Wednesday, January 20, 2016

الأخلاق و الدين

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته… طرح أخي القارئ المحترم و الكاتب الرائع محمد المرزوقي سؤالا في موقع تويتر كالتالي: “الدين الصحة المال العلم الأخلاق. ماهو الترتيب الصحيح والاهم من وجهة نظرك؟ بدون تبرير وبدون مثالية متصنعة فهذا ليس اختبار اخلاق” و أنا أحاول أن أجيب في هذه المدونة مع بعض التبرير أما تصنع المثالية سأتجنبها جهدي ما استطعت إن شاء الله… الترتيب بنظري هو كالتالي: أولا الدين ثم الأخلاق ثم الصحة ثم العلم و أخيرا المال. ملاحظة أنا افترض أن الصحة لا يدخل فيها المجنون، لأن المجنون غير مكلف أما إن قصد أخي محمد أن الصحة العقلية من ضمن هذا الموضوع، فإذا الصحة قبل كل شيء، لأنه لولا العقل ليس هناك دين ولا خلق ولا علم، أما الأمور التي هي أقل ضررا للإنسان فهذا الذي أفترضه حتى إن كان لا يقوى على المشي أو الكلام و ما شابه ذلك. و أما العلم فأنا هنا أفترض المعنى الذي يفهمه العامة من العلم وليس المعنى العميق و الفلسفي للعلم الذي يشمل كل صغيرة و كبيرة، إنما أفترض المقصود بالعلم هنا العلم الشرعي و الدنيوي كما هو معروف لدى الناس. أما إن افترضت المعنى الفلسفي فهو قبل كل شيئ، بناء على هذه الإفتراضات اخترت الترتيب الذي ذكرته… 

السؤال، لماذا الدين أولا قبل الأخلاق و الصحة و العلم؟ السبب من وجهة نظري أن الأخلاق دين و لكن ما هو الدين؟ كثيرا من الناس يظنون بأن الدين هو اعتناق أحد الأديان، و لكن في حقيقة الأمر من وجهة نظري أن الدين عبارة عن التزام يلتزمه الإنسان بينه و بين أمر معنوي أو حسي. فالإنسان عندما يعتنق دينا (الاصطلاح العام) من الأديان فإنه يلزم نفسه أن يلتزم تعاليم هذا الدين الذي اعتنقه، و عندما يدين غيره فإنه يلزمه و إن أخذ دينا أي أخذ إلتزاما و هكذا، إن أنت بحثت في جميع المعاني المختلفة لألفاظ الكلمة وجدت أن الرابط بينها التزام. فالإنسان الخلوق نسأله: لماذا إن جهل عليك أحدهم لم تجهل عليه؟ و إن أحسن إليك إنسان شكرته؟ لوجدته في أعماقه مؤمن بأمر ما، و ألزم نفسه بهذا الإيمان، ستجده ألزم نفسه إن أحسن إليه إنسان فعليه رد الجميل و إلا كان عدم رد الجميل و لو بالشكر أمرا معيبا، ولهذا فهو يتجنب هذا الأمر المعيب بالتزامه برد الجميل، و إن هو لم يرد لصح أن يقال عنه لم يتبع دينه في هذا الموقف. الإنسان الكافر بربه، عنده دين بخلاف ما يظنه الناس، لكن ما ألزم نفسه أنه آمن إيمانا بأن العالم وجد من غير خالق و لا رب عنده، فاعتقاد هذا الأمر مبني على إيمان و عندما هو يكفر يكون ملتزما دينه الذي أدان نفسه. فالذين ينكرون الإيمان أقول لهم: “كفركم مبني على إيمان!” و لا فكاك للكافر من هذا، قد تستغرب و أنت تقرأ هذا الكلام لأنك لم تتعود أن تقرأه في كتاب، لكن لا أجبرك أن تصدقني سوى أن تختبر ذلك بنفسك و اسأل الناس، لوجدتهم كذلك.

فإن فهمت ذلك فهمت أعماق قول الله سبحانه و تعالى: ((إِنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام)) فهذه الآية فيها ظهور عزة الله سبحانه و تعالى و عزة من آمن به ربا للعالمين. لأن الله سبحانه و تعالى كونه لا إله إلا هو وجب عقلا أن لا يُسلّم إلا له سبحانه، و عزة للإنسان و كأن فيها أن الإنسان لا ينبغي له أن يلزم و يخضع لشيء إلا لله سبحانه و تعالى. و بما أن الرب واحد، ينبغي أن يكون الدين له و العبادة له وحده، لأنك إن أسلمت لله فأنت تدين نفسك بأنك ستطيع أوامره و تنتهي عن نواهيه، أما إن أدنت نفسك بدين آخر غير دين الإسلام ألزمت نفسك لمخلوق و هذا فيه نوع ضعف فالمؤمن لا ينبغي أن يخضع إلا لله سبحانه و تعالى. لهذا جميع الأنبياء كانوا مسلمين و لهذا صح أن يصف كل نبي نفسه بالمسلم، و صح بذلك كون أديان الأنبياء من قبل الإسلام و لهذا فالشيء المقبول عند الله سبحانه و تعالى أمر واحد، الخضوع له و الإستسلام له لأن هذا ما يقتضيه العقل الصحيح و الإيمان الصحيح و نتائجهما. فإن عرفت ما ذكرت و تفكرت فيه عميقا، لوجدت أن أصل الأخلاق الدين و أن الدين يشمل الأخلاق، و لهذا إن صح الدين (ما تلزم نفسك) صحت عندك الأخلاق، و إن كان الدين فاسدا فسدت الأخلاق. قد تقول: “لكننا نجد أناسا يدينون بدين المشركين و الجاهلية وما إلى ذلك ولكننا بالرغم من ذلك نجدهم أخلاقهم كريمة!؟ كيف ذلك؟” إن أنت فهمت ما كتبته لسهل عليك الإجابة، لأنهم في أعماقهم يدينون بدين غير ما يظهرونه للناس من اعتناق الأديان الجاهلية، ففي قرارة نفسه هو يلزم نفسه أن يحسن معاملة الناس و إن كان يزعم أنه معتنق الديانة الفلانية فهو في واقع الأمر متبع لهواه بدلا من تعاليم دينه. و لهذا لا يكفي صاحب الخلق أن يكون كريما في أخلاقه بل لابد له من الإيمان الصحيح و إلا وقع في شبكة من شباك الشرك الخفي الذي لا يكاد الإنسان يدركه و لهذا حقا ما قاله الحق سبحانه و تعالى: ((إِنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام)) و من ثم ما يدين المرء به قد يختلف بتأثيرات البيئة و المجتمع و غيرها من المؤثرات الخارجية، فهنا تختلف موازين الأخلاق عند الناس، و هذا أمر طبيعي لأنه إلزام من الإنسان للإنسان نفسه مبني على إيمان بما يفرضه العقل المحدود أو الوجدان، أما أن يدين المرء بالله و أسلم فإنه دان أن يلزم نفسه تعاليم من لا يتغير و لا تأخذه الأهواء وما إلى ذلك من المؤثرات الداخلية أو الخارجية. 

أما كونه قبل الصحة، فهذا ظاهر، لأنك إن سألت بعض المصابين بأمراض مزمنة و عرضت عليه أن يفقد دينه أو خلقه مقابل أن يُشفى لا تكاد تجد من يوافق على ذلك، و هذا ليس فقط بين المسلمين، بل حتى بين المشركين أو الذين لا يؤمنون بوجود إله… لأنه ما أدان نفسه و تخلّق به يعطيه من الصبر على صحته ما لا تعوضه الصحة الجيدة إن فقد المرء الدين و الأخلاق. قبل أيام أصبت بوعكة صحية، قرأت عنها على الشبكة و جدت أن الكثيرين يعانون من نفس المرض، و قرأت كيف أن كثيرا منهم فكر بالإنتحار بسبب ما يعاني، أما أنا والحمدلله و الفضل كله له، رأيت أن ما أصابني كان أمرا طبيعيا من أمور الحياة و لم أفقد ثقتي بالله، بل كنت مؤمنا و كأن الله أراد أن يحسن إلي عن طريق هذا المرض، و لو خيرت أن أعود في الزمن و أختار أن لا أمرض لما اخترت ذلك لما وجدت من خيرات عظيمة من الله سبحانه و تعالى، تخيلوا إن لم أكن مؤمنا أو على الأقل أدين بدين يعلو المرض؟ لكنت من الذين يعيشون حياة كئيبة تملأها أفكار الانتحار و اليأس و ما إلى ذلك… فلهذا كان الدين عندي مقدما على الصحة… أما الصحة إن أخذن جميع أبعاد الصحة، الصحة العقلية من بينها فلا شك أن هذا قبل كل شيء. هذا والله أعلم، ما كان من صواب فمن الله و ما كان من خطأ فمن نفسي. إن كان للإخوة رأي آخر فليتفضلوا لأنها فرصة أن نتعلم من بعض في مثل هذه المواضيع العميقة. و شكرا لأخي محمد لما يطرحه من مواضيع و مسائل جميلة، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته...





2 comments: