Tuesday, February 24, 2015

تعليق على كتاب - قتل الإسلام و تقديس الجناة


السلام عليكم و رحمة الله و بركاته… في العادة لا أحب أن أكتب في هذه الأشياء و لكني رأيته أنه من الواجب أن أكتب هذه المرة و إلا أكون غاشا لنفسي و للمسلمين. قرأت كتاب “قتل الإسلام و تقديس الجناة” للكاتب وضّاح صائب. محتوى هذا الكتاب للأسف مأخوذ من كتب أخرى و كتابات لبعض الذين كتبوا في نظرية المؤامرة على الإسلام و الذين كتبوا في موضوع تدوين السنة و ما إلى ذلك كمحمود أبو رية و غيره، ولكن للكاتب أيضا إضافات من عنده. و الكتاب في الحقيقة ليس له وزن علمي إن جعلناه تحت منظار التحقيق، إنما هو تكرار لما سبق و فيه من الكذب و التدليس ما لا يخفى على أي باحث و لا أدري إن كان الكاتب يتعمد الخطأ و الكذب أم لم يتعمده. في هذه المشاركة سأعطيكم مثالا واحدا على تدليس هذا الكاتب، كي لا يغتر الناس بكل ما يُكتب في هذا المجال، أقصد انتقاد الصحابة و السنة و الأحداث التاريخية.

يُحزنني أن أرى بعض المسلمين اليوم كلما وجدوا رجلا ينتقد أبو هريرة و غيره ممن يعدون من الصحابة عند أهل السنة أو ينتقد الرواة و السنة بشكل عام يُطبّلون له و كأنه خير من جميع علماء المسلمين من السلف، بغض النظر إن كان الإنتقاد علميا أو غير علمي. للأمانة العلمية و بحكم قراءتي، لا مجال للمقارنة بين ما كتبه وضّاح صائب في هذا الكتاب و علماء السلف (طبعا أقصد من الناحية العلمية) ، أما من الناحية الإيمانية فالله أعلم بذلك. لا داعي لمثل هذه المقدمات، إليكم مثالا واحدا فقط من أمثلة تدليس المؤلف هداه الله. طبعة الكتاب التي أملكها هي طبعة “مؤسسة الانتشار العربي” الطبعة الأولى من الكتاب، قال المؤلف في الإضاءة الرابعة: جناية الرواة الصفحة ١٣٥:

“و ربما تكون شهادة عائشة ذات معنى في هذا المجال، حسب رواية البخاري، إذ قالت لأبي هريرة: إنك تحدّث عن رسول الله بأحاديث ما سمعناها منه، فردّ عليها ساخراً: إنه كان يشغلك عن رسول الله بأحاديث ما سمعناها منه، فردّ عليها ساخرا: “إنه كان يشغلك عن رسول الله المرآة و المكحلة. فأجابته عائشة: إنما أنت الذي شغلك عن رسول الله بطنك، و ألهاك نهمك عنه، حتى كنت تعدو وراء الناس في الطرقات، تلتمس منهم أن يطعموك من جوعك، فينفرون منك ويهربون، ثم ينتهي الأمر بك أن تصرع مغشيا عليك من الجوع أمام حجرتي، فيحسب الناس أنك مجنون، فيطأون عنقك بأرجلهم…” 

أولا الحديث لم يرويه البخاري! فمن أين أتى المؤلف: “حسب رواية البخاري” إنما الرواية مخرجة في كتاب المستدرك على الصحيحين للحاكم و في الطبقات الكبرى لابن سعد و في تاريخ دمشق لابن عساكر و في المحدث الفاصل بين الراوي و الواعي للرامهرمزي. بمعنى أن الحديث لم يخرّجه البخاري بل لم يخرجه أصحاب الكتب الستة و لم يخرّجه الإمام مالك. فقوله: “حسب رواية البخاري” غير صحيح، ثم إنكم تعلمون ما الأثر الذي سيجده القارئ عندما يقرأ: “حسب رواية البخاري”. ألا يعتبر ما فعله جناية على الرواة و تدليس؟ اللهم نعم! لا يهمني إن فعله بقصد أو بغير قصد لكن المهم اثبات الخطأ الشنيع و التدليس الفظيع. و المتن المخرّج في الكتب المذكورة كالتالي: “عن عائشة : أنها دعت أبا هريرة ، فقالت له : يا أبا هريرة ، ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنك تحدث بها عن النبي، هل سمعت إلاّ ما سمعنا ؟ وهل رأيت إلاّ ما رأينا ؟ قال : يا أماه ، إنه كان يشغلك ، عن رسول الله المرآة والمكحلة ، والتصنع لرسول الله ، وإني والله ما كان يشغلني عنه شيء”  كما عند الحاكم و أما عند ابن سعد فالمتن كالتالي: “قالت عائشة لأبي هريرة : إنك لتحدث عن النبي حديثاًًً ما سمعته منه قال : شغلك عنه يا أمه المرآة والمكحلة وما كان يشغلني عنه شئ” و نفس الشيء عند ابن عساكر و الرامهرمزي. هذا يعني أن المؤلف أدرج في الحديث ما ليس منه ابتداء من إجابة عائشة. 

الإدراج في المتن: “فأجابته عائشة: إنما أنت الذي شغلك عن رسول الله بطنك، و ألهاك نهمك عنه، حتى كنت تعدو وراء الناس في الطرقات، تلتمس منهم أن يطعموك من جوعك، فينفرون منك ويهربون، ثم ينتهي الأمر بك أن تصرع مغشيا عليك من الجوع أمام حجرتي، فيحسب الناس أنك مجنون، فيطأون عنقك بأرجلهم” و هذا ليس كلام عائشة رضي الله عنها، بل قائل هذه الكلمات صاحب كتاب: “أضواء على السنة” و كتاب “أبو هريرة شيخ المضيرة” محمود أبو رية. فكيف صار كلام محمود ردا من عائشة على أبي هريرة؟ 

قال محمود أبو رية في كتابه: “أبو هريرة شيخ المضيرة” معلقا على الحديث في الصفحة ١٣٥ من كتابه المذكور: “ولقد كان لأم المؤمنين أن ترد عليه قلة أدبه فتجبهه بقولها : إنما انت الذي شغلك بطنك ، وألهاك نهمك عن رسول الله ، حتى كنت تعدو وراء الناس في الطرقات تلتمس منهم أن يطعموك من جوعك ، فينفرون منك ويهربون ثم ينتهي بك الأمر الى أن تـُصرع مغشياً عليك من الجوع أمام حجرتي ، فيحسب الناس أنك مجنون فيطأون عنقك بأرجلهم“ بالله عليكم، هل يقبل مثل هذا؟ إن كان أخطأ بغير عمد بمثل هذا الخطأ فمصيبة، و إن كان متعمدا فالمصيبة أعظم. مثل هذا الخطأ عند السلف كان يعتبر جرحا في الراوي فما بالكم أن تجد هذا التدليس يتكرر أكثر من مرة. لو بحث باحث اليوم و اكتشف أن أحدا من المحدثين دلّس فلربما اتهم جميع الرواة بالكذب و التدليس و عدم الأمانة، و صدقوني رأيت في مقالات البعض مثل ذلك. كل هذا من جرّاء ما يحملون في قلوبهم عليهم و إنا لله و إنا إليه راجعون. 


في الكتاب أمثلة غير هذا و إخفاء للمصادر لا يخفى على القارئ الباحث و فيه من التدليس ما يعرفه كل باحث كما قلت سابقا. للأسف الكاتب يتّهم غيره من الكتّاب بتزييف التاريخ ولكنه يقع في أعظم مما يتهم غيره من الناس والله المستعان. الذي أريد أن أقوله لإخواني الباحثين عن الحق، أن لا يتعجلوا بل يأخذوا حذرهم، فإني كما قلت سابقا بعض هؤلاء يقلّد بعضهم بعضا و يدلسون لنشر الخطأ و بالتالي يجعلون عامة المسلمين يبغضون من هم (أي بعض النقّاد) يُبغضون. الباحث عن الحق عليه أن يحقق بنفسه، ولا يقبل كل ما يقرأ أو يسمع كأنه مسلّم به وأنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و من خلفه!. اطلبوا من الله أن يهديكم إلى الحق بصدق و أن ينزع من قلوبكم أي غل بغير حق، فإنما نحن محاسبون و سيأتي اليوم الذي يجمعنا ربنا فردا فردا. اللهم أرنا الحق حقا و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلا و ارزقنا اجتنابه. و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته. 

3 comments:

  1. مبارك الله في جهودك اخ عبدالعزيز مناقشه رائعه ...والكتاب والكاتب عليه الف ملاحظه وعلامات استفهام!!

    ReplyDelete
  2. الله يبارك فيك و يحفظك، شكرا لمرورك، المهم في القارئ أن لا يعير عقله لكل كاتب فقط لأنه كاتب كتاب، عليه أن يكون منتبها لكل ما يقرأ أو يسمع حتى يكون إنسانا بحق...

    ReplyDelete
  3. جزاك الله خير، كنت افكر اقرأ الكتاب لكن بعد تعليق حضرتك على الكتاب والكاتب شلت الفكره ، اللهم أرنا الحق . حقا و ارزقنا اتباعه و أرنا الباطل باطلا و ارزقنا اجتنابه

    ReplyDelete