمران لن تجد من يعرفه غير ما هو مذكور في التاريخ من نسبه أو أنه أبو مريم بناء على سورة آل عمران


لكن ماذا لو طبّقنا النظرية وقلنا إن عمران هو من الجن أو له علاقة بالجن؟ ما الذي سيتغيّر حينها؟ أقول: الذي سيتغيّر أننا سنفهم آيات من القرآن فهماً جديداً قد يكون أقرب إلى الحق. فإن قلنا: إن عمران هو من الجن فهمنا لماذا ليس له وجود في قصة امرأته وابنتها مريم: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(35)  فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)) هذه واحدة. أعلمُ أنه يُمكن أن يقال: كان ميتاً وهذا ليس ببعيد، فلا تحسب أني غفلت عن هذا القول غير أني أرجّح ما ذكرت.


والثانية: أنا أفترض أنك تعلم جيّداً مريم عليها السلام وقصّتها مع الملائكة والروح، وكذلك تعرف قصص المسيح المؤيد بروح القدس. من تلك الأخبار إذن علاقة عائلة عمران بالمخلوقات الجنية التي لا تُرى لا يخفى على قارئ للقرآن


الباحث في القرآن سيقف أمام هذه الآية العجيبة من سورة مريم: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) وهذه الآية بالتحديد صعب فهمها على المسلمين وغير المسلمين، إذ كيف تصير مريم أختاً لهارون أخي موسى وهناك فارق زمني كبير بين زمن موسى وعيسى؟ من أجل توهّم وجود إشكالية اختلف أهل التفسير في تفسيرهم للآية وتحديد من يكون هارون المذكور في الآية. فقالوا: إنه كان رجلاً صالحاً من بني إسرائيل ينسب إليه من يعرف بالصلاح، وآخرون قالوا: إن المقصود به هو هارون أخو موسى، فنسبت إليه لأنها من ولده كما يقال يا أخا بني فلان. وقالوا: إن هارون المذكور في الآية كان أخاها لأبيها وأمها وكانوا يتسمّون بالصالحين منهم كما في الحديث المذكور في هذا الباب. وقالوا أيضاً: إنه كان رجلاً فاسقاً معلناً بالفسق ونسبت إليه. لقد فصّلت هذه المسألة في كتابي "بين الإلهام والوسواس" تفصيلاً مطوّلاً وقدّمت إجابات غير مسبوقة جديرة بالنظر، فراجعه هناك إن استطعتَ ذلك.


العجيب أننا نجد في كتب أهل التاريخ أن عمران كان اسم أبي موسى وهارون عليهم السلام جميعاً. فهل يمكن أن يكون عمران أبو موسى هو نفسه عمران أبا مريم أم المسيح؟ قد تقول: لا يمكن ذلك، وهذا ضرب من الجنون، لكن أقول: هذا ليس بجنون إنما رأي قوي جداً خاصة إن أخذنا بالنظرية، وقلنا: إن عمران من الجن أو له على الأقل بعض خصائص الجن. فإنه متعارف عند شعوب العالم منذ فجر التاريخ وحتى اليوم أن الجان أطول عمراً من الإنسان. فإن كان كذلك فهذا يُفسّر لنا كيف عاش عمران زمن موسى حتى زمن أم المسيح، لأنه من الجن وإلا لما عاش كل تلك السنوات لأن ذلك سيكون خلافاً للعادة


قد تقول: وما في ذلك؟ ألم يلبث نوح في قومه عمراً طويلاً؟ قال ربنا عز وجل في سورة العنكبوت: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) فإن كان نوح عاش كل هذه المدة، لماذا لا يكون عمران كذلك؟ أقول: لو كان عمران إنسياً وعاش هذه المدة، لكن ذلك ما يثير العجب وجدير ذكره وبما أننا لم نجد ذكر هذه العجيبة في أي كتاب سماوي أو أي حديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، أو في التاريخ علمنا أن عمران عاش عمراً اعتيادياً. بالتأكيد الفجوة الزمنية بين زمن موسى وعيسى عليهما السلام كبيرة وقد تصل لألف سنة أو أكثر، فهل هذه المدة اعتيادية لإنسان؟ أقول: لا ليست اعتيادية لإنسان، لكن قد تكون اعتيادية للجن! بمعنى أن معدّل أعمار الجن قد يصل لألف سنة.


فإن طالبتني بدليل من القرآن، سأقول: لا أدري على وجه التحديد، لكن الدليل قد يكون في هذه الآية من سورة الأحقاف: (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ)، فإن الجن عندما سمعوا القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم رجعوا إلى قومهم، فهل يُمكن أن يُقال: إن الجن الذين سمعوا كتاب موسى عندما أنزل هم أنفسهم من سمعوا القرآن زمن الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أقول: نعم هذا محتمل والله أعلم.


وقد تسألني وهل يتزوّج الجن؟ وهل يكون لهم أولاد؟ الذي يظهر لي نعم إنهم يتزوجون وقد يكون لهم ذرية، اقرأ هذه الآية: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا)، ففي هذه الآية أن لإبليس ذرية. وفي سورة الرحمن نجد هذه الآية: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ)، وظاهر معنى الآية، قال الطبري: "وإنما عنى في هذا الموضع أنه لم يجامعهنّ إنس قبلهم ولا جانّ". وقال القرطبي: "في هذه الآية دليل على أن الجن تغشى كالإنس". قال ابن كثير في تفسيره: "لم يطأهن أحد قبل أزواجهن من الإنس والجن. قال الفخر الرازي في تفسيره: "المسألة الثامنة: ما الفائدة في ذكر الجان مع أن الجان لا يجامع؟ نقول: ليس كذلك بل الجن لهم أولاد وذريات، وإنما الخلاف في أنهم هل يواقعون الإنس أم لا؟ والمشهور أنهم يواقعون وإلا لما كان في الجنة أحساب ولا أنساب، فكأن مواقعة الإنس إياهن كمواقعة الجن من حيث الإشارة إلى نفيها". إذن الذي يظهر لي أن الجن يعيشون طويلاً، ويتزوجون ويكون لهم ذرية


ولاحظ أنّه كما أن عمران أبا مريم لم يكن له وجود أثناء قصة امرأته وتسميتها ابنتها مريم، كذلك لم يكن له وجود في قصة أم موسى عندما ألقت ابنها في اليم، بل لا ذكر له زمن موسى، فهل يُمكن أن يُفهم من ذلك لأنه كان من الجن؟ وهل يمكن أن يكون عمران هو أبا كل من موسى وهارون وهو في نفس الوقت أبٌ لمريم وجد المسيح؟ هل يمكن أن يُفهم مما سبق كيف صارت مريم أختاً لهارون كما في الآية: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)؟ 


إن أخذت بهذا الفهم الجديد الذي طرحته هنا، وسلّمت أن عمران من الجن، قد نفهم الآن هذه الآية بشكل أعمق: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، وذلك لأن الآل يدخل فيه الزوجة والأبناء، فكأن هذه الآية شملت آدم ونوحاً وآل إبراهيم (يدخل في آل إبراهيم زوجته سارة وإسحاق ويعقوب) وآل عمران (يدخل في آل عمران زوجته أم موسى وموسى وهارون، وأم مريم، ومريم وابنها عيسى)، وإن أنت عدت إلى القرآن لوجدت الأنبياء المذكورين كانوا من المصطفين. مثال ذلك ما نجده في سورة ص: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَار  (45)إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ)، وفي سورة آل عمران: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) وهناك دقائق كثيرة في هذه الآية لكن أظن فيما ذكرت الكفاية والحمد لله رب العالمين


لماذا (الرحمن على العرش استوى) ؟

 هذه المشاركة تكملة للمقال السابق كلمات عن الرحمن:


في هذه المشاركة سأحاول أن أضيف قيمة لك عزيزي المتدبر، أن أذكر شيئا من هذه الفوائد و النظرات في موضوع الاستواء على العرش ما لن تجده عند الآخرين في منشوراتهم المقروءة و المسموعة أو المرئية. و هذه طريقتي، أحب أن أضيف قيمة حقيقية للقارئ غير متوّهمة لمتدبر القرآن مقابل الوقت الذي يقضيه في القراءة. 


بسم الله نبدأ، ذكر الله العرش في مواضع عدة من القرآن، و ذكر الاستواء على العرش في سبعة مواضع. و هي كالتالي:


في سورة الأعراف: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّـهُ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ في سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ استَوى عَلَى العَرشِ) و في سورة يونس: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّـهُ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ في سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ استَوى عَلَى العَرش) و في سورة الرعد: (اللَّـهُ الَّذي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَونَها ثُمَّ استَوى عَلَى العَرش) و في سورة طه: (الرَّحمـنُ عَلَى العَرشِ استَوى) و في سورة الفرقان: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَـنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) و في سورة السجدة: (اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) و في سورة الحديد: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش) هذه هي المواضع السبعة التي فيها ذكر الاستواء على العرش. 


أولا لاحظ أنه ذكر الاستواء على العرش يسبقه دائما ذكر خلق السماوات و الأرض. حتى في آية سورة طه و التي فيها: (الرحمن على العرش استوى) إن قرأت الآية التي قبلها ستجد خلق الأرض و السماوات: (نزِيلا مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى) هذه واحدة…


و الثانية، معلوم و لا يخفى على قارئ القرآن، أن الله خلق السماوات و الأرض في ستة أيام. و بعد أن خلق السماوات و الأرض في ستة أيام استوى على العرش، بدلالة (ثم) في الآيات التي تأتي للترتيب و التراخي. إذن بعد أن انتهى من خلق السماوات و الأرض في ستة أيام استوى على العرش، و هذا المعنى الذي يعرفه أهل الكتاب من أنه استوى على العرش في اليوم السابع بالرغم من الترجمات السيئة التي أضلّتهم. في القرآن الكفاية، عندنا هناك ٦ أيام خلق السماوات و الأرض و عندنا (ثم استوى على العرش) و يفهم من ذلك أن هناك ٧ أحداث مهمة جدا للغاية. و سبحان الله تجد ذكر الاستواء على العرش في القرآن سبع مرات و لم يكن هذا مصادفة إنما هذا مقصود و هذه الثانية. 


و الثالثة أريدك أن تنتبه يا عزيزي القارئ، أن الله لم يذكر اسما من أسمائه في القرآن كلّه من أول الفاتحة إلى آخر الناس أنه استوى على العرش، أعني أنّك لن تجد (العزيز استوى على العرش) أو (الحكيم الذي استوى على العرش) بل حتى لا تجد مباشرة (الله استوى على العرش) أو (استوى على العرش الله) و لكنك ستجد اسم وحيد فيه هذه المباشرة و هو اسم “الرحمن”. اقرأ (الرحمن على العرش استوى) و المرة الثانية (ثم استوى على العرش الرحمن فأسأل به خبيرا) و هذا من العجائب حقيقة و انتبه لهذا التفرّد العلماء من أهل التفسير و النظر في القرآن قديما و راحوا يبحثون عن الحكمة أو السر أو العلم وراء هذا التفرّد. 


فقالوا لأن رحمته وسعت كل شيء و أن الرحمن نعت ذات و أن رحمته وسعت كل شيء، و بما أن العرش يسع السماوات و الأرض إذن ناسب أن يختار اسم الرحمن دون أي اسم آخر. و لعل أشهر من انتصر لهذا الرأي هو ابن قيم الجوزية إن لم تخني الذاكرة. و قالوا استخدم الرحمن لتعليم المشركين الذين لم يكونوا يعلمون وما الرحمن و في بعض الأخبار التاريخية أن هناك من اعترض على الرسول صلى الله عليه و سلم استخدامه لاسم الرحمن و أنه يدعو أكثر من إله فمرة يقول الله و مرة يقول الرحمن فأراد أن يعلّمهم أن الله هو نفسه الرحمن. و قالوا أيضا أنه لما أمر الله خلقه أن يحسنوا إلى بعضهم البعض، فاختار الاسم الذي يفهم منه الناس أنه ذو النعم التي لا تحصى و لا تعد و أن هذا هو المرجو من الذين يكونون على العرش أن يصلوا خيرهم إلى الناس أجمعين. و قالوا اختار الرحمن لأن الرحمن يرحم المؤمن و الكافر فناسب أن يختار الرحمن. 


ما ذكرت هي أشهر ما قرأت في هذا الباب و هي كما ترى جيدة لا بأس بها إلا أنّها ليست قوية خاصة إن قرأت ما كتبته في السلاسل السابقة. عن نفسي سأكشف لك عن الفهم الذي وصلت إليه و الذي أراه الأقرب إلى العلوم التي فيها فدونك عزيزي القارئ. 


أولا استواء الرحمن على العرش جاء في موضوعين، في سورة طه و سورة الفرقان و قد ذكرت في سلسلة سابقة علاقة سورة طه بالجن، و الأحرف المقطعة و ما إلى ذلك. و لكن دعنا نتأمل الموضع الذي في سورة الفرقان فلم أتطرّق له من قبل. قال في سورة الفرقان: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَـنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) تأمل أولا أن هذا جاء في سورة تنتهي بالـ”ان” هذه الأولى. و ثانيا لاحظ التكملة (فأسأل به خبيرا) و الخبير هو أخص من العليم، بمعنى عنده علم بخفايا و دقائق الأمور و سبحان الله ناسب هذا الاسم أن ينتهي بـ(فأسأل به خبيرا) و ليس هذا فحسب فالقرآن يحكي لنا أنهم كانوا يقولون: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا) يعني الخبير سيعرف.


و بما أنه استخدم الرحمن فهذا قد يستطيع الخبير أن يفهم منه أن الله بعدما خلق السماوات و الأرض استوى على عرشه الذي هو خارج نطاق السماوات و الأرض. ألم يخبرنا الله: (وسع كرسيه السماوات و الأرض) و في الحديث مشهور أن عرش الرحمن يسع السماوات و الأرض، و أنه سقف الجنة، إذن هي خارج نطاق البشرية و أوسع من هذا العالم الذي نحن فيه و بهذا نفهم لماذا الرحمن. لأن الله عز وجل كما أنه رب الناس كذلك هو رب العالمين، ربّ العوالم كلها، سواء هذا العالم الذي نعيش فيه أو عالم الجن و الملائكة أو غيرها مما لا نعلم. وكيف تفهم ذلك لاحظ أولا: (إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ يَسْجُدُونَ) هذا يعني أن هناك مخلوقات عند الله خارج هذا النطاق المحدود الذي نحن فيه. و ثانيا اقرأ هذه الآية: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ) إذن هناك ملائكة مقربون، و الثالثة اقرأ هذه الآية: (ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِه…) إلى آخر الآية العظيمة. موضع الشاهد الأول أن هناك من يحملون العرش، و قد سبق أن العرش أوسع نطاقا من السماوات و الأرض أي خارج حدودها، و الشاهد الثاني بما أن هناك ملائكة تحمله إذن هذه الملائكة أيضا خارج نطاق السماوات و الأرض و لابد. و الشاهد الثالث قوله: (و من حوله) إذن هناك حول العرش مخلوقات الله أعلم بها، و هذا يعني أن هذه المخلوقات أيضا خارج نطاق السماوات و الأرض. و الشاهد الرابع قوله: (يؤمنون به) إذن حملة العرش و من حول العرش يؤمنون به و قد سبق أن ذكرت أن الإيمان لا يكون إلا مع شيء غيبي، و بما أن حملة العرش تؤمن و كذلك من حول العرش نفهم من ذلك حتى هذه المخلوقات العظيمة لا تستطيع أن ترى الرحمن سبحانه و تعالى. فإذا فهمت ما كتبته سابقا سترى عظيم ذكر اسم “الرحمن” في أنه على العرش استوى، و هذا ما يثبت نظريتي السابقة اثباتا قويا جدا لمن فقه شيئا يسيرا منها. 


ما الذي أريد أن أقوله و الذي قد لا يعجب البعض؟ أن الله عندما خلق السماوات و الأرض كان في نطاق هذا العالم المخلوق. لا تغضب بسبب تأثرك بكلام الفلاسفة، و لا تنفعل تأثرا بأهل الكلام أنّك كيف تجعل الله هكذا، يعني أنت مجسّم! اصبر علي! الدليل على أن الله خلق السماوات و الأرض في نطاق نفهمه نحن البشر ذكره لخلق السماوات و الأرض في ستة أيام. 


من أجل إرضاء المجتمع العلميّ، كثير من العلماء والمفكرين والدعاة والمثقفين المعاصرين يحاولون تفسير الأيام الستة المذكورة في هذه الآيات على أنّها ليست الأيام التي يعرفها البشر، إنما أيام من أيام الله عزّ وجلّ. فيقولون: لا أحد يعرف ما هذه الأيام إلا هو سبحانه، ولعلّها تتساوى مع مليارات السنين؟ و هذا غير صحيح، بل الأيام هي الأيام المعروفة عند البشر فإن لم يكن كذلك هل كان الله سيوحي إلى نبيه أياما، ويكرّرها في أكثر من موضع من دون أن يفهم الناس أيّ أيام يقصد؟ ثمّ لماذا لا نجد المشركين أو أهل الكتاب أو غيرهم سألوا: ما مقدار تلك الأيام؟ أليس لأنّ الأمر واضح، وأنّ المقصود بالأيام الأيام المعروفة عند البشر؟ ألستم تقولون: إنّ القرآن مُيسر، حتى الفلاح في مزرعته سيفهمه والخباز في مخبزه سيفهمه، ويقرأه بسهولة ويسر. بالله عليكم، لو أنّ الإنسان العاميّ قرأ القرآن، وقرأ الآيات التي فيها خلق السماوات والأرض في ستة أيام ماذا سيفهم من ظاهر الآيات؟ أليست الأيام المعروفة عنده؟ هل تظنون أنّ الناس بشكل عام سيقومون بتحليل أنّ الأيام قد يعني أياما خاصّة أخرى؟ كلا لن يحدث ذلك! ولا أظنّ أنّ أحدكم سيجيب بغير هذا، فإن كان كذلك فلماذا إذن تُحرّفون ظاهر معنى الآية؟ 


لمزيد من التفاصيل عن الستة أيام اقرأ هذه السلسلة:


https://twitter.com/AbdulAziz_Mohd/status/1500138538440228864?s=20&t=_V8NEspUK1tOxDNRK8-fHg


إذن، إن قلنا أن هذه الأيام هي الأيام المعلومة لدى البشر و هو كذلك، نقول لهم إن الله عز و جل بعد أن خلق السماوات و الأرض في ستة أيام، استوى على العرش الذي هو خارج نطاق هذا العالم و بالتالي ناسب أن يكون “الرحمن” هو الاسم الذي اختاره مباشرة للاستواء على العرش. 


و لهذا من قرأ في الديانات و الفلسفات القديمة سيجد أقوالا مشهورة سأذكر بعضا منها.


الأولى و هي مشهورة عند الربوبيين، أن الله خلق السماوات و الأرض و هذا الوجود ثم تركهم و شأنهم و لا يبالي بهم (سبحانه و تعالى) و لا يتدخل في شؤونهم، بمعنى أنه لا ينزل الكتب و لا يرسل الرسل و لا يأتي بالآيات من مثل فلق البحر و ما إلى ذلك. 


و من الفلسفات القديمة أن الله بعد أن خلق العالم السماوات و الأرض و بما أنه الله الخالق إذن صار جزء من العالم، بمعنى أن الله و الكون الذي نعرفه أتحدوا و صارا شيئا واحدا (سبحانه و تعالى)، و بنيت على هذه الفكرة كثير من الأفكار الهندوسية و البوذية الصينية و بعض الفلسفات القديمة و الأفكار الكلامية. 


و منها أن الله بعد أن خلق العالم انشغل بأعماله الخاصة (سبحانه و تعالى) التي لا تخص البشر. هذه تجدها في بعض الأساطير. 


هذه الأفكار مهمة جدا، لماذا هي مهمة؟ لأنها تبين لنا إحدى تلبيسات إبليس، طريقة إبليس في الإغواء هي تلبيس الحق بالباطل، يعطيك جزء من الحق و فيه باطل عظيم، أو جزء عظيم من الحق غير أن فيه باطل مهلك و هكذا. لا يأتيك مرة واحدة بكل الباطل لأن الباطل المحض سيرفضه الناس مباشرة، و لكن إن خلط حقا مع باطل أي لبّس عليهم الأمر لأنه إبليس فإذن قد يقبله الناس. 


الآن تعالوا لندرس هذه الأفكار و نرى ما فيها، الفكرة الأولى أن الله خلق السماوات و الأرض ثم تركهم هذه الفكرة غير صحيحة، الصحيح أن الله خلق السماوات و الأرض ثم استوى على العرش أي استوى على عرش هو خارج نطاق العالم الذي نعرفه. غير أنه يبالي بخلقه و أنزل الكتب و ما إلى ذلك. أصحاب هذه الفكرة انتبهوا لأمر صحيح و هو أن الله استوى على عرش هو خارج حدود السماوات و الأرض و لكنهم ضلوا في الجزئية الثانية و هي أنهم قالوا أنه لا يبالي. فهنا خلطوا حقا و باطلا و ما كان كذلك فالنتيجة العامة للفكرة تكون باطلا. 


الفكرة الثانية أن الله خلق السماوات و الأرض ثم صار جزء من هذا العالم، هؤلاء عكس الذين قبلهم، أخطؤؤا في الجزئية الثانية، إذ الله لم يتحول إلى جزء من هذا الوجود بل هو محيط بهذا العالم و خارج نطاقه باستوائه على العرش. و لأنه الرحمن الذي استوى على العرش، فله علاقة بكل شيء في هذا الوجود، هناك رحم (صلى) بينه و بين المخلوقات كلها، التي نراها و التي لا نراها. > (الذي أعطى كل شيء خلقه (قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ) سبحان الله أن تأتي هذه الآية في سورة طه بالتحديد لمن العجب. و الدليل الآخر (و هو معكم أينما كنتم) إذن هذه الفئة من الناس انتبهت لمعنى من معاني اسمه الرحمن لكنها ضلّت بتلبيس إبليس عليهم.


الفكرة الثالثة أن الله انشغل بأعماله الخاصة، هذا لا يستقيم إن قلنا إن الله له أعمال غير أعمال البشر لا يستطيع أن يكون مهيمنا عليها لأنه إن انشغل بأمر ما قد ينشغل عن البشرية و عالمها. و هذا خطأ و باطل، و لكنهم قد انتبهوا إلى حقيقة أن الله قد يكون في شأن غير شأن هذا العالم الذي نحن فيه، بدلالة الآية العجيبة من سورة الرحمن: (يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) إذن ليس فقط يسأله من في الأرض بل حتى في السماوات، سبحان الله أن تأتي هذه الآية العظيمة في هذه السورة بالتحديد أعني سورة الرحمن من الأدلة القوية جدا على نظريتي. و ليس هذا فحسب، بل في السورة نفسها نجد التالي: > (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ) خلط أصحاب الفكرة الباطلة فإنهم لم يفرقوا بين الانشغال و الانظار و الموعد. لأنهم لو علموا ذلك و فهموا معنى اسم الرحمن سيعلمون أنه من لوازم هذا الاسم أن يكون عليما بكل شيء مهيمنا على كل شيء. 


إذن كما ترى تلك الأفكار الباطلة لعل بعض أصحابها انتبهوا لأمر صحيح غير أنّهم خلطوا بذلك الفهم الصحيح فهم باطل سقيم فكانت النتيجة كما هي. و القارئ في تلك الديانات و الفلسفات و الأساطير سيدرك قيمة ما كتبته هنا. 


من الذي سبق نجد أن أنسب اسم للاستواء على العرش بالمعنى الظاهر من الاستواء على العرش هو اسمالرحمنللأدلة المذكورة. و الله هو الهادي إلى الحق و صراط مستقيم و إليه المصير.

مجددا - معنى اسم الرحمن

 



أخذا برأي الإخوة، أبدأ هذه السلسلة بالكتابة عن اسم الله الرحمن. بداية هذه المسألة كانت سنة ٢٠١٠ أو ٢٠١٢ تقريبا إن لم تخني الذاكرة، و نشرت مقالة في مدونتي القديمة عن معنى اسم الرحمن. الفكرة كانت باختصار أن اسم الله (الرحمن) اسم علم كما هو اسمه “الله”. يعني ليست من الأسماء من مثل (الرحيم، العزيز، الحكيم) و التي قد يتسمى بها غيره و الأسماء التي يفهم مباشرة نعوته سبحانه و تعالى. و أنه اسم رب المخلوقات التي لا نراها (الملائكة و الجن…الخ) و التي خارج نطاقنا الحسي. و ليس فقط اسم يخوّف به الله عباده كما قال أبو عرفة بارك الله فيه، و لا اسم فقط يجتمع فيه الأضداد كما قال شحرور رحمه الله. لمزيد من التفاصيل اقرأ كتاب النظرية الكبير أو المختصر (آن). 



نعود لاسم الرحمن، لاحظ ورود اسم الرحمن في القرآن، أين تجده؟ وفي أي السور التي وردت؟ نجد أكثر ورود لهذا الاسم في السور التي أزعم أن لها علاقة بالجن والعالم الخفي (الغيبي) والتي تبدأ بالأحرف المقطعة، مثل سورة البقرة ومريم وطه والأنبياء والفرقان والشعراء والنمل ويس وفصّلت والزخرف وق والرحمن والحشر والملك والنبأ. مرة أخرى تفصيل هذه العلاقة يطول جدا و ليس من غرضي في هذه السلسلة.


تأملت اسم الرحمن في القرآن الكريم فوجدت أن هذا الاسم بخلاف ما يعتقده أكثر الناس من أنه أبلغ من الرحيم، أو أنه فقط اسمه يخوّف به الله عباده، صحيح هذا الاسم فيه معاني الهيبة والعظمة والعزة والكبرياء ومعاني الملك، وليس فقط الرحمة كما ظن بعض أهل التفسير، بل إني أظن أن ما قاله العلماء في معنى اسم الرحمن بأنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة قد تكون بعيدة عن حقيقة معنى هذا الاسم، أعني اسم "الرحمن"، فإن هذا المعنى أقصد ذو الرحمة الواسعة نجده في اسم الله "الرحيم" ولكن لا أدّعي أن معنى اسم الرحمن لا يشمل الرحمة، فبعض أسماء الله تلزم أسماء أخرى كذلك اسم الله تلزم أشياء كثيرة.


بعد تدبري للآيات التي فيها ذِكر اسم الرحمن وجدت أن هذا الاسم العظيم يأتي على أكثر من وجه، لكن أظهرها هذا الوجه؛ مناسبة مع الغيب (العالم الآخر أو كما يسميه بعض العلماء الملكوت) واليوم الآخر والوعيد. أمور لا تستطيع أن تجعلها تحت الاختبار الحسي. 


سأضرب بعض الأمثلة لأوضح ما أقصد، ذُكِر اسم الرحمن في سورة البقرة في الآية 163 ((وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم)) لكن تأمل الآية التي قبلها، قال الله سبحانه وتعالى: ((خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون)) وبعدها مباشرة قال: ((وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم)) فهنا نجد اسم الرحمن لأن قبلها فيه ارتباط بيوم القيامة.   


نجد في سورة مريم أن اسم الرحمن ذكر مرات كثيرة، مثال ذلك: ((قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً)) تأمل استعاذت مريم عليها السلام باسم الرحمن ولم تقل أعوذ بالله العزيز أو أعوذ بالجبار أو القوي الخ، وهذا واضح لأن في حالة الخوف والضعف الإنسان يستعيذ بأقوى شيء يعرفه، و إن أضفنا على ما سبق و قلنا: إن الاسم له علاقة بالغيب أو العالم الخفي، فلهذا استعاذت مريم من الروح الذي تمثّل لها بشراً سوياً، إذ عرفت أنه مخلوق خارق للعادة وليس كبقية الإنس.


أما إن أخذنا اسم الرحمن على المعنى المتعارف عند أهل التفسير والناس عامة، ربما من أراد أن يسيء إلى مريم سيقول: "نعم إن كان رحماناً فسيغفر لي وسيسامحني فرحمته وسعت كل شيء الخ" بخلاف إن ذُكِر أمامه الاسم العظيم الذي يعرفه الإنس و الجن. سأضرب لك مثالاً لأوضح لك ما أقصده، تخيل إن كان عندك إنسان حليم ورؤوف ورحيم، وآخر قوي جبار قادر فبأي منهما ستخوف وتحذر وتهدد وتتقي؟ إن جاءك سارق يريد أن يسرق منك، هل تهدده بإنسان رؤوف رحيم أم بالشرطة والمحكمة وغير ذلك؟ هذا واضح لمن تأمله والله أعلم.


في نفس السورة نجد اسم الرحمن في الآية: ((يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن)) قالها إبراهيم عليه السلام يُحذّر والده ويذكره بالله فاستخدم الاسم اللائق لمقام التخويف، لأن لهذا الاسم كما قلت له علاقة قوية مع ملك الله وعظمته ويوم القيامة والوعيد. ثم إن إبراهيم عليه السلام كان حريصاً أن يؤمن والده فلم يكن ليستخدم اسماً من أسماء الله فيها معنى الرحمة الواسعة العظيمة فإن المقام مقام تحذير وتخويف، وإن كان معنى اسم الرحمن كما هو متعارف عليه اليوم بين الناس فربما كان في قلبه يكون: "هو الرحمن لن يعذبني" كما يقول معظم النصارى اليوم خاصة عندما تدعوهم إلى الإسلام، والأمر الأهم أن هذا الخطاب كان من إبراهيم لآزر، وقد بيّنت في هذا الكتاب أن آزر من الجن، فناسب أن يُذكّره بالرحمن، ولعلّ هذا الاسم أعني اسم الرحمن هو الاسم العلم للإله عند الجن. 


تأمل أيضاً في سورة مريم قال الله سبحانه وتعالى: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا)) سجداً وبكياً، وكأنه مقام خشية وخوف كما أخبر الله عن خشية الملائكة في آية أخرى فناسب أن يذكر اسم الرحمن. ولاحظ ماذا قال بعدها: ((فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)) تأمل هذه الآيات تجدها مرتبطة ارتباطاً شديداً مع اليوم الآخر، ومن آمن باليوم الآخر فهو لا شك يخاف العذاب، واليوم الآخر من الغيب، ففي هذه الآيات تجد الأوجه الثلاثة التي ذكرت واضحة جلية والله أعلم. 


وأيضاً هذه الآية من نفس السورة: ((جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا)) تأمل الغيب ووعده، وقال في نفس السورة: ((ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا)) وهذا مقام تهديد ووعيد، وفيه هيبة وعظمة وتخويف ما الله به عليم، وهو مرتبط باليوم الآخر فناسب ذكر الاسم الذي فيه صيغة آن اسم "الرحمن". 


ضع مكان الرحمن اسم الرحيم في الآيات السابقة وستجد بأنه لا يليق أبداً بالمقام ولا اسم الرؤوف أو الودود، كلها لا تليق مثل اسم الرحمن. 


لنكمل معاً، اقرأ هذه الآية: ((قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا)) مقام وعيد وتهديد واليوم الآخر، وكذلك الآية التالية ((أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا))، تأمل الغيب وتمعّن فيما بعدها: ((كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا))، الرحمن ويمد له من العذاب مداً؟ سبحان الله! وهكذا تأمل في سورة مريم ستجد فيها علامات ظاهرة لنظرية آن، لن نفهم هذه الآيات جيداً إن قلنا: إن معنى اسم الرحمن هو المعنى المشهور عند الناس من المبالغة في الرحمة، لن يستقيم أن تقول: الرحيم سيعذب فلاناً تعذيباً، ولكن لو قلت: العزيز أو الجبار أو غيرها من أسماء الجلال فنعم! لذلك فلا أشك أن اسم الرحمن فيه من معاني الملك والعظمة والهيبة والقوة ومناسبة مع الغيب والعالم الخفي والمخلوقات الخفية بخلاف ما يقال عن هذا الاسم من قبل العلماء رحمهم الله.   


ومناسبة مع الغيب واليوم الآخر نجد قول الله سبحانه وتعالى: ((يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا)) تجد كيف معنى الملك واضح جداً في هذا الاسم، وتأمل كيف هو مرتبط باليوم الآخر، وأيضاً في هذه الآية ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا)) تأمل كيف استخدم الرحمن ولم يستخدم اسم الودود أو الأسماء التي فيها معاني الرحمة والشفقة لأن الملك العظيم ذا الكبرياء والعظمة إن أحبك وودّك فأنت تفرح بذلك أكثر بكثير من إن أحبك إنسان هو بطبعه ودود ورحيم.


وهذا نجده في الحياة اليومية، بمعنى إن كان أمامك شخصان، أحدهما شديد العقاب والثاني رؤوف رحيم، من تفضل أن يرحمك؟ لا شك أن الغالبية سيفضلون أن يحبهم من يخافونه ويخشونه، لأن ذلك فيه طمأنينة بنسبة أعظم إن أحبك من هو حليم رفيق رحيم. 


ثم تأمل العظمة في آخر آية في سورة مريم: ((وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا)) فإن أخذنا المعنى المتبادر لعل لقائل يقول: هذا هو الرحمن لماذا يهدد وأتى بالوعيد، وختم السورة بأنه أهلك القرون وغيرها، هذه الأمور تليق بأسماء العزة والجلال مثل العزيز والملك والجبار والعظيم؟ وسبحان الله تأمل في قوله (هل تحس) و(أو تسمع لهم) مما يدل على ما ذكرت.





قال الله سبحانه في سورة طه: ((طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى * تَنزِيلا مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى)) طبعاً اسم الرحمن موجود، لكن تأمل في الآيات ستجد الأوجه الثلاثة التي ذكرتها في بداية هذا الفصل موجودة، انظر علاقة الرحمن بإنزال القرآن مثله كمثل آية أخرى (( تنزيل من الرحمن الرحيم)) والآية التي بعدها تذكرة لمن يخشى أي يخشى الرحمن ويوم القيامة، وبعدها بدأ بذكر ملكه وعظمته وكبريائه فذكر بعد خلق السماوات والأرض أنه على العرش استوى، فلم يستخدم أي اسم آخر إلا الرحمن، لأن العرش أعظم المخلوقات، وكما قال علماء السلف بأن العرش فوق جميع المخلوقات وقد وصف الله العرش بالمجيد والعظيم  الخ كلها أسماء فيها هيبة وعظمة فناسب أن يقول: ((الرحمن على العرش استوى)) لأن هذا الاسم فيه هيبة وعظمة وملك بخلاف ما يظنه معظم الناس من معاني الرحمن، ولم يستخدم اسم الملك أو المالك، ولكن الرحمن، لأن اسم الملك يندرج تحت اسم الرحمن والله أعلم، وجميع تلك الأمور من الغيب، من إنزاله القرآن ومن استوائه على العرش ومن حكمه يوم القيامة.


في سورة طه نجد آيات عظيمة، أعني هذه الآيات: ((يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا)) هذه الآية من تأملها وجدها أشبه آية بآية الكرسي من سورة البقرة، لكن الفرق هنا أنه مخصوص بذكر يوم القيامة، وفيه ذكر للجن أعني السامري، فناسب أن يذكر الرحمن، أما في آية الكرسي بشكل عام فناسب أن يكون الاسم: "الله"، هذا أولاً. 


أما ثانياً: تأمل كيف قال الله سبحانه وتعالى: (وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً) ومثل هذا الخشوع عادة يكون في حضرة الملوك ذوي الهيبة والعظمة، أما الملك الودود والرحيم فبخلاف هذا، ولله المثل الأعلى ولكن تأمل في أخبار ملوك الدنيا تجد ما أقوله لك صواباً. 


في سورة يس نجد هذه الآية: ((إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ)) تأمل بما أن الموضوع فيه غيب وخشية واتباع للذكر فناسب استخدم الرحمن فهذا مناسبة الثلاثة أوجه التي ذكرتها.


وأيضاً قال في سورة ق: ((مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ)) وكما قلت في البداية: هناك وجه آخر متعلق بالقرآن والذكر، فقال الله: من اتبع الذكر، وقال في نفس السورة: ((قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ)) تأمل قوله: ما أنزل الرحمن وكأن هناك مناسبة، وتأمل الوجه الثالث أقصد المناسبة بين اسم الرحمن ويوم القيامة تأمل في نفس السورة قول الله سبحانه: ((قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)) وكأن أخص اسم لله في يوم القيامة هو الرحمن لأنه الاسم الذي له علاقة بالعالم الخفي والغيب والمخلوقات الخفية، تأمل ما قال الله سبحانه وتعالى في سورة النبأ: ((يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لّا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا)) هذا يوم القيامة، وتأمل ذكر الروح والملائكة وكلهم لا يتكلمون من هيبة الله وعظمته وهذا يشبه آية سورة طه: ((وخشعت الأصوات للرحمن)). وفي مناسبة تكرار ذكر الرحمن في سورة مريم وورود ذكر الروح في سورة مريم ثم ورود الروح والرحمن في آية من الدلائل والعلامات على النظرية لقوم يتفكرون.


أذكر مرة تكلمت مع أحد الفضلاء وتلميذ له عن سر ذكر الرحمن في سورة تبارك: ((ما يمسكهن إلا الرحمن)) وفي سورة النحل: ((ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله)) فبعد أن لم أجد الإجابة عندهم قلت: لعل السر أن سورة النحل هي سورة النعم وفيها من تسخير الله مخلوقاته ونعمه الشيء الكثير والظاهر، يعني يراه الإنسان ويتنعّم بتلك النعم، وأما سورة الملك فكون اسم السورة "الملك" ففي ذلك الكفاية. اسم السورة سورة "الملك" فلذلك ناسب أن يذكر اسم الرحمن وليس هذا فحسب بل السورة لها علاقة بالغيب علاقة ظاهرة. 


إن تأملت سورة الملك لوجدت أن اسم الرحمن تكرر فيها أربعة مرات، قال الله سبحانه: ((الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ))، ففي هذه الآية بيان الوجه الأول (ملك الله وعظمة الله وكبريائه)، وقال الله سبحانه أيضاً: ((أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ))، وقال أيضاً: ((أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ))، وقال أيضاً: ((قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ))، وهنا لطيفة، أن الإنسان في حياته عادة يتوكل على شخص قوي وعزيز يستطيع تنفيذ أمره ولا يمنعه مانع، تأمل الآية التي قبلها والسياق ولله المثل الأعلى ستجد مناسبة ذكر اسم الرحمن في هذا الموضع.   


باختصار الذي أريد أن أقوله: هو أن اسم الرحمن هو اسم عَلَم، اسم العلم الذي يعرف به الله في العالم الغيبي والخفي، عند المخلوقات التي لا نراها ولا نفقه كلامها وهو اسم الملك العظيم الذي يهابه الكل، وهذا الاسم خاص بالله سبحانه وتعالى لا يشاركه فيه أحد، ولا يمكن أن يترجم مثله مثل اسم الله، والعجيب أن هذا الاسم هو الاسم الوحيد الذي هو آية بحد ذاته، أعني الآية الأولى من سورة الرحمن هي "الرحمن" بمعنى أن الرحمن آية بحد ذاته، وسبحان الله هذا الاسم هو الاسم الوحيد الذي عنون به سورة كاملة، هذه السورة التي فيها خطاب مباشر للثقلين، الإنس والجن

لماذا سليمان و ليس سلومون

 


كلنا نعرف النبي الملك سليمان بن داود عليهما السلام، يُنطق اسمه في اللسان العربي "سُلَيْمان لاحظ أن نهاية الاسم فيها صوت "آن". لكن في اللغة العبرية يُكتب اسمه هكذا שְׁלֹמֹה ويُلفظ شلومو أو شُلمو وبالإنجليزية تُكتب Solomon  ويُلفظ "سُلومون". 


في السابق كنت أسأل نفسي، لماذا في الكتب السابقة لم يكن اسمه سليمان بدلاً من شلومو أو سلومون؟ لماذا في القرآن فقط اسمه "سليمان"؟  لم أفهم حينها السبب، ولكن بعد أن فهمت النظرية، وحاولت تطبيقها أظنني عرفت إحدى الأسباب. وذلك لأن القرآن فيه قصص الملك سليمان عليه السلام مع الجن، وله علاقة بالجن أو الغيب.  


اقرأ في سورة النحل ستجد هذه الآية: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ)، وفي سورة النمل إذ نجد فيه قصة الملك سليمان مع ملكة سبأ، نجد هذه الآية التي فيها ذكر عفريت من الجن: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)، وفي سورة ص يُعدد الله العزيز الوهّاب عطاءه لسليمان، اقرأ هذه الآيات: (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، وفي قصة موته هناك ذكر للجن أيضاً، اقرأ هذه الآية من سورة سبأ: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)، وفي سورة البقرة ذكر تبرئة سليمان من الكفر، قال العليم الحكيم في هذه الآية: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، كما ترى، هناك علاقة واضحة في القرآن بين سليمان من طرف والجن والشياطين (المخلوقات الخفية) من طرف آخر


عن نفسي، قرأت العهد القديم من الكتاب المقدّس مراراً، وقرأت قصص سليمان المذكورة في الكتاب المقدّس، غير أني لم أجد فيه أية قصة فيها خبر علاقة سليمان بالجن، بالرغم من أن هناك بعض القصص التي تشبه القصص المذكورة في القرآن كقصة ملكة سبأ، لكن ليس فيها ذكر للجن أو الشياطين وهذا عجيب، ومن أجل هذا أقول: إن اسمه في القرآن ينتهي بـ(آن) لأن له علاقة بالجن والعالم الخفي. هل هذه مصادفات؟ الإجابة عندك.


بالرغم من كون النبي داود هو والد سليمان إلا أنّه ليس له علاقة ظاهرة مع الجن أو الشياطين، أو بالأصح ليس بين أيدينا في القرآن أو السنة النبوية الصحيحة قصص مذكورة عن علاقة داود بالجن بالتسلّط عليهم أو تسخيرهم أو شيء من هذا القبيل، ومن أجل هذا لا نجد في اسمه ما يدل على علاقته بالجن أو الغيب بخلاف سليمان. أتمنى أن تتوقّف هنا وتتفكّر، فإن ما ذكرت جدير بالتأمل. وعندما أقول: ليس هناك قصص فلا أعني نفي ذلك البتة، فإن أي إنسان يعيش اليوم ربما له تجربة مع الجن، لكن هذه التجربة تكون حالة استثنائية، بخلاف سليمان عليه السلام إذ كان يخاطبهم ويعملون له وما إلى ذلك.


في صحيح البخاري حديث عن سليمان عليه السلام، استنكره كثير من الناس ومن أجله جعل جمع من الناس يُكذّبون البخاري وما في كتابه من الأحاديث، وبمثل هذه الأحاديث يقوم بعض المُغرضين بتشويه سمعة البخاري وغيره من علماء الحديث وكتبهم والأخبار النبوية بشكل عام. وهذا الحديث هو التالي: "أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمانَ عليه السَّلامُ كانَ له سِتُّونَ امْرَأَةً، فقالَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ علَى نِسائِي فَلْتَحْمِلْنَ كُلُّ امْرَأَةٍ، ولْتَلِدْنَ فارِسًا يُقاتِلُ في سَبيلِ اللَّهِ، فَطافَ علَى نِسائِهِ، فَما ولَدَتْ منهنَّ إلَّا امْرَأَةٌ ولَدَتْ شِقَّ غُلامٍ، قالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لو كانَ سُلَيْمانُ اسْتَثْنَى لَحَمَلَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ منهنَّ، فَوَلَدَتْ فارِسًا يُقاتِلُ في سَبيلِ اللَّهِ"


فقالوا: كيف لإنسان أن تكون له القدرة فيجامع ستين امرأة في ليلة واحدة؟ هذا يُخالف العقل والواقع، وقالوا: لو أنّه استغرق بعض الوقت مع كل واحدة منهن فإن الليل سينقضي. إن افترضنا أن هذا الحديث صحيح ثابت عن النبي سأقول ما غفل عنه هؤلاء أن سليمان لم يكن كبقية الناس بل كان ملكاً أوتي ملكاً عظيماً كما نفهم ذلك من سورة ص: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ)، ولعله من الأشياء التي حصل عليها قدرات بدنية خارقة للعادة


وأما عن الوقت وطول الليل وما إلى ذلك، فهناك بحث جدير بالنظر والاهتمام، وهو من الشيخ صلاح الدين ابن إبراهيم المعروف بأبي عرفة، يُثبت فيها أنه كان لسليمان القدرة على التحكم بالوقت مستدلاً بآيات وكلمات من القرآن. أقتبس عدة مواضع من مقاله المنسوب له على الشبكة:


"بداية السؤال إذا كانت "المنسأة" هي العصا، فلِمَ قال الله الحكيم: "منسأته" ولم يقل: "عصاه"؟ ظاهر الآية يرفض ما قاله المفسرون، فالمفسرون جزاهم الله خيراً، على أن "الأرضة" أكلت "العصا" حتى نخرتها، فانكسرت، فسقط سليمان أرضاً، فعلم من علم بموته بعدما خر على الأرض! ولا حاجة للخوض في أكثر من هذا من مدة لبثه متكئاً على "عصاه" سواء بقول من قال: شهراً، أو سنة، أو أربعين سنة. فليس عندنا من الله أو من رسوله في هذا شيء، واختلافهم دليل على أن لا نص عندهم من الله ورسوله، وإنما العلم ما قال الله وقال رسوله.  


فظاهر الآية يشير بشكل جلي أن من استدل على موته ممن حضره إنما استدل بما رآه من أن دابة الأرض "تأكل" منسأته، بالفعل المضارع، فهو استدل على الموت من الفعل الحاضر في الأكل، لا بعدما مضى الفعل وصار ما صار! فعندما رأى الدابة "تأكل" المنسأة علم أن سليمان قد مات أي قبل أن يخر سليمان، وإنما أفاد الخرّ شيئاً آخر يخص الجن بأنهم لا يعلمون الغيب (فلما خر تبينت الجن)، أما دلالة الموت فكانت حاصلة قبل الخر، بأن الدابة تأكل المنسأة! إذاً في القصة شيء آخر غير ما يروى، فما هو؟ وما "المنسأة" إذا؟ 


المنسأة على وزن مِفعلة، وهو الوزن الذي تستعمله العرب للدلالة على اسم الآلة فتقول: مِجرفة، ومِكنسة، إذا قصدت آلة الجرف وآلة الكنس، فما المنسأة؟ "المنسأة" اسم آلة للنسأ، فما النسأ؟ "النسأ" في القرآن الزيادة أو التأخير في الزمن، ومنه ربا النسيء، ومنه آية سورة التوبة: (إنما النسيء زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله)، وهو ما كانت تفعله العرب من زيادة الفترة وتأخير الشهر الحرام لحاجة عندها، فسمي هذا التأخير والزيادة نسيئاً.  


فما علاقة "المنسأة" و"الزمن" إذاً؟ الملاحظ أن هذه الآية جاءت بعدما ذكر الله متعلق الزمن،"الشهر" بريح سليمان في الآية التي تسبقها (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر). وسبق وأشرنا عن علاقة "النسأ" والزمن المتعلق بـ"الشهر" الوارد في سورة التوبة، ولن تجد من يماري بمثل هذه العلاقة، إذا علمت أن الآية التي تسبق آية النسيء في سورة التوبة مباشرة هي هذه (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً). فهذا هو "الزمن" وهذا هو "النسأ" مرة أخرى! وكما أن العلاقة لازمة بين الشهر والنسأ في التوبة، فهي كذلك في سبأ.  


ثم هذا حديث النبي عليه الصلاة والسلام يقضي بيننا بالحق: "صلة القربى مثراة في المال، محبة في الأهل منسأة في الأجل". فمن منا لا يرى استعمال النبي عليه الصلاة والسلام "للنسأ" حينما أراد الحديث عن الأجل؟! والأجل بلا ريب، هو ما يطلق على الزمن المحسوب، منإلى؟ أما من استدل بشيء من الشعر على أنها العصا ووقف عندها فلم يعدل، إذ لم يقل لنا لِمَ يقول الله: "عصاه؟" والاستدلال بالحديث فوق الاستدلال بالشعر بلا خلاف.  


ولا نقول بالضرورة إن المنسأة ليست عصا، فلا يمنع أن تكون على هيئة العصا، ولكن بحثنا ومرادنا عن مطلب المنسأة وما وراءها، وما كانت له، إذاً، فقد بات واضحاً وبدليل حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي استدللنا به أن الأمر متعلق بالزمن والأجل، وليس أدل من ظاهر الآية على هذا، إذ لم تكن "المنسأة" إلا للتدليل على "أجل" سليمان وموته!


باختصار، فالمنسأة بهذا،"أداة للزمن"، وقد تكون بهيئة العصا، كانت على رأس ملك سليمان، ملازمة له، متعلقة فيه، استدل من استدل على انقضاء "أجله" بذهاب" أداته الزمنية" التي كان يملك بها سليمان زمام "الزمن الأرضي"، وقِفْ عند "دابة الأرض" الواردة في الآية فيزيد فيه ويأخره بالقدر الذي يعينه على فعل أوامر الله الملك، تماماً مثل ما يحلم العلماء التقنيون اليوم بالسيطرة على "الإزاحة الزمنية"، سواء بتسريعها أو بإبطائها، ذلك الذي سبقهم إليه النبي "المؤتى من كل شيء"، وبما سخر الله له ليجعله آيته وحجته على الحضارة البشرية حتى منتهاها أن القوة لله جميعاً.


وهذا ما قد يعيننا على فهم حديث النبي الصحيح عليه الصلاة والسلام، حين قال: "قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، كل تلد غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه - قال سفيان: يعني الملك - قل: إن شاء الله، فنسي فطاف بهن فلم تأت امرأة تلد منهن بولد إلا واحدة بشق غلام". فكيف يطوف بليلة واحدة لا تتجاوز بضع ساعات على تسعين امرأة، وهو النبي الملتزم بسنن الأنبياء من الطهارة والأدب وحسن المعاشرة، وما قد يلزمه هذا من الزمن الطويل، إن غضضنا الطرف عن القدرة الجنسية التي لم يثبت أن لأحد من الرجال مثلها؟ اللهم إلا إذا كان للمنسأة شأنها، وما يفعل بها النبي سليمان من "الزيادة" في الزمن حتى يقضي هو بليلة ما يقضيه الرجل السوي ببضعة أشهر!.


أكتفي بهذا القدر عن سليمان وسنتحدث عن شخصية أخرى تنطبق عليها هذه النظرية، أعني نظرية آن في القرآن