Friday, February 13, 2015

دراسة حديث - "أوتيت القرآن و مثله معه"


السلام عليكم و رحمة الله و بركاته… منذ فترة و لم أكتب شيئا في الحديث، و قبل أيام سألني أحد الإخوة عن الحديث المنسوب للرسول صلى الله عليه و سلم: "ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته ، فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه . وما وجدنا فيه حراما حرمناه ، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله.” و في رواية عند الإمام أحمد: “يوشك أحدكم أن يكذبني وهو متكئ على أريكته يحدث بحديثي ، فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه ، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ، ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله” و في رواية عند المروزي: “ألا إني أوتيت الكتاب و مثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه” والحديث أثار فضولي فقلت أبحث عنه و ما يتعلق بالحديث في هذه المشاركة و أضع رأيي الشخصي. و الحديث مروي بهذا المعنى في كتب كثيرة و منسوب لعدد من الصحابة و هذه المشاركة ستكون خاصة بالحديث المروي عن طريق الصحابي المقدام بن معد يكرب الكندي و ما ستجدونه من تعليقات مبني على ما هو متوفر لدي من كتب و معلومات. ثم إن الموضوع طويل نوعا ما، من أراد أن يعرف رأيي باختصار فليقرأ آخر فقرة. 

أولا المعنى المفهوم من الحديث هو مذكور في عدد من الأحاديث المنسوبة للرسول صلى الله عليه و سلم عن طريق عدد من الصحابة. والصحابة الذين نُسب إليهم حديث في هذا المعنى هم: المقدام بن معد بن يكرب الكندي، أسلم القبطي أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، العرباض بن سارية، عبدالله بن عمر، أبو هريرة، جابر بن عبدالله، خالد بن الوليد و أخيرا عبدالله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين. معظم هذه الروايات ضعفها المحدثون، و لعل أقوى طريق للحديث سندا هو حديث المقدام بن معد بن يكرب الكندي. 

ثانيا، هذا الحديث غير مروي في صحيح البخاري أو صحيح مسلم و هذه الحقيقة بذاتها تفتح أبوابا للطعن في صحة هذا الحديث. تفكروا معي… حديث بهذه الأهمية، فيها تشريع واضح وصريح للسنة النبوية (كما يعرفها علماء الحديث) من السنة نفسها و رد على شبهة مثارة قديما و حديثا ثم لا يورده البخاري أو مسلم فهذا أمر عجيب! و الحقيقة عدم إيراد البخاري لهذا الحديث في صحيحه فيه رد على الحمقى الذين يتهمون البخاري بالمؤامرة و أنه أراد أن يصرف المسلمين عن القرآن و يصدهم عنه و أنه اخترع الأحاديث كذبا و زورا، ألم يكن باستطاعته أن يضيف هذه الكذبة في كتابه و قد روى هذا الحديث الإمام أحمد و غيره؟ هكذا يدرك المرء حماقة أولئك الذين ليس لهم شغل سوى الطعن في نية البخاري أو أنه عدو للإسلام و يحملونه سبب فرقة المسلمين اليوم والله المستعان.

بالإضافة إلى أن البخاري و مسلم لم يخرجا الحديث في صحيحهما فإن النسائي كذلك لم يخرج الحديث في كتابه و معروف عند بعض من علماء أهل السنة و الجماعة بأن كتاب النسائي يأتي في المرتبة الثالثة بعد البخاري و مسلم. و أيضا لم أجد الحديث في كتاب السنن الكبرى للنسائي (ملاحظة: الكتاب ليس عندي مطبوعا للأسف ولكني بحثت في الكتاب في الشبكة فلم أجد الحديث فيه وربما مهارتي في البحث على الشبكة قد تكون ضعيفة). أضف إلى ذلك بأن الإمام مالك لم يروي هذا الحديث في في الموطأ و هو من أقدم كتب الحديث، و شخصيا كما صرحت سابقا بأن قلبي يطمئن أكثر عندما أجد الحديث في موطأ الأمام مالك و صحيح البخاري و صحيح مسلم ولكن للأسف لم أجد هذا الحديث عند أي واحد منهم.

من تتبع طرق الحديث سيعلم بأن مناسبة الحديث كان في زمن غزوة خيبر و بعض الروايات فيها تصريح أن المقدام بن معد كان غازيا مع الرسول صلى الله عليه وسلم! و أن تحريم الحمار الأهلي أو الحمر الأهلية جزء من هذا الحديث. الغريب في الأمر أن تقريبا كل كتب الحديث فيها حديث نهي أكل الحمار الأهلي أو الحمر الأهلية ثم لا نجد الجزء الآخر من الحديث لا عند البخاري و لا مسلم ولا النسائي ولا موطأ الإمام مالك. أما الصحابة الذين رووا حديث النهي عن أكل الحمر الأهلية أو الحمار الأهلي فهم: علي بن أبي طالب، عبدالله بن عمر، جابر بن عبدالله، أبو ثعلبة الخشني، عبدالله بن عباس، سمرة بن جندب، أنس بن مالك، عبدالله بن أبي أوفى، خالد بن الوليد، البراء بن عازب، عبدالله بن عمرو، ثابت بن وديعة، أبو أمامة الباهلي، زاهر الأسلمي، أبو سعيد الخدري، معقل بن يسار، عبدالله بن مسعود، ثعلبة بن الحكم، كعب بن مالك، أبو ليلى الأنصاري، أم نصر المحاربية، غالب بن أجبر المزني، عمير بن عويم، العرباض بن سارية، الحكم بن عمرو الغفاري، جد عمرو بن شعيب، و أخيرا المقدام بن معد يكرب الكندي حيث حديثه مروي في عدد من الكتب و لكن من دون أوتيت القرآن و مثله معه أو بيننا و بينكم كتاب الله، أي ليس فيه سوى التحريم. فحديث تحريم الحمر الأهلية مروي عن طريق ٢٧ صحابيا و معظم هذه الطرق صحيحة على حسب حكم أهل الحديث بخلاف الحديث السابق الذي كل طرقه تكاد تكون ضعيفة إلا حديث المقدام بن معد يكرب الكندي. أعلم بأن البعض سيقول لم يرووا القصة كاملة لأنهم ليسوا بحاجة إلى ذلك ولكني في الحقيقة لا أقبل ذلك لأنه الموضوع في غاية الأهمية و قول الرسول بأنه أوتي القرآن ومثله معه أو أنه يؤكد على أصل مهم ثم كل هؤلاء الصحابة لا يروون إلا النهي، فهذا أمر غريب… بل مريب! 

أما حديث المقدام بن معد يكرب الكندي فهو من خلال بحثي مروي من حوالي ستين طريقا! و مخرج في الكتب التالية: سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن ابن ماجه، مسند الإمام أحمد بن حنبل، سنن الدارمي، سنن الدارقطني، مسند ابن أبي شيبة، جزء أشيب و هو الحسن بن موسى الأشيب البغدادي شيخ الإمام أحمد بن حنبل. أيضا الحديث مروي في السنة للمروزي، الأموال لإبن زنجويه، شرح معاني الآثار للطحاوي، مشكل الآثار للطحاوي، المعجم الكبير للطبراني، مسند الشاميين للطبراني، السنن الكبرى للبيهقي، دلائل النبوة للبيهقي، جامع بيان العلم لابن عبدالبر، الفقيه ، المتفقه للخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية أيضا للخطيب البغدادي. و ثلاثة هم الذين رووا الحديث عن المقدام بن معد يكرب الكندي وهم عبدالرحمن بن أبي عوف و الحسن بن جابر اللخمي و خالد بن معدان. فلنبدأ بأضعف الطرق و هو طريق خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكري الكندي. 

أما الطريق الأول فأخرجه ابن زنجويه في “الأموال” عن سليمان بن عبدالرحمن بن عيسى بن ميمون عن خالد بن يزيد بن عبدالرحمن بن أبي مالك الهمداني عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب الكندي. و أخرج عن خالد معدان الطبراني في معجمه الكبير و السند كالتالي: سليمان بن أيوب بن سليمان الأسدي عن سليمان بن عبدالرحمن بن عيسى بن ميمون عن خالد بن يزيد بن عبدالرحمن بن أبي مالك الهمداني عن أبيه عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب الكندي. آفة هذان الطريقان هو خالد بن يزيد بن عبدالرحمن بن أبي مالك الهمداني. قال عنه ابن حجر في التقريب: “ضعيف مع كونه كان فقيها، واتهمه ابن معين” و قال عنه الذهبي في الكاشف: “ضعفوه” و قال عنه النسائي: “ليس بثقة” و قال عنه يحيى بن معين فيما يرويه عباس الدوري: “ليس بشيء” و كذلك قال صاحبه (أي الإمام أحمد بن حنبل) نفس الشيء و قال الدارقطني عنه: “ضعيف” إذا فرواية خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب الكندي لا تصح. بقي لنا رواية الحسن بن جابر اللخمي و عبدالرحمن بن أبي عوف.

أما الحسن بن جابر اللخمي فلم يرو عنه سوى معاوية بن صالح ومن ثم أربعة أخذوا عن معاوية هذا الخبر و هم: عبدالرحمن بن مهدي و زيد بن الحباب و أسد بن موسى الملقب بأسد السنة و عبدالله بن صالح بن محمد الجهني ثم اشتهر الخبر عن الأربعة. و قبل ابداء رأيي أحب أن أفصل قليلا لمن أراد أن يستفيد من الأسانيد التي سأذكرها. أكثر من روي عنه من الأربعة (أقصد الأربعة الذين رووا عن معاوية بن صالح) هو عبدالرحمن بن مهدي فالإمام أحمد روى الحديث عن عبدالرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن الحسن بن جابر اللخمي عن المقدام بن معد يكرب الكندي. و في كتاب “السنة للمروزي” رواه عن إسحاق بن راهويه عن عبدالرحمن بن مهدي و كذلك رواه عن صدقة بن الفضل عن عبدالرحمن بن مهدي. و رواه الدارقطني في سننه عن أبو حامد الحضرمي عن محمد بن بشار المعروف ببندار عن عبدالرحمن بن مهدي. و أخرجه الترمذي في سننه عن محمد بن بشار المعروف ببندار عن عبدالرحمن بن مهدي و أخرجه الحاكم في مستدركه عن أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك المعروف بأبو بكر القطيعي عن عبدالله إبن الإمام أحمد بن حنبل عن أبيه عن عبدالرحمن بن مهدي. أما الخطيب البغدادي فله ثلاث روايات عن عبدالرحمن بن مهدي، الأول روايته عن عبيدالله بن أبي الفتح الفارسي عن أحمد بن عمر بن روح النهرواني عن أبو حفص الزيات عن عبدالله بن محمد بن ناجيه عن عمرو بن علي المعروف بأبو حفص الصيرفي عن عبدالرحمن بن مهدي، أما الرواية الثالثة فعن علي بن محمد بن عبدالله عن دعلج بن أحمد بن دعلج الشجزي عن عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن شيرويه القرشي المعروف بابن شيرويه عن عبدالرحمن بن مهدي. فمجموع الروايات عن عبدالرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن الحسن بن جابر اللخمي ٩ روايات. والحقيقة شخصيا قلبي يطمئن إلى أن عبدالرحمن بن مهدي قد حدّث بهذا الحديث.  

أما رواية زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح عن الحسن بن جابر اللخمي فقد رواه الإمام أحمد في مسنده و أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده. و رواية الأخير أبو بكر بن أبي شيبة فقد رواه الطبراني في المعجم الكبير عن عبيد بن غنام عن زيد بن الحباب عن أبو بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب. وابن ماجه أخذ رواية أبو بكر بن أبي شيبة مباشرة من غير وسيط بينه و بين أبو بكر بن أبي شيبة. و أيضا ابن عبدالبر روى رواية أبو بكر بن أبي شيبة في كتابه “جامع بيان العلم” عن سعيد بن نصر عن قاسم بن أصبغ البياني عن محمد بن وضاح القرطبي عن أبو بكر بن أبي شيبة عن زيد بن حباب عن معاوية بن صالح عن الحسن بن جابر اللخمي. والرواية الأخيرة عند الخطيب البغدادي في كتابه “الكفاية في علم الرواية” عن علي بن محمد بن عبدالله بن بشران المعدل عن محمد بن عمرو بن البختري الرزاز عن يحيى بن جعفر بن الزبرقان عن زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح عن الحسن بن جابر اللخمي. فالحاصل أن هناك ثلاثة رووا عن زيد بن الحباب و هم الإمام أحمد و أبو بكر بن أبي شيبة و يحيى بن جعفر بن الزبرقان و من ثم ثلاثة هم الذين رووا عن أبو بكر بن أبي شيبة وهم الطبراني و ابن ماجه و ابن عبد البر. فالمجموع هو ستة روايات في كتب الحديث التي بحثت فيها عن زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح عن الحسن بن جابر اللخمي. 

أما أسد بن موسى المعروف بأسد السنة فقد رويت عنه أربع روايات، الرواية الأولى في سنن الدارمي عن أسد بن موسى عن معاوية بن صالح الغريب بأنه أسد بن موسى ملقب بأسد السنة و باعتراف علماء الحديث فيه نصب! والله المستعان. و الرواية الثانية في مسند الشاميين للطبراني عن يوسف بن يزيد بن كامل بن حكيم (المعروف بأبو يزيد القراطيسي) عن أسد بن موسى. الرواية الثالثة في شرح معاني الآثار للطحاوي عن محمد بن الحجاج عن أسد بن موسى. الرواية الأخيرة عن الخطيب البغدادي في كتابه “الفقيه و المتفقه” عن أبو الفرج عبدالسلام بن عبدالوهاب القرشي عن الطبراني عن يوسف بن يزيد بن كامل بن حكيم المذكور سابقا في رواية الطبراني. 

و عبدالله بن صالح بن محمد الجهني فروي عنه خمسة روايات، فأخرج روايتين منها الطبراني في المعجم الكبير و في مسند الشاميين كلاهما عن بكر بن سهل الدمياطي عن عبدالله بن صالح. و أخرج روايتين البيهقي في كتابه “السنن الكبرى”، أما الرواية الأولى فعن أبو القاسم علي بن محمد بن علي الإيادي المالكي عن أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن عن محمد بن إسماعيل السلمي عن عبدالله بن صالح. أما رواية البيهقي الثانية فهي عن الحاكم عن أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس عن عثمان بن سعيد الدارمي عن عبدالله بن صالح. أما الرواية الأخيرة فهي موجودة في كتاب “الفقيه و المتفقه” للخطيب البغدادي عن أبو عمر عثمان بن محمد بن يوسف عن أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن بن محمد بن إسماعيل السلمي عن عبدالله بن صالح. 

فبعد هذا السرد تبين لنا بأن بين أيدينا ٢٤ طريق للحديث مروي عن معاوية بن صالح عن الحسن بن جابر عن المقدام بن معد يكرب الكندي. أي ما يقارب نصف مرويات حديث المقدام! اختصارا للوقت فلن أدرس سند كل طريق من هذه الطرق فإن الأمر يطول و بالإمكان الاختصار. أولا معاوية بن صالح لم يخرج له البخاري أي حديث فيما أعلم، ثم إن  الكلام فيه اختلاف، فمنم من وثقه و منهم عكس ذلك و سأعرض لكم بعض ما قيل فيه من جرح. فأما يحيى بن معين مرة يوثقه و مرة يقول عنه: “ليس برضي” و قال عنه يعقوب بن شيبة السدوسي: “قد حمل الناس عنه، ومنهم من يرى أنه وسط ليس بالثبت ولا بالضعيف، و منهم من يضعفه”. و أما يحيى بن سعيد القطان فقوله فيه ليس بخفيف، قال الليث بن عبدة: قال يحيى بن معين: كان ابن مهدي إذا حدث بحديث معاوية بن صالح زبره يحيى بن سعيد و قال: أيش هذه الأحاديث! وكان ابن مهدي لا يبالي عن من روى، و يحيى ثقة في حديثه. قال صالح بن أحمد بن حنبل عن علي بن المديني شيخ البخاري: سألت يحيى بن سعيد عنه فقال: ما كنا نأخذ عنه ذلك الزمان ولا حرفا. قال عباس الدوري و أبو بكر بن خيثمة عن يحيى بن معين: “كان يحيى بن سعيد لا يرضاه”. قال عنه (أي عن معاوية بن صالح) محمد بن عبدالله بن عمار الموصلي: “الناس يروون عنه، و زعموا أنه لم يكن يدري أي شيء الحديث”. قال عنه ابن حجر في التقريب: “صدوق له أوهام” و قال عنه أبو حاتم الرازي: “صالح الحديث، حسن الحديث، يكتب حديثه و لا يحتج به” و قال عنه أبو إسحاق الفزاري: “ما كان بأهل أن يروى عنه”. و في كتاب الضعفاء الكبير للعقيلي: “كان يلعب بالملاهي، ولأجل ذلك ترك بعض المحدثين الكتابة عنه”. 

أما الحسن بن جابر اللخمي فلم يروي عنه البخاري ولا مسلم و لم أجد له روايات فيما بحثت لا في الموطأ ولا في سنن النسائي و لا في سنن أبي داود. قال ابن حجر عنه في التقريب: “مقبول” أي عند المتابعة و إلا “فليّن” كما قاله الشيخ شعيب الأرناؤوط. و قال عنه الذهبي: “مستور” و ذلك في كتابه “المجرد في أسماء رجال سنن ابن ماجه”. قال عنه الألباني في السلسلة الصحيحة: “الحسن بن جابر تابعي لم يوثقه غير ابن حبان” و توثيق ابن حبان كما علمته من الوالد حفظه الله فيه تساهل و إن كان الأصل في المسلمين العدالة فما فائدة اشتراط المحدثين في الحديث الصحيح “الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط مثله” والروايات فيما أعلم عن المسلمين فذكر ابن حبان في الثقات لا يكفي. ثم إن الحسن بن جابر لم أجد له إلا أحاديث قليلة جدا لا يكاد يصح منها شيء ليس بحكمي على الحديث لكن بحكم علماء الحديث أنفسهم و لعل أقوى أحاديثه سندا هذا الحديث الذي نحن بصدده. ثم إني بحثت عن أحاديثه المرفوعة فلم أجد فيها إلا خمسة، حديثنا هذا، و حديث تعليم الشيطان لسعد بن معاذ آية الكرسي و المعروف أنه حديث أبو هريرة وليس سعد بن معاذ. و حديث “ذهب بالأجور أصحاب الدثور…” و حديث أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم و هو حديث: “عليكم من الأسماء بيزيد…” و حديث معاوية و الأذان. و كل هذه المرويات التي ذكر فيها اسمه لا يكاد يخلو سندها من مقال! بالإضافة إلى ذلك فإن محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي (المعروف بأبو هذيل) قد روى عنه، و لكن الغريب أن الزبيدي روى هذا الحديث الذي نحن بصدده عن مروان بن رؤبة التغلبي عن عبدالرحمن بن أبي عوف عن المقدام بن معد يكرب الكندي ولكنه لم يروي عن الحسن بن جابر بالرغم من أن الأخير روى عنه معاوية بن صالح الحديث. 

فالحاصل عندنا في طريق معاوية بن صالح عن الحسن بن جابر اللخمي عندنا مشكلتين، مشكلة معاوية بن صالح و قد تقدم ما قيل فيه و مشكلة الحسن بن جابر الذي أحسن ما يُقال فيه أن يتوقف عن مروياته الباحث، فما بالكم و بعد سبر مروياته وجدتموها فيها نكارة إما من حيث السند و إما من حيث المتن! في الحقيقة لو كان أمامي رواية فيها الحسن بن جابر لتوقفت فيه ولن يغلب على ظني بأنه صحيح فما بالكم و فيه أيضا معاوية بن صالح و قد قيل فيه ما قيل. شخصيا أرى بأن هذا الطريق أقصد طريق معاوية بن صالح عن الحسن بن جابر اللخمي عن المقدام بن معد يكرب الكندي ضعيف و الله أعلم.

في كتب الحديث التي بحثت فيها، ثلاثة هم الذين رووا عن المقدام بن معد يكرب الكندي وهم خالد بن معدان و الحسن بن جابر و عبدالرحمن بن أبي عوف. وقد تقدم ضعف طريق كل من خالد بن معدان و الحسن بن جابر و الآن سندرس معا طريق عبدالرحمن بن أبي عوف و سأسرد كما فعلت سابقا. من خلال البحث تبين لي بأن هناك ثلاثة هم الذين رووا عن عبدالرحمن بن أبي عوف، و المعروف بأنهما اثنان. أما الثلاثة فأشهرهم حريز بن عثمان بن جبر الرحبي و الثاني هو مروان بن رؤبة التغلبي و الثالث هو عمر بن رؤبة التغلبي. 

أما الأخير وهو عمر بن رؤبة فلم يخرج هذا الطريق إلا الطبراني في مسند الشاميين و لعله أخطأ في الإسم لأنه أخرج تقريبا نفس السند في كتابه “المعجم الكبير” عن مروان بن رؤبة التغلبي و الأربعة الذين رووا عن الزبيدي فكلهم قالوا عن مروان بن رؤبة وليس عمر بن رؤبة، على كل، أخرج الطبراني في “مسند الشاميين” عن محمد بن أبي زرعة الدمشقي عن هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة عن يحيى بن حمزة بن واقد عن محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي (أبو هذيل) عن عمر بن رؤبة التغلبي عن عبدالرحمن بن أبي عوف عن المقدام بن معد يكرب الكندي. أما عمر بن رؤبة فقد قال فيه البخاري: “فيه نظر” و قال ابن أبي حاتم الرازي: “لا تقوم به حجة” كما ذكر ذلك الذهبي في الكاشف و قال ابن حجر في التقريب: “صدوق” وقال عنه: “إنما أنكروا أحاديثه عن عبدالواحد النصري” و ذكره العقيلي في الضعفاء و قال عنه ابن حزم: “مجهول” و أخيرا ليس في الرواية شيء يدل على موضوعنا. 

أما مروان بن رؤبة التغلبي فلم يرو عنه سوى محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي و من ثم روى أربعة عن الزبيدي هذا الحديث. و الأربعة هم: محمد بن حرب (الأبرش كاتب الزبيدي) و بقية بن الوليد و يحيى بن حمزة بن واقد و القاسم بن موسى. أما القاسم بن موسى فلم يخرج روايته إلا الطبراني في المعجم الكبير عن طالب بن قرة الأذني عن محمد بن عيسى الطباع عن القاسم بن موسى عن محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي عن عبدالرحمن بن أبي عوف عن المقدام بن معد يكرب الكندي. و القاسم بن موسى “مستور” و “مجهول الحال” كما نفهمه من تقريب التهذيب و طالب بن قرة الأذني مجهول الحال عندي كذلك.

أما محمد بن حرب (الأبرش كاتب الزبيدي) فأخرج روايته أبي داود في سننه عن محمد بن مصفي بن بهلول القرشي عن محمد بن حرب عن محمد بن الوليد الزبيدي. و أيضا أخرج روايته ابن حبان في صحيحه عن محمد بن عبيدالله بن الفضل الكلاعي عن كثير بن عبيد المذحجي عن محمد بن حرب.

و أما رواية بقية بن الوليد عن الزبيدي فوجدت أربعة طرق. الأول في كتاب السنة للمروزي عن أبو الأزهر أحمد بن الأزهر عن نعيم بن حماد عن بقية بن الوليد عن محمد بن الوليد الزبيدي. و أخرج الدارقطني روايته في سننه عن محمد بن سليمان النعماني عن أحمد بن الفرج أبو عتبة الحمصي عن بقية بن الوليد عن محمد بن الوليد الزبيدي. و أخرجه ابن بطة في كتابه: “الإبانة الكبرى” عن أبو عبيد القاسم بن إسماعيل عن أحمد بن الفرج أبو عتبة الحمصي عن بقية بن الوليد عن محمد بن الوليد الزبيدي. و في المعجم الكبير للطبراني عن أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الدمشقي عن حيوه بن شريح عن بقية بن الوليد عن محمد بن الوليد الزبيدي. 

آفة هذه الطرق المذكورة هو بقية بن الوليد بن صائد الحميري فقد اختلف فيه أهل الجرح و التعديل فبعضهم وثقوه و بعضهم جرحوه. قال أبو حاتم الرازي: “يكتب حديثه ولا يحتج به” و قال عنه أبو مسهر الغساني: “بقية ليست أحاديثه نقية، فكن منها على تقية” و قال ابن حجر في التقريب: “صدوق كثير التدليس عن الضعفاء”. قال النسائي عن بقية: “إذا قال حدثنا و أخبرنا فهو ثقة”، و قال سفيان بن عيينة: “لا تسمعوا من بقية ما كان في سنة، واسمعوا منه ما كان في ثواب أو غيره” وعدلوه في روايته عن الثقات و المعروفين. أما في رواية الطبراني و المروزي فبقية “عنعن” و لم يصرح بالتحديث أو السماع. أما في رواية الدارقطني وابن بطة العبكري فإنه صرح بالتحديث ولكن في رواية كل من الدارقطني و ابن بطة آفة أخرى وهو أحمد بن الفرج أبو عتبة الحمصي و هذا الأخير ضعفه محمد بن عوف الطائي. و قال عنه ابن عدي: “لا يحتج به” و ذكره ابن حبان في الثقات و قال: “يخطئ” و قال ابن حجر “هو وسط” كما في “اللسان” و كان أبو الحسن أحمد بن عمير “يضعف أمره” كما في تاريخ دمشق و من نفس المصدر قال أبو هاشم: “كان أبو عتبة جارنا و كان يخضب بالحمرة و كان مؤذن مسجد الجامع و كان عمي و أصحابنا يقولون إنه كذاب فلم نسمع منه شيئا” 

و الرجل الرابع الذي روى عن المحمد بن الوليد الزبيدي فهو يحيى بن حمزة بن واقد و لم يروي عن يحيى بن حمزة بن واقد إلا ثلاثة و هم هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة و عبدالأعلى بن مسهر بن عبدالأعلى الغساني (المعروف بأبي مسهر) و محمد بن المبارك. أما الأول منهم و هو هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة فأخرج روايته الطبراني من طريق أحمد بن المعلى الدمشقي و الحسين بن إسحاق التستري. أما الرجل الثاني فأخرج  له الطحاوي في كتابه “شرح معاني الآثار” عن إبراهيم بن أبي داود سليمان أبو إسحاق الأسدي عن عبدالأعلى بن مسهر بن عبدالأعلى الغساني عن يحيى بن حمزة بن واقد. و الرجل الثالث فقد أخرج من طريقه البيهقي في “السنن الكبرى” رواية واحدة و الخطيب البغدادي روايتين في “الفقيه و المتفقه”. أما رواية البيهقي فعن أبو محمد عبدالله بن يحيى بن عبدالجبار السكري عن إسماعيل بن محمد الصفار عن عباس بن عبدالله الترقفي عن محمد بن المبارك عن يحيى بن حمزة بن واقد. وأما عند الخطيب البغدادي فعن أبو محمد عبدالله بن يحيى بن عبدالجبار السكري عن إسماعيل بن محمد الصفار عن عباس بن عبدالله الترقفي عن محمد بن المبارك عن يحيى بن حمزة بن واقد. و الرواية الأخري للخطيب البغدادي عن الحسين بن عمر بن برهان الغزال عن  إسماعيل بن محمد الصفار عن عباس بن عبدالله الترقفي عن محمد بن المبارك عن يحيى بن حمزة بن واقد. 

بقي معنا الطريق الأكثر شهرة، طريق حريز بن عثمان بن جبر الرحبي عن عبدالرحمن بن أبي عوف عن المقدام بن معد يكرب الكندي. و ثمانية رجال هم الذين رووا عن طريق حريز بن عثمان و هؤلاء الثمانية هم: الحسن بن موسى الأشيب البغدادي، أبو اليمان الحكم بن نافع، علي بن نصر بن علي الحداني، أبو عمرو عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، عبدالقدوس بن الحجاج الخولاني (أبو المغيرة الحمصي)، الوليد بن مسلم، يزيد بن هارون، علي بن عياش و هذه الطرق موجودة في ١٨ رواية في كتب الحديث التي بحثت فيها و إليكم التفاصيل. 

أخرج شيخ الإمام أحمد (الحسن بن موسى الأشيب البغدادي) كما في “جزء أشيب” عن حريز بن عثمان عن عبدالرحمن بن أبي عوف. و أخرج الطبراني في مسند الشاميين عن طريق شيخ الإمام أحمد المذكور، (أي عن بشر بن موسى الأسدي عن حريز بن عثمان عن عبدالرحمن بن أبي عوف). أما أبو اليمان الحكم بن نافع فقد أخرج روايته الطبراني في كتابه “المعجم الكبير” و “مسند الشاميين” ففي المعجم الكبير عن أحمد بن عبدالرحيم بن يزيد (أبو زيد الحوطي) عن أبو اليمان الحكم بن نافع، و أما في مسند الشاميين فأخرجه عن أبو زرعة الدمشقي عن أبو اليمان الحكم بن نافع. و أما علي بن نصر بن علي الحداني فروايته مخرجة في كتاب “الشريعة” للآجري عن الحسين بن محمد بن محمد بن عفير أبو عبدالله الأنصاري عن نصر بن علي بن نصر الأزدي عن علي بن نصر بن علي الحداني. 

الرجل الرابع و هو أبو عمرو عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار فأخرج له أبي داود في سننه عن عبدالوهاب بن نجدة عن عثمان بن سعيد بن كثير. و أخرج روايته الطبراني في المعجم الكبير عن يحيى بن عثمان بن صالح عن نعيم بن حماد عن عثمان بن سعيد بن كثير. و كذلك مخرج في كتاب “دلائل النبوة” للبيهقي عن الحسين بن محمد أبو علي الروذباري عن محمد بن بكر (المعروف بأبو بكر بن داسة) عن أبي داود السجستاني (صاحب السنن) عن عبدالوهاب بن نجدة عن عثمان بن سعيد بن كثير. و رواية عن الخطيب البغدادي في كتابه: “الفقيه و المتفقه” عن أبو عبدالله محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدقاق عن أحمد بن سلمان النجاد عن أبي داود السجستاني (صاحب السنن) عن سليمان بن الأشعث عن عبدالوهاب بن نجدة عن عثمان بن سعيد بن كثير. 

و أما رواية عبدالقدوس بن الحجاج الخولاني (أبو المغيرة الحمصي) عن حريز بن عثمان فأخرجه الطبراني في مسند الشاميين عن أحمد بن عبدالوهاب بن نجدة عن عبدالقدوس بن الحجاج الخولاني. وأما رواية الوليد بن مسلم عن جريز بن عثمان فمن ثلاثة طرق. في كتاب “الإبانة الكبرى” لابن بطة العبكري عن محمد بن سليمان النعماني الباهلي عن الحسين بن عبدالرحمن الجرجرائي عن الوليد بن مسلم عن حريز بن عثمان. و عند الطبراني في “المعجم الكبير” فعن الحسن بن إسحاق التستري عن علي بن بحر عن الوليد بن مسلم عن حريز بن عثمان. و أيضا عند الطبراني في “مسند الشاميين” عن هاشم بن مرثد الطبراني عن صفوان بن صالح بن صفوان الثقفي عن الوليد بن مسلم عن حريز بن عثمان. 

أما رواية يزيد بن هارون عن حريز بن عثمان فهي مخرجة في مسند الإمام أحمد بن حنبل و روايتان عند المروزي في “السنة” عن أبو قدامة السرخسي عن يزيد بن هارون عن حريز بن عثمان. و الأخير علي بن عيّاش عن حريز بن عثمان مخرجة في كتاب “الأموال” لابن زنجويه و أيضا في كتاب “الكفاية في علم الرواية” للخطيب البغدادي عن محمد بن أحمد بن محمويه العسكري عن سليمان بن عبدالحميد البهراني. و بهذا انتهيت من سرد جميع طرق حريز بن عثمان عن عبدالرحمن بن أبي عوف فيما بين يدي من مصادر و بملاظة سريعة لهذه الطرق يطمئن قلبي بأن الرواية عن حريز بن عثمان ثابتة فيزيد بن هارون ثقة بل حافظ متقن للحديث و الإمام أحمد كذلك و كذلك شيخ الإمام أحمد بن حنبل الحسن بن موسى الأشيب ثقة و كذلك أبو اليمان الحكم بن نافع فالذين رووا بعض هذه الطرق ثقات لا يُشق لهم غبار.

أما حريز بن عثمان نفسه فالاختلاف فيه شديد فمنهم من يوثقه و منهم من يرميه بالنصب و منهم من يتهمه بالكذب و منهم من يقول عنه بأنه متروك و منهم من ينقل عنه أنه نفى عن نفسه التهمة بأنه كان يسب علي بن أبي طالب. و لا أخفيكم بأن هذا الرجل جعلني في حيرة بسبب اختلاف المحدثين في أقوالهم عنه، فتجد أحدهم يجرحه و في نفس الوقت يوثقه، أو يثبت جرحه مرة و ينفيه مرة أخرى، على كل فالرجل اشتهر عنه بأنه ناصبي و إليكم بعض ما قيل فيه مما قد يجرحه. قال ابن حجر في التقريب: “ثقة ثبت رمي بالنصب” و قال عنه أحمد بن عبدالله العجلي: “ثقة و كان يحمل على علي” و نقل البخاري عن أبو اليمان قوله: “كان حريز يتناول من رجل ثم ترك - يعني عليا رضي الله عنه” و عدة روايات عن أحمد في توثيقه منها ولكن منها أيضا: “حريز صحيح الحديث إلا أنه كان يحمل على علي” انظر هذا القول في موسوعة الإمام أحمد بن حنبل في رجال الحديث و علله و في تهذيب الكمال عن أحمد بن حنبل: “وهو صحيح الحديث إلا أنه كان يحمل على علي”. و قال الذهبي: “حريز بن عثمان الحافظ أبو عثمان الرحبي المشرقي الحمصي محدث حمص عداده في صغار التابعين ومتقنيهم على نصب فيه” و قال ابن عدي: “كان من ثقات الشاميين و إنما وضع منه بغضه لعلي” و قال ابن حبان: “كان داعية إلى مذهبه يجتنب حديثه”

و أيضا قال عنه الإمام الذهبي في الكاشف: “ثقة… و هو ناصبي” و قال عمرو بن علي: “ثبت شديد التحامل على علي” و قال: “كان ينتقص عليا و ينال منه، و كان حافظا لحديثه” و قال محمد بن عبدالله بن عمار الموصلي: “يتهمونه أنه كان ينتقص عليا ويروون عنه، و يحتجون بحديثه وما يتركونه” و قال الفلاس كما في ميزان الإعتدال: “كان ينال من علي”. قال أحمد بن سعيد الدارمي عن أحمد بن سليمان المروزي: “إسماعيل بن عياش قال: عادلت حريز بن عثمان من مصر إلى مكة فجعل يسب عليا و يلعنه” و قال ابن حبان: “كان يلعن عليا بالغداة سبعين مرة، و بالعشي سبعين مرة، فقيل له في ذلك فقال: “هو القاطع رؤوس آبائي و أجدادي” و قصة أخرى يرويها غنجار كما في تهذيب التهذيب: “قيل ليحيى بن صالح: لم لم تكتب عن حريز؟ فقال: كيف أكتب عن رجل صليت معه الفجر سبع سنين فكان لا يخرج من المسجد حتى يلعن عليا سبعين مرة” و يروى عنه في سير أعلام النبلاء قوله: “لا أحبه - يريد عليا - لأنه قتل من قومي يوم صفين جماعة” و يروى عنه في ميزان الاعتدال و تهذيب التهذيب و تهذيب الكمال: “لا أحبه قتل آبائي”.

عن يحيى بن المغيرة أن جريرا قال: “أن حريزا كان يشتم عليا على المنابر” و كان يقول: “لنا إمامكم و لكم إمامكم” كما في ميزان الإعتدال و تهذيب التهذيب و تهذيب الكمال و يعني بذلك والله أعلم معاوية و علي. و في تاريخ بغداد: “العقيلي قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحسن بن علي قال: قلت ليزيد بن هارون هل سمعت من حريز بن عثمان شيئا تنكره عليه من هذا الباب قال إني سألته أن لا يذكر لي شيئا من هذا مخافة أن أسمع منه شيئا يضيق علي الرواية عنه. قال فأشد شيء سمعته يقول لنا أميركم ولكم أمير يعني معاوية و لكم علي فقلت ليزيد فقد آثرنا على نفسه قال نعم. و يروى عن إسماعيل بن عياش قال: “خرجت مع حريز بن عثمان وكنت زميله فسمعته يقع في علي فقلت مهلا يا أبا عثمان، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم و زوج ابنته فقال: اسكت يا رأس الحمار”. قال الدارقطني: “يُرمى بالإنحراف عن علي بن أبي طالب وعنه في ذلك اختلاف” وفي الكامل في ضعفاء الرجال: قال يحيى بن صالح الوحاظي أملى علي حريز عن عبدالرحمن بن ميسرة عن النبي صلى الله عليه وسلم و روى عن الوحاظي هذا الحديث أيضا عن حريز عن سليم بن عامر عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا في تنقص علي حديث لا يصلح ذكره في الكتاب معضل منكر جدا لا يروي مثله من يتقي الله.” قال ابن الجوزي: “لا يجوز الرواية عنه”

فكل هذه الأقوال فيه ليست بالأمر الهين ويصعب أن نغفل عنها و خاصة الذين وثقوه هم ثقات و الذين جرحوه أيضا ثقات. و كل هذه المرويات فيه لا أتصور أن يكون بلا أصل، و كما قيل: “لا دخان من دون نار” فقبول مرويات هذا الرجل يثير الشكوك و الشبهات و هذا الذي دفع صاحب كتاب: “العتب الجميل على أهل الجرح و التعديل” إلى تأليف كتابه و هذا ما يكرره الشيعة من المتقدمين و المعاصرين في أن علماء الحديث يتساهلون مع النواصب و يتشددون مع الشيعة، و هذا الرجل كان إحدى مشكلات الدكتور عدنان إبراهيم مع أهل الحديث كما يذكر في محاضراته. و الحقيقة لدي مرويات و أخبار أخرى تثبت هذه التهمة عليه لكني سأتجنبها لأن بعضا منها رواها من تم التشكيك في صحة مروياته و بعض من هذه الأخبار هي حكايا المنامات المتعلقة بحريز بن عثمان و من روى عنه كيزيد بن هارون ولكني لا أعتمد في هذه الأمور على المنامات كما فعل بعض علماء أهل السنة من المتقدمين و يفعل المتأخرين من طلاب العلم لإثبات ما يذهبون إليه والله المستعان.

إن شهرة حريز بن عثمان بالنصب معروفة عند المتقدمين و المتآخرين، عندما تكلموا في إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني الذي اشتهر أيضا بتحامله على الإمام علي قيل عنه: “حريزي المذهب” نسبة إلى حريز بن عثمان المشهور بالنصب! وللمزيد انظر في كتاب “العتب الجميل على أهل الجرح و التعديل” تحت ترجمة الجوزجاني و حريز بن عثمان بل و حتى الشيخ الألباني رحمه الله الذي يعتبر إماما في الحديث في هذا العصر كأنه ثبتت عنده التهمة لدرجة أنه دعا على حريز بن عثمان حيث قال كما في السلسلة الصحيحة: “حريز بن عثمان: هو الرحبي الحمصي، و هو ثقة من رجال البخاري ولكنه كان يبغض عليا أبغضه الله! “ و بعض مشايخ الأشاعرة و التصوف و وأيضا المفكرين الذين اشتغلوا بالحديث أثبتوا هذه التهمة عليه كأحمد بن محمد الغماري و عبدالعزيز الغماري والسيد حسن بن علي السقاف و ابن عقيل الحضرمي و حسن فرحان المالكي. أما أحمد الغماري فقال فيه: “وقد وصل في البدعة إلى حد مفسق بالإجماع أو مكفر على رأي البعض” و أما عبدالعزيز الغماري فكلامه أيضا شديد في حريز بن عثمان أيضا كما في رسالته: “الباحث عن علل الطعن في الحارث” يقول فيها: “ومن رجع إلى ترجمة حريز بن عثمان يعرف ما نقول و يتحقق أن حديث الملعون ينبغي أن يذكر في الموضوعات لابن الجوزي”

قد تقول بأنه في هذا الحديث لم يدعو إلى بدعته ولم يتنقص عليا ولكني أقول إن افترضنا بأنه ثبت عنه النصب و هذا يترجح عندي من ظاهر هذه المرويات (لعله تاب فيما بينه و بين الله فهذا الله أعلم به) فلا ينبغي أن يُحدث عنه! و ذلك لما يخرجه المحدثون في كتبهم في مناقب الإمام علي بل يدعي بعضهم تواتره في أن من يبغض عليا فهو منافق ومما أخرجه مسلم: عن زر بن حبيش: “قال: سمعت عليا يقول: “والذي فلق الحبة و برأ النسمة أنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن و لا يبغضني إلا منافق” و رواية أخرى في نفس المعنى: “لا يحب عليا منافق ولا يبغض عليا مؤمن” و راجعوا كتب الشيخ حسن فرحان المالكي و محاضرات الدكتور عدنان إبراهيم في سلسلة: “معاوية في الميزان” و خطبه عن “الإمام علي” ستجدونهما يوردون بعض هذه المرويات مع أحكام المحدثين من أهل السنة عليها. ولا يحضرني الآن ولكن كأني قرأت بأن الإمام أبو جعفر الطبري ألف أربع مجلدات في طرق هذا الحديث المذكور ولكن للأمانة لم أبحث في أسانيد هذه الأحاديث تفصيليا. فإن صح هذا الحديث و صحت التهمة على حريز بن عثمان فلا داعي بعد إذ البحث فيما قاله المحدثون و الله سبحانه و تعالى يقول في كتابه: ((والله يشهد إن المنافقين لكاذبون)) 

لنفترض بأن الحديث المذكور أعلاه حديث سياسي و غير صحيح (أقول دعونا نفترض فقط) فهناك حديث متفق عليه في قصة علي بن أبي طالب و الراية يوم خيبر و أقتبس موضع الشاهد: “لأعطين هذه الراية رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله و رسوله، ويحب الله و رسوله” و في صحيح مسلم: “أنت مني بمنزلة هارون من موسى” فهذه الأحاديث كلها موانع من قبول رواية من يبغض عليا سواء دعا إلى مذهبه أو لم يدعو، و إلا فإن قبل لأن صادق في حديثه فلقائل أن يقول سأنقل الحديث عن أي كان و إن كان ما كان عليه من العقائد إن كان صادق اللهجة. و الغريب أن بعض المحدثين تركوا التحديث عن بعض المحدثين لأنه كان ينشغل بالملاهي أحيانا ثم لا يتركون رواية من اشتهر ببغضه و تحامله على الإمام علي، فهذا والله شيء يثير العجب ويسبب الحيرة.

لكني في الحقيقة لن أتّهم علماء الحديث ببغضهم للإمام علي أو أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم كما يقوله بعض الباحثين اليوم ولكني أظن بأن الأئمة الذين أخرجوا أحاديثه في كتبهم إما أنهم لم تثبت عندهم التهمة أو أنهم ظنوا بأن ثبوت التهمة لا توجب التوقف في مروياته التي لا يدعو إلى بدعته (وشخصيا أظن بأنه لا ينبغي ذلك فإن ثبتت التهمة و صحت الأحاديث التي ذكرتها سابقا في الإمام علي فهذا يعتبر بنظري عمل خاطئ). و لعل هؤلاء الأئمة شُغفوا بجمع الحديث و ظنوا إن تركوا روايته خسروا الكثير من الأحاديث و هذا الاحتمال الأخير ليس ببعيد. فكما قال الإمام أحمد له ثلاثمائة حديث، فشغف الإكثار من الرواية وطلبه معروف عند أهل العلم فمما يدل على شيء من ذلك قول مسعر بن كدام: “وددت أن هذا العلم كان حمل قوارير حملته على رأسي فوقع فتكسر فاسترحت من طلابه” و عن شعبة قوله: “إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله و عن الصلاة فهل أنتم منتهون” و قول الأعمش لأهل الحديث حوله: “ما عطفتم على أحد إلا حملتموه على الكذب” ثم إن عثمان بن حريز ليس أول و آخر من تكلم فيه و يروى عنه. 

و بعض الدارسين يتهم البخاري بأنه ناصبي فقط لروايته حديث حريز بن عثمان قبل أن يتصور الإحتمالات التي ذكرتها. ثم إن البخاري لم يخرج لحريز بن عثمان سوى حديثان، الحديث الأول يعتبر من ثلاثيات البخاري بمعنى أنه روى عن تابع التابعي عن التابعي عن الصحابي و هذا الحديث في صفة عنفقة النبي صلى الله عليه وسلم، و الحديث الثاني من رباعيات البخاري و هو حديث الترهيب من دعوى الرجل لغير أبيه أو الترهيب أن لا يقول الإنسان على الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يقله. فإن كان البخاري مكثرا منه و ناصبيا وما أشبه ذلك لأكثر من حديث حريز بل لأورد هذا الحديث الذي أدرسه الآن. أيضا الإمام مسلم لم يروي أي حديث لحريز بن عثمان ولعله بسبب ما اشتهر عنه في كونه ناصبيا والله أعلم ولا الإمام النسائي في سننه ولله الحمد. 

أعلم بأني أطلت في حريز بن عثمان و لكن المقام يتطلب ذلك ولابد من التفصيل، و بعد هذا التفصيل وما قرأتم فإني في الحقيقة من الذين لا يطمئنون لحديث حريز بن عثمان و أرى أن الأفضل و الأحوط للمرء أن يتجنب حديثه. فالحديث عندي من طريق حريز بن عثمان غير مقبول وغير كاف كي أعتبره حديث صحيح و هذا رأي شخصي لا يغير من واقع الأمر شيئا. فإن كان الناس يقبلون لأنفسهم أن يحدثوا بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم و فيه حريز بن عثمان فهذا شأنهم ولا ينبغي أن يلزموني أن أعتبر حديثه بعد ما عرفنا الإشكال الكبير حول حريز بن عثمان بل إني أرى الرواية عنه أمر شنيع لمن وقع في قلبه بأنه يتحامل على الإمام علي و يبغضه أسأل الله أن يجنبني ما لا يرضاه.

و بهذا انتهيت من عرض جميع طرق الحديث و بعد هذا العرض و هذه الدراسة لا أخفيكم و أنا أكتب هذا البحث المتواضع قد استفدت أشياء و توصلت إلى نتائج لم أتوقعها. فإني ظننت بأن أقوى طريق هو طريق حريز بن عثمان ولكن أظن والله أعلم بالصواب بأن أسلم الطرق إلى المقدام بن معد يكرب الكندي فهو طريق محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي عن مروان بن رؤبة التغلبي عن عبدالرحمن بن أبي عوف عن المقدام بن معد يكرب الكندي و إن لم يخلو هذا الطريق أيضا من مقال ولكنه في نظري أقل شبهة من طريق حريز بن عثمان ولكن حتى إن وثقنا حريز بن عثمان و اعتبرنا أن ما قيل فيه من نصب باطل هذا لا يعني بأني أقول أن الحديث ثابت إلى المقدام بن معد يكرب الكندي! قد تقول حيرتنا يا رجل، لكن اصبروا وعلي و من ثم احكموا.

بيان ما سبق أن الطريق السابق فيه ثلاثة رجال، الأول هو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي (المعروف بأبو هذيل) و مروان بن رؤبة التغلبي و عبدالرحمن بن أبي عوف بحاجة إلي وقفة. أما الزبيدي فهو ثقة ثبت كما قال ابن حجر في التقريب. الإشكال في مروان بن رؤبة التغلبي فقد قال عنه ابن حجر في التقريب: “مقبول” أي في المتابعة وإلا فهو لين و قال عنه الذهبي في الكاشف: “ثقة” لكن في الحقيقة لا أدري ما وجه توثيق الذهبي له، الظاهر فعل ذلك لذكر ابن حبان مروان في كتابه الثقات و هذا لا يكفي. ثم إن هذا الرجل لم يروي عنه أي من أصحاب الكتب الستة سوى أبي داود في سننه و لم يروي عنه الإمام مالك ولا الإمام أحمد كذلك و هو مجهول كما في “التهذيب”. و بالإضافة إلى ذلك فهذا هو الحديث الوحيد المرفوع الذي فيه مروان بن رؤبة، بمعنى أني لم أجد حديثا آخر فيه مروان بن رؤبة إلا حديث المقدام بن معد يكرب الكندي. ثم إن رواية أبي داود عنه ليس فيها ذكر “شبعان على أريكته” أو “أوتيت القرآن و مثله” أو “أوتيت القرآن و ما يعدله” أو “بيني وبينكم الكتاب” فهذا الجزء من الحديث ليس في رواية أبي داود ولكن قد يُقال بأنه اختصره و هذا أنا عن نفسي لا أقبله و سأبين وجهة نظري لاحقا.

أما عبدالرحمن بن أبي عوف الجرشي فأيضا بحاجة إلى وقفة. قال عنه يحيى بن سعيد القطان كما في التهذيب: “مجهول الحال” و قال عنه أبي داود: “شيوخ حريز كلهم ثقات” و لعل ابن حجر و الذهبي وثقوه تقليدا لقول أبي داود و قول أبو داود بحاجة إلى وقفة فإن من المعروف عند المحدثين عدم قبول التعديل على الإبهام، فلن تجد توثيق عبدالرحمن بن أبي عوف الجرشي صراحة إلا عند ابن حجر و الذهبي و هؤلاء من المتأخرين ولن تجد سبب توثيقهم و احتمال تقليد قول أبو داود كبير جدا. و كذلك انظر كتاب الوهم و الإيهام يتبين لك بأن ابن القطان وصفه بأنه مجهول الحال في معرض ذكره لحديث معاوية: “لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة” ثم إن عبدالرحمن بن أبي عوف روى الحديث أبو هند البجلي وهو “لا يعرف” كما قال الذهبي و “مجهول لا يعرف” كما قال ابن القطان وانظر شرح السنة للبغوي فإنه يقول عن هذا الحديث: “في إسناده مقال” و الإسناد أوتي علي من عبدالرحمن بن أبي عوف و أبو هند البجلي، فتبين لنا بهذا أن عبدالرحمن بن أبي عوف بالإضافة إلى أنه مجهول فإنه يروي عن مجهول.

ثم إن هذا الحديث من طريق عبدالرحمن بن أبي عوف الجرشي عن المقدام بن معد يكرب الكندي لم يخرجه أي من أصحاب الكتب الستة إلا أبو داود في سننه و الإمام أحمد في مسنده. بل إن أحاديثه غير مخرجة في الكتب الستة سوى سنن أبي داود و أخرج له الإمام أحمد في مسنده و أخرج له النسائي حديثا غير هذا الحديث في “السنن الكبرى”. و في الحقيقة بحثت طويلا عن مروياته فلم أجد إلا أحاديث يسيرة مرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم لا يكاد يصح منها شيء من غير مقال بحكم المحدثين القدامى إلا هذا الحديث الذي نحن بصدده. فمن أحاديثه: غير حديث الهجرة المذكور و هذا الحديث و حديث: “ألا لا يحل ذو ناب” الذي وافق ما أخرجه المحدثون و حديث معاوية: “…لن يعذب لسان أو شفتان مصهما رسول الله صلى الله عليه وسلم” و له حديث عن عثمان بن عثمان الثقفي: “إن الله عز وجل يقبل التوبة…” الحديث و له حديث عن عبدالله بن عبدالثمالي: “لو أقسمت لبررت لا يدخل الجنة قبل سابق أمتي…” الحديث الذي ضعفه الألباني في ضعيف الجامع و له حديث مرسل عن النبي صلى الله عليه و سلم. وأما عبدالله بن عبدالثمالي فكما في كتاب: “المخزون في علم الحديث لأبي الفتح الأزدي” لم يروي عنه إلا عبدالرحمن بن أبي عوف الجرشي. فإذا الرجل يروي عن أناس لا يعرفون وليست لهم روايات إلا حديث واحد. و من تتبع المرويات المنسوبة له لوجد أحاديث منكرة كما في كتاب “مداراة الناس” لابن أبي الدنيا و كتاب “الفتن” لنعيم بن حماد. و من كان مثله حري أن لا يُوثق و ينبغي أن يُتوقف في مروياته والله أعلم. 

و بهذا أيها القرّاء الكرام انتهينا من جميع الروايات عن المقدام بن معد يكرب الكندي. و تبين لي والله أعلم بالصواب بأن جميع هذه المرويات لا تصلح أن تثبت عن المقدام بن معد يكرب الكندي كحديث صحيح مستقل سندا و ذلك لما ذكرت في هذه المشاركة. ولكن دعونا نفترض أن جميع هذه المرويات صحيحة و ثبتت عن المقدام بن معد يكرب الكندي، فماذا؟ أقول بقي لدينا شيء واحد! البحث عن المقدام بن معد يكرب الكندي نفسه. فإن كان المقدام بن معد يكرب الكندي صحابيا وليس عندنا روايات منسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم من غير طريقه فإن الحديث لن يتعدى حاجز ال٥٠٪ من الصحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن نحن طبقنا منهج الشيخ الدكتور محمد عمراني حفظه الله. بقي لنا الآن نتحقق إن كان المقدام بن معد يكرب الكندي صحابيا أم لا، ما فهمته من أقوال العلماء بأنه صحابي ولكن روى الذهبي عن أبو سنان و غيره عن زيد بن سنان عن أبي يحيى الكلاعي قال: “أتيت المقدام في المسجد، فقلت يا أبا يزيد! إن الناس يزعمون أنك لم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سبحان الله! والله لقد رأيته و أنا أمشي مع عمي، فأخذ بأذني هذه وقال لعمي: “أترى هذا”؟ يذكره أباه و أمه. لا يهمني صحة السند بقدر ما يهمني أن هناك شك في رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن صح الحديث فهناك أناس و إن لم يصح الحديث فهناك شاك على الأقل، فإن كان الرجل معروفا بصحبته للنبي لا أرى سبب هذا الشك والله أعلم. ثم إن هناك رواية أرى تثبت أنه رأى و تحدث مع النبي صلى الله عليه وسلم: “أفلحت يا قديم إن مت و لم تكن أميرا ولا كاتبا ولا عريفا” و الحديث ضعيف كما قاله الشيخ الألباني رحمه الله كما في السلسلة الضعيفة و ضعيف الجامع و ضعيف الترغيب و ضعيف أبي داود و كأن هناك من يريد أن يثبت صحبته و أنه قريب جدا من النبي بحيث يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: “يا قديم” ثم هناك اختلاف شديد في كنيته فمرة أبو كريمة و مرة أبو يزيد و مرة أبو صالح و مرة أبو بشر و مرة أبو يحيى وهذا لا يقدح. 

للمقدام بن معد يكرب الكندي له ٣٤ حديثا في مسند الإمام أحمد بن حنبل و لكن البخاري لم يخرج له فيما أعلم سوى حديثان! و أما مسلم فلم يخرج له أي حديث! هذا بالرغم من أن أحاديثه مهمة. و البخاري عندما أخرج له، أخرج له حديث ليس في الباب عنده أي حديث غيره و لم يصرح المقدام بالسماع بخلاف رواية أحمد، و الحديث الآخر في الباب ما يشبهه و كلا الحديثان عن ثور بن يزيد بن زياد الكلاعي عن خالد بن معدان عن المقدام. و أما الإمام مسلم فلم يخرج له أيضا أي حديث فيما أعلم و كذلك الإمام مالك لم يخرج له أي حديث في الموطأ ولكن لعل اختلاف البلدان وانتشار الصحابة والرواة هو السبب والله أعلم. 

ثم إن المعروف بأن النبي صلى الله عليه وسلم حرّم الحمر الأهلية أو الحمار الأهلي زمن غزوة خيبر وهذا ما يعرفه من تتبع المرويات المنسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم في الباب، و في بداية المشاركة ذكرت الصحابة الذين رووا الحديث فيمكنكم تتبع مروياتهم في الباب. و فيما نعلم عن أهل التاريخ بأن غزوة خيبر وقعت في السنة السابعة أو السادسة، و اتفق الإمامان مالك و الزهري على أنها وقعت في السنة السادسة للهجرة. و أما المقدام بن معد يكرب الكندي فعلى حسب كلام المؤرخين مثل الذهبي و غيره قد توفي سنة ٨٧ للهجرة و هو ابن ٩١ سنة. هذا يعني بأن المقدام بن معد ولد في السنة الرابعة قبل الهجرة و بهذا يكون عمره زمن خيبر عشرة أعوام! و اشتهر عند العوام قبل الخاصة بأن النبي صلى الله عليه وسلم استصغر أناسا من الصحابة في غزوة أحد منهم ابن عمر و في بعض الروايات جابر بن عبدالله أو أبو سعيد الخدري و كل هؤلاء أعمارهم وقت غزوة أحد فيما أذكر ١٤ و فوق! فبصراحة أستبعد أن يستصغر الرسول صلى الله عليه وسلم من كان عمره ١٤ و لا يستصغر من كان عمره ١٠ أعوام و خاصة أن عدد المسلمين في خيبر أكثر و عدتهم أكثر مما كانوا عليه في غزوة أحد أو بدر ولكن هنا الإحتمالات تلعب دورها! فإن سمع المقدام هذا من النبي صلى الله عليه وسلم فهل كان أحفظ من بقية الصحابة؟ و أيضا هنا قد يأتيني آت و يبدأ لعبة الإحتمالات ولا بأس فالذين يصححون الحديث بالضعيف و المتابعة و الشاهد وما إلى ذلك كان ينبغي أن يفكروا في هذه النقطة… فالذي يغلب على ظني بأنه إن حدّث بهذا الحديث فإنه سمعه من أحد من الصحابة يعني أنه حدّث مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن من هذا الصحابي الذي قال بمثله؟ في رواية صحيحة؟ أقولها لكم هناك مرويات أخرى في هذا الباب و فيما أعلمه من علماء الحديث كلها أضعف من من رواية المقدام ولكن لا بأس لا ينبغي أن أحكم قبل البحث التفصيلي.

فالمقدام إن ثبتت صحبته فأتمنى أن تراجعوا ما كتبته في موضوع مرسل الصحابي في المدونة و ما ذكرته في هذه المشاركة و إن لم يكن صحابيا بل تابعيا فإذا لا تصح روايته عن الرسول صلى الله عليه وسلم. و أنا عن نفسي و بصراحة لست مطمئنا بثبوت صحبة المقدام بن معد يكرب الكندي و أهل التاريخ و السير جعلوا من التابعيين صحابة مرات كثيرة و الخلط هنا فيه احتمال كبير أيضا للتشابه بينه و بين المقداد بن عمرو الكندي وقد خلط بعض أهل الحديث مروياتهم وهذا ما نبه عليه بعض الباحثين. على كل تذكروا، هذا على فرض إن صححنا كل المرويات عن المقدام و أثبتناه عنه سندا من غير شبهة و قدح فهيهات هيهات… 

بعد الإنتهاء من دراسة سند الحديث فأظن أنه يحسن بي الآن مناقشة متن الحديث. أما متن الحديث فهو: “ألا إني أوتيت الكتاب ، ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه،  ، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ، ولا كل ذي ناب من السبع ، ولا لقطة معاهد ، إلا أن يستغني عنها صاحبها ، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه” و الجزء الذي لا نجده في بقية الأحاديث: “ألا إني أوتيت الكتاب ، ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه” و في رواية عند الإمام أحمد: “يوشك أحدكم أن يكذبني وهو متكئ على أريكته يحدث بحديثي ، فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه ، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ، ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله” و في رواية عند المروزي: “ألا إني أوتيت الكتاب و مثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه” 

أولا على خلاف ما يفهمه بعض علماء الحديث من هذا الحديث: “أوتيت الكتاب و مثله معه” أو “أوتيت القرآن و مثله معه” لا أظن المقصود به السنة النبوية أو الأحاديث المنسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم. فإنه مما لا شك فيه أن السنة النبوية غير القرآن و كلام الرسول صلى الله عليه وسلم مختلف عن كلام الله سبحانه وتعالى في كتابه و هذا يعرفه العامي قبل طالب العلم فضلا عن العالم المتخصص. و هذه الأحاديث بين أيدينا ما عليكم إلا أن تقارنوها بالقرآن الكريم لتعرفوا الفرق الكبير بينهما وفي الحقيقة هذا القول إن كان المقصود به كلام الرسول صلى الله عليه وسلم كما فهمه علماء الحديث ففيه دعم لتهم المشركين و الكفار ضد الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم إن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم و إن كان في قمة الروعة و الجمال إلا أنه أحيانا فعلا يختلط بكلام البشر فلا تستطيع أن تميز بين كلامه و كلام الصالحين من أمته و كل ما عليك للتأكد من كلامي مراجعة الأحاديث الضعيفة التي صُححت أو الأحاديث الصحيحة التي ضُعفت و سيتبين لك ذلك هذا مع الأعتراف بأن بعض المرويات المنسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم أجمل و أروع من غيرها. 

فإن كان المقصود “ومثله معه” الأحاديث التي بين أيدينا إذا القرآن ليس معجز فإن البشر أتوا بمثل ما في أيدينا من أحاديث ولكنهم إلى اليوم لم يستطيعوا أن يأتوا بآية مثل القرآن و لن يستطيعوا ذلك فقد قال الله سبحانه وتعالى: ((فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا)) وهذا لا يحتاج إلى مزيد بيان. و إن كان المقصود “ومثله معه” من جنس القرآن فأيضا باطل، فالله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء و إن معظم أهل السنة اليوم يؤمنون بأن القرآن كلام الله فكيف يكون شيء مثله هذا والله لا يستقيم ولا يصلح في عقلي. قال الله سبحانه وتعالى: ((قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)) 

قد يقول أحدكم، أيها المتعالم! ألم تقرأ ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: “أوتيت القرآن و مثله معه” أي لم يأت به هو إنما آتاه الله و الله قد أنزل عليه الكتاب و الحكمة إذن الأحاديث وحي من الله و لهذا مثل القرآن. قاتل الله الجهل، ما “المثل” عندكم؟ ألن تقرؤوا ما قاله كبار علماء أهل السنة في نفي المثلية عن الله في شرح كتاب التوحيد أو العقيدة الواسطية و غيرها من الكتب؟ ومن قال بأن الحكمة المقصود بها السنة؟ راجعوا مقالتي التي كتبتها قبل ما يقارب السنتين في معنى الحكمة و الدكتور محمد شحرور له مفهوم للحكمة أتى بها و كذلك مؤخرا طرح الدكتور عدنان إبراهيم تفسيره للحكمة في إحدى محاضراته و الحمدلله جميع الأقوال أجدها أقرب من قول المتعارف عندكم في مفهوم الحكمة. و ثانيا إن سلمنا جدلا بأن السنة منزل من الله و لكننا نرى الفرق أمامنا بين القرآن و السنة فكيف تكون السنة مثل القرآن؟ 

في الحقيقة هذا الحديث إن صح فهو يدعم نظرية الدكتور محمد شحرور في الإختلاف بين الكتاب و القرآن، فبإمكانه أن يقول إن الذي أوتيه القرآن صحيح و الذي مثله معه آيات الرسالة أو الفرقان أو ما شابه ذلك كما يحب أن يفرق هو. و أظنه (أي الدكتور محمد شحرور) إن قرأ رواية المزي “ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن و مثله معه” سيفرح به كثيرا والله أعلم. ولقائل أن يقول و مثله معه أي منزل مثله فالمثلية من ناحية أن كلامه منزل على قلبه مثلية النزول لا مثلية المحتوى ولقائل أن يقول المقصود أوتيت حق الطاعة كما أن القرآن ينبغي أن يُطاع ولكن سنبدأ هكذا في لعبة الإحتمالات التي لا أحبها. 

قال الله سبحانه و تعالى: ((كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ)) و لم يأمر الناس بتدبر الأحاديث المنسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم فإن كان السنة وحيا و أن الرسول تفوه بهذه الكلمات المذكورة بالحديث ألا تجدون بأن ذلك سيسبب حيرة للناس؟ قد يأتيني شخص يتذاكى فيقول إن الله قال: ((وما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا)) فلهذا من أخذ بهذه الأحاديث فقد حكّم القرآن! أقول هذا صحيح تماما ولا ينبغي لمؤمن أن يرى الرسول صلى الله عليه وسلم يأمره بأمر ثم يخالفه! ولكن كيف لنا أن نسمع أو نرى الرسول صلى الله عليه وسلم اليوم؟ لا يمكن فلهذا لا يمكن فهم هذه الآية على ضوء ما فهموه، أما من وقع في قلبه بأن حديث حق عن الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يخالفه فهذا لا شك بأنه مكابر. قال الله سبحانه وتعالى: ((اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ)) فهؤلاء الذين قالوا: “بيننا وبينكم كتاب الله” هل كانوا مخطئين؟ و الآن كيف نحكم القرآن في ظل هذا الحديث؟ فالمسلم اليوم لا يمكنه أن يحكم القرآن إلا بعد جمع الأحاديث كلها وإلا وقع في مثل ما وقع المقصود بهم في الحديث فهذا يشاكس الآيات الكثيرة التي تدل مباشرة أو بالإشارة إلى تحكيم القرآن. و كيف نفهم قول الله سبحانه وتعالى: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أوتي مثل القرآن فلماذا لم يأمر الناس بتدبر الأحاديث أو السنة وخاصة أن هناك آلاف الأحاديث اليوم ولماذا لم يحفظ الله الأحاديث و السنة كما حفظ القرآن الكريم. قد يقول متعصب لأهل الحديث بأن الله حفظ السنة ولم يضيع منها شيء عن طريق أهل الحديث والسنة اليوم نقية صافية! لا أدري أضحك من هذا الكلام أو أحزن!

قال ربنا عز و جل: ((أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرا)) و إن كان السنة من عند الله و أنه منزل و أن علماء الحديث حفظوا السنة و تبين الحق من الباطل فلماذا نجد هذا اختلافا كثيرا حتى في الأحاديث التي قال عنها كبار المحدثين بأنها صحيحة؟ هذا إن دل على شيء دل على أن ما قلتموه سابقا بأن الله حفظ السنة عن طريق المحدثين كلام بحاجة إلى دليل أقوى ولا أظنكم تجدوه. قال الله سبحانه وتعالى: ((أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون)) ظاهر الحديث المذكور في هذا البحث بأن المسلمون قد كفاهم هذا الكتاب ولذلكم تحاكموا إليه ولكن الحديث يعطي ولو إشارة بأن القرآن لا يكفي. و هنا أدعوكم جميعا للإستماع إلى خطبة الدكتور عدنان إبراهيم حفظه الله: “لأنهم لا يكفيهم القرآن” و اقرؤوا ما كتبته قبل سنة في الفرق بين القرآن و السنة. 

و إن كان ما يقوله بعض طلاب العلم و العلماء بأن السنة (وطبعا الغالب يقصدون بها هذه الأحاديث التي بين أيدينا) وحي من الله منزل إذا كل هذه الأحاديث لماذا لا نجد فيها آثار نزول الوحي كما أثبتم بعض الأحاديث في وصف حالة الرسول صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي أو لعل أنزل عليه وحي السنة جملة واحدة؟ قد تجدون ما قلته مضحكا لكن لا أستبعد أن يقول بعضكم ذلك و خاصة نحن الذين نحب لعبة الإحتمالات. و من لم يفهم بعد ما أقصده بلعبة الإحتمالات ما عليه إلا أن يقرأ كتاب شرح مشكل الآثار للطحاوي و كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر. 

قال الله سبحانه و تعالى: ((وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) و قال في موضع آخر: ((إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ)) بربكم أيها القراء ما المشكلة في فعل المسلمين قولهم “بيننا وبينكم كتاب الله” أرجو أن لا تتعصبوا ولكن تتفكروا بهدوء… في الحقيقة أرى أنهم فعلوا ذلك في القصة المذكورة. و هذا للأسف يحصل معي اليوم كثير، أناقش طلاب العلم فأقول لهم قال الله سبحانه وتعالى أين نجد في كتاب الله ما تقولون وما شابه ذلك فلا يجدون ردا إلا أنني أتبع منهجية غير منهجية العلماء فبالتالي لا يحق لي الإستدلال عليهم بالقرآن لأن من هو أعلم مني و هم العلماء لم يفعلوا ذلك (أقصد طبعا في المواضيع التي أناقشها معهم) وإنا لله و إنا إليه راجعون. 

قال الله العلي العظيم: ((مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)) ولنفترض إني اختلفت مع طلبة العلم في نسبة حديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بسب من يدعو دعوى الجاهلية فما الذي ينبغي أن نفعله، هو الرجوع إلى القرآن الكريم أو الرجوع إلى حديث آخر من الأحاديث المنسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم؟ فإن رجعنا إلى القرآن فعلا نجد الإجابة الشافية الطمأنينة و السلام الداخلي كما يقولون: ((و إنك لعلى خلق عظيم)) و ((خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين)) فانظروا كيف انحلت المشكلة عندي؟ ولكن طبعا المشكلة قائمة عند إنسان غير مستعد في الإختلاف أن يعود إلى كتاب الله و لربما استدل علي بقول الله سبحانه وتعالى: ((فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلا)) و ما عليك أيها المسلم إلا أن تقول له آتني بشيء ثابت بشكل قطعي كالقرآن وصدقني ستجدني أقول لك: “على العين و الرأس” ! ولنفترض الآن نحن مختلفون في صحة نسبة هذا الحديث للرسول صلى الله عليه وسلم و احترنا بعد البحث و التفتيش، فإن رجعنا إلى القرآن ماذا ستجدون؟ توافق تام و سلام وطمأنينة أم خلاف ذلك، أدع الإجابة لكم. 

اتهمني أحد الإخوة بأني أدعو إلى هجر السنة أو أني قرآني وسأدمر السنة وما إلى ذلك بل نقل لي أحد الإخوة كلاما شنيعا بأننا اليوم نلقي سلا الجزور على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ألقى المشركون سلا الجزور على جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم والله وحده يعلم ما وجدته في قلبي بعد ما قرأت ذلك ولكن لا أقول إلا حسبنا الله و نعم الوكيل. أذكر إخواني بقول الله سبحانه وتعالى و هو يبين لنا موقفا من مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم: ((وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا)) فإن كانوا مثل بعض فلماذا لم يذكر الله سبحانه وتعالى: “اتخذوا سنتي مهجورا” ألا يعكس لكم هذا أي شيء بلى والله إنه ليعكس اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم.

قال الله سبحانه و تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} تأملوا لم يذكر أن أوحي إليه شيء غير القرآن. فالقرآن هو الموحى إلى النبي و هو الذي ينبغي اتبعاه وهو الذي ينبغي أن يُلتزم بما فيه فإن كان الحديث صحيحا فهل يعقل أن يغفل عن ذلك أرحم الراحمين و لا يذكره في القرآن كأصل من الأصول. و هنا أيضا أدعوكم لقراءة ما كتبه العلماء في مسألة تشريع الرسول صلى الله عليه وسلم و للدكتور عدنان إبراهيم خطبة جيدة في هذا الموضوع: “محمد صلى الله عليه وسلم مشرع أم متبع” 

ثم إن هذا الحديث بصراحة يسبب قلقا لي و يشاكس أحاديث أخرى يصححها علماء أهل الحديث. أليس المعروف عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن كتابة حديثه؟ فإن كان الذي أوتيه الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأحاديث التي بين أيدينا فلماذا لم يأمر بكتابتها بادئ الأمر (إن سلمنا بجواز كتابته بعد ذلك كما يقوله البعض) ؟ و أن ما حرم الرسول صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله و أن الكتاب وحده لا يكفي في التحريم فلماذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم، أليس أعقل و أذكى و أرحم الناس؟ ألم يفطن بأن السنة قد تضيع و ألم يعلم بأن الله وعد الذكر بالحفظ؟ ألم يكن جديرا أن يأمر الناس بتدوين سنته و حفظها و خاصة أن الله لم يوعده بحفظها! ثم إن هو فعل ذلك فلماذا امتنع الخلفاء الأربعة من ذلك؟ هل هذا يعني أنهم خالفوا أمره؟ عجيب! 

و من تلك الأحاديث التي صححها الألباني وهو مروي عوف بن مالك و عبدالله بن عمرو بن العاص و معاذ بن جبل: “أطيعوني ما كنتُ بين أظهرِكم ، و عليكم بكتابِ اللهِ ، أحلَّوا حلالَه ، و حرَّموا حرامَه” فإن كان هذا الحديث صحيحا و حديث المقدام بن معد صحيح كذلك فهذا يعني كما قلت سابقا أن الرسول قصد في الحديث حق الطاعة المباشرة و هذا يصعب علينا في زمننا هذا لعدم ثبوت أمره أو نهيه عنه، وهل يعقل لعاقل أن يسوي بينهما؟ فالصحابة لن يقولوا للرسول صلى الله عليه وسلم: “أمرك غير ثابت” فإنهم يرونه و يسمعونه  أما نحن فبيننا وبينه مفاوز زمنية و رجال بعضهم ثقات و بعضهم دون ذلك فيما ظهر لنا و الله أعلم ببواطنهم. و الحقيقة إن كان الحديث هذا صحيحا و حديث المقدام أيضا صحيح فإني أظن بأن الدكتور محمد شحرور سيفرح به كثيرا و ذلك لأنه يدعم نظريته. و من تلك الروايات رواية حذيفة بن اليمان - “قلتُ لحُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ : أَصَلَّى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بَيْتِ المَقْدِسِ ؟ قال : لا ، قلتُ : بلى ، قال : أنت تقولُ ذاك يا أَصْلَعُ ؟ ! بِمَ تقولُ ذلك ؟ ! قلتُ : بالقرآنِ ، بَيْنِي وبينَك القرآنُ ، فقال حُذَيْفَةُ : مَنِ احْتَجَّ بالقرآنِ فقد أفلح…” الحديث مخرج في سنن الترمذي و قال عنه الترمذي حسن صحيح. إن صح هذا الحديث فهل يعقل أن يغفل حذيفة عن أصل بهذه الأهمية؟ نعم يعقل…  

و أيضا هناك حديث آخر منسوب للرسول صلى الله عليه وسلم و صححه الألباني في صحيح الجامع وأخرجه ابن حبان في صحيحه و قال عنه السخاوي ثابت و هذا الحديث معروف بين أهل العلم: “لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، فمن كتب عني غير القرآن فليمحه…” إن صح هذا الحديث، فالحديث فيه نهي صريح عن كتابة شيء عن الرسول صلى الله عليه وسلم غير القرآن. فهل عندما قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المقولة لم يفكر بضياع السنن! أليس القائل أوتي القرآن و مثله معه على حسب ما تقولون؟ ألستم تنسبون إليه أمره للبعض بالإستعانة باليد للحفظ أو في ما معناه؟ و حتى هنا إن تمحلنا و قلنا لم يأمر بالكتابة و ذلك لأن الصحابة لن يضيعوا السنة فإنهم يرون الرسول صلى الله عليه وسلم كل يوم فيتواتر هذا الشيء عمليا للتوفيق بين نهيه عن الكتابة و وقد ذكر ذلك الدكتور عدنان إبراهيم في آخر محاضرة له و قد كتبت قبله مقال أبين نفس الشيء من حوالي سنتين ولكن لا يكفي. و السبب في ذلك أن من السنة اليوم أمره بكذا و نهيه عن كذا، أي افعل ولا تفعل، بالكلام فكيف سيترك كل ما نهى عنه أو حرمه و هو مثل القرآن و يقتصر فقط على السنن العملية؟ و من ثم أليس الرسول صلى الله عليه وسلم مأمور بالتبليغ كما في قول الله رب العالمين: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ…)) الآية فإن كانت السنة منزلة و وحي كما يقولون فإن الرسول صلى الله عليه وسلم مطالب بالتبليغ، و هل سيقصر في ذلك الرسول؟ لن يفعل! بل سيحاول أن يبلغ أكبر عدد كان و كان سيأمر بكتابته كما أمر بكتابة القرآن و إن كان كما يقولون بأن الله حفظ السنة بأهل الحديث و إن كان الرسول قد بلغ كما بلغ القرآن و إن كان الصحابة لم يقصروا في التبليغ و نشر السنة فما بال أكثر ما بين أيدينا من الأحاديث هي أحاديث آحاد و ما بال القرآن محفوظ غير منقوص ولا متغير من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمننا اليوم! استعيذوا بالله أيها الإخوة فإن الأمر والله ظاهر ولا داعي إلى مكابرة.

وهناك أخبار أخرى لصحابة معروفين منها الرواية المنسوبة لأبي الدرداء: “ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرّم فهو حرام و ما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا وتلا ((و ما كان ربك نسيا)) “ حسنه الألباني في “غاية المرام” و قال عنه “صحيح” في التعليقات الرضية وقال عنه “إسناده صالح” في “السلسلة الصحيحة” ولكن من غير “فإن الله لم يكن لينسى شيئا وتلا” و قال عنه الحاكم في المستدرك: “صحيح الإسناد”  والرواية نفسها نقلها ابن تيمية من غير التلاوة في “الفتاوى” و “العقيدة الأصفهانية” لكن عن سلمان الفارسي. و الغريب كل الغرابة أن ينقل ابن قيم الجوزية رحمه الله رواية سلمان الفارسي مرفوعا، كالتالي: “سُئِلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن أشياءَ ، فقال : الحلالُ ما أحلَّ اللهُ ، والحرامُ ما حرم اللهُ ، وما سكت عنه فهو مما عفَا عنه” و قال عنه إسناده جيد و ذلك في كتابه “أعلام الموقعين” وأما الشيخ الألباني فحسن الحديث في صحيح الترمذي و صحيح ابن ماجه. إن صحت هذه الرواية فإنها تشاكس و بقوة حديث المقدام بن معد يكرب الكندي. 

بصراحة أستغرب صنيع بعض العلماء رحمهم الله يتعرضون لمثل هذه الأحاديث و يصححونها ثم يصححون ما يخالف معناه، و هذا مثل توثيقهم لراوي و في نفس الوقت يدعون عليه! غريب أمرهم! و مثل هذا منتشر بين العلماء و لكن طبعا لا يصح مني هذا التعليق لأني لست عالما بل لابد أن أسلم الشيء و نقيضه في نفس الوقت والله المستعان.  على كل في “صحيح الجامع” للألباني رواية أخرى حسنها الألباني عن سليك الغطفاني: “الحلال ما أحل الله في كتابه، و الحرام ما حرّم الله في كتابه، و ما سكت عنه فهو مما عفىا عنه” و قال عنه السيوطي في الجامع الصغير: “صحيح” و لكن للأمانة هذه المرويات السابقة بحاجة إلى تحقيق متين و تنقيب ولكن بما أني لم أفعل ذلك اعتمدت على أقوال العلماء المذكورين.

قد لا يتفق الكثير معي فيما سأقوله لكن أحب أن أسأل، هل لإضافة هذا الجزء من الحديث دافع!؟ أظن نعم هناك دافع و الله أعلم، بل الدافع قوي لإضافة هذا الجزء، أقصد “ألا إني أوتيت الكتاب ، ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه” و ذلك لأن هذا الجزء من الحديث هو جزء من حديث تحريم الحمر الأهلية! و معروف رأي ابن عباس في الحمر الأهلية و ذلك كما في صحيح البخاري عن الحكم بن عمرو الغفاري:   قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ : يزعُمونَ أن رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نهى عن حُمُرِ الأهليَّةِ ؟ فقال : قد كان يقول ذاك الحَكَمُ بنُ عَمرٍو الغِفاريُّ عندَنا بالبَصرَةِ ولَكِن أبَى ذاكَ البَحرُ ابنُ عَبَّاسٍ وقرَأ : ((قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا)) “ و من ثم ابن عباس كما وصفه ابن كثير في: “البداية و النهاية” : “كان جسيما إذا جلس يأخذ مكان رجلين” و معروف عنه بأنه كان غنيا و مجلسه حافل بالطلاب فلا أستبعد حقيقة أن تكون هذه الزيادة تعريضا لرواية ابن عباس! 

وطبعا هنا لا أتهم المقدام بن معد يكرب الكندي لكن الرواة و أقول فقط الإحتمال وارد. و هناك رواية غريبة في كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم منسوبة لعبدالله بن عمر و عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم: “لا بأس بأكل كل شيء إلا ما ذكر الله تعالى في كتابه في هذه الآية: ((قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما)) إلى آخر الآية” و الحقيقة لا أطمئن إلى ثبوت هذه الرواية عنهما و لكن إن ثبت فعبدالله بن عمر كان جسيما و عائشة قالت عن نفسها ما قالت في حديث مسابقتها للرسول صلى الله عليه وسلم. و هناك رواية أخرى منسوبة لعائشة أم المؤمنين جبير بن نفير التابعي: “دَخَلْتُ على عائشةَ فقالت هل تقرأُ سورةَ المائدةِ قلت نعم قالت فإنها آخِرُ سورةٍ أُنْزِلَتْ فما وَجَدْتُم فيها من حلالٍ فأَحِلُّوهُ وما وَجَدْتُم فيها من حرامٍ فحَرِّمُوه” وقيل عن هذه الرواية بأن رجاله رجال الصحيح وهذا لا يكفي، على كل فإن صحت الرواية فإن هذه الرواية بلا شك بعد الرواية المنسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم و لا شك بأن كان قول العلماء بمعنى السنة و أنه وحي أو ما شابه ذلك فإن عائشة كانت أولى أن تعلم ذلك. ثم إن رواية المقدام بن معد يكرب الكندي الجزء الذي نحن فيه مأخوذ حرفيا من بعض هذه المرويات المنسوبة لابن عمر و عائشة و غيرهم! 

و قد يكون تعريضا بأبي حنيفة رحمه الله فمعروف الخلاف بينه و بين أصحاب الحديث و معروف أيضا شدة لهجة أصحاب الحديث فيه و اتهامه بأنه يرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يسخر من بعض هذه المرويات فيما ينقل عنه و ما إلى ذلك، فلا أستبعد إن أراد تثبيت أصل لم يكن معروفا من القرآن أو السنة بل فقط استنتاجا من أقوال الشافعي و غيره فربما دفعه إلى هذه الزيادة والله أعلم، على كل كل ما ذكرته في الدوافع لا يغني من الحق شيئا فإنها احتمالات و ظنون ولعبت نفس اللعبة التي يلعبها بعض طلاب العلم ولكن هذا الإحتمال الذي أوردته لعله يقوى عند مقارنة رواية المقدام مع بقية الروايات في الحمر الأهلية. 

و بعيدا عن الروايات و مقارنتها بعضها ببعض، هل تظنون بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول بمثل ما نجده في حديث المقدام؟ “أوتيت القرآن و مثله” و التعريض بالشبعان على أريكته أن قال: “بيننا و بينكم كتاب الله” أو ما شابه ذلك، عن نفسي ولا أدري عنكم، لا أدري لماذا أشعر بأنه غير لائقة إن أنا قارنته بما في كتاب الله أو سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم و لكن هذا مجرد شعور ولا يتعدى ذلك و بما أن أعلب الرواة يروون الحديث بالمعنى باعترافهم فلا أستبعد إن صح الخبر أن لفظة الرسول صلى الله عليه وسلم مختلفة ليس بالضبط مثل ما نقل إلينا. لا يُفهم من كلامي في هذا البحث بأني أرد السنة النبوية جملة و تفصيلا، أبدا! فإن كل محب للرسول صلى الله عليه وسلم يتمنى أن يسمع عنه أكثر بل أنا شخصيا أقرأ في بعض الكتب الأخرى للبحث عن أخبار الأنبياء و عجائبهم فإني أحب ذلك حقيقة فهل أرد كل شيء ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم اتباعا للهوى! أعوذ بالله، أسأل الله أن يعصمني من ذلك. ولكن هناك أحاديث تخالف أصلا أقوى عندي، و تخالف مقصدا من المقاصد العالية في القرآن أو توجها فهنا أنتقد بعض هذه المرويات.

سأكرر كما أكرر دائما انتقاد الحديث لا يعني أبدا انتقادا للرسول صلى الله عليه وسلم. فكم من المسلمين ولا أستثني نفسي نقوم من أفعال هي اتباعا لما نقل إلينا من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم. فهذا القرآن هو أصل عند بعض علماء الحديث و الفقه و به يكفرون جماعات من المسلمين فقط لردهم الأحاديث كما يكفرون القرآنيين وغيرهم الذين يردون المرويات المنسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم، و بهذا الحديث يضيقون على المسلم في التفكير و يريدون منه أن يكون أشبه بالآلة أو الببغاء و الحمدلله لم يلقي كثير من علماء الحديث المتقدمين ذلك وإلا لم يكونوا ليضعفوا حديثا باطلا ولا أن يصححوا حديثا صحيحا. 


و في الختام و بعد هذا البحث، عن نفسي لا أستطيع أن أقول بأن الحديث ثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم من طريق المقدام بن معد يكرب الكندي، و في الحقيقة قلبي يميل إلى ضعف هذا الجزء من الحديث: “ألا إني أوتيت الكتاب ، ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه” و بقي أن أبحث في بقية طرق الحديث ولكن كما قلت سابقا هذا الحديث هو الأقوى في هذا الباب فيما أعلمه من حكم المحدثين. هذا هو رأيي و لا ألزمكم به إنما أعرض ما عندي من علم في هذا، كل ما عليكم أن تعرضوا ما عرضته و تقارنوا بأقوال من سبقني في هذا الحديث ثم تختاروا أي الأقوال أصوب، أسأل الله أن نكون من: ((الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ)) و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته. 

1 comment:

  1. الخليفة عمر بن الخطاب هو أول من قال حسبنا كتاب الله فهل عمر كفر بعدم ذكره السنة النبوية مع القرآن ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

    ReplyDelete