Thursday, December 4, 2014

على ساحل القرآن - بسم الله الرحمن الرحيم - الجزء الثاني




السلام عليكم ورحمة الله و بركاته, هذه المشاركة تكملة لما قبلها, وقبل البدأ أحب أن أوضّح أمرا وهو أني عندما أقول: "الحكمة من ذلك" أو "الحكمة في قوله ذلك" إنما أقصد بالحكمة التي فهمتها أنا. ربما ما فهمته أنا يوافق الحكمة الإلهية من الآية أو لا يوافق فالله وحده أعلم بذلك. فإن الله قد يضع في الآية الواحدة ألف ألف حكمة قد تبدو لي شيء منها و قد لا تبدو لي أي شيء. فأتمنى من يقرأ كلامي أن لا ينشر بين الناس أو يفهم من قولي بأن هذه الحكمة التي أرادها الله فأنا في الحقيقة لم أتكبر لأصل إلى هذا الحد من الغرور و لا أجرؤ على ذلك. وعودة إلى الموضوع و تكملة لما بدأته, قد تتساءل أيها القارئ, ما الحكمة من اشتمال البسملة على الأسماء الثلاثة: الله, الرحمن, الرحيم؟

أقول والله أعلم بأن في البسملة أخصّ أسماء الله. فاسم "الله" هو الاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى ولوازمها الكمالية, ومن ثم ذكر الاسم العلم الآخر وهو الرحمن الاسم الدال على جميع أسماء الجلال ولوازمها الكمالية وأخيرا فيه اسم الرحيم الدال على جميع أسماء الجمال ولوازمها الكمالية. فأنت حينما تقول بسم الله كأنك ابتدأت استعانة بالله و لله ومن الله, فإن أردت أن تقاتل عدوا قلت بسم الله لأن اسم الله يدل على اسم "العزيز" و "القوي" و "العظيم" و غيرها من الأسماء, فإن أردت أمرا تحتاج فيه إلى رحمة الله ومغفرته و ما أشبه ذلك قلت بسم الله, فإن اسم الله يدل على اسم "الرحيم" و "التواب"...الخ فاسم الله يدل على جميع الأسماء الأخرى, ففي أي موضع أو وضع كنت فيه حسن أن تبدأ قبل أي شيء ببسم الله. وأما عن الرحمن في البسملة فمثل ما قلت في اسم الله ولكن من تأمل مواضع ذكر اسم الرحمن في القرآن لوجد أنه عادة فيه من أسماء الجلال أو صفات الجلال (إن جاز التعبير). و الفرق بين أسماء الجلال و أسماء الجمال هو أن أسماء وصفات الجلال هي صفات العظمة والتي تبعث في القلب خشية الله وتعظيمه فمن هذه الأسماء "الملك" و "العزيز" و "الجبار" و "المتكبر" و "العظيم" وغيرها من الأسماء. أما أسماء الجمال و صفات الجمال فهي التي تبعث في القلب الرجاء و الأمل و حب الله والرغبة فيه مثل "الرحيم" و "التواب" و "الغفور" و "الرؤوف". لذلك عندما تبدأ بأمر وتريد فيه شيء من معاني أسماء الجلال و العظمة يكون اسم الرحمن هو الاسم الجامع لهذه الأسماء الأخرى, و عندما تريد أن تبدأ بأمر و تريد أن تستحضر معاني الجمال ذكرت في البسملة "الرحيم".

أذكر يوما كنت زائرا لاحدى دوائر حكومة دبي, فجاءت متعاملة هندية تريد إنجاز معاملتها إلا أن الموظف رفض انجاز المعاملة لأن بعض المستندات ناقصة فغضبت المرأة ورفعت يديها وقالت أعوذ بالله منك أعوذ بالملك أعوذ بالعزيز أعوذ بالجبار أعوذ بالمتكبر...الخ" وبينما تذكر هذه الأسماء ضحك الموظف لأنها بدأت وكأنها تخرف و تركها لكني انتظرت أريد أن أعرف ماذا ستفعل, و الغريب أنها ذكرت جميع أسماء الجلال التي أعرفها وتكرر, فذهبت إلى المدير قلت له انجز معاملتها خير من أن يحصل أمر سوء لموظفك! ولا أعلم ماذا حدث بعدها فقد كنت زائرا للدائرة ولم أكن موظفا فيها. لكني الآن و أتذكر هذه الحادثة وأقول لو أنها قالت كما قالت مريم عليها السلام لكفتها: ((قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا)). فأنت عندما تبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم أولا استحضرت الاسم الجامع لجميع الأسماء الأخرى وبعدها استحضرت الاسم الجامع لجميع أسماء الجلال وأخيرا استحضرت الاسم الجامع لجميع أسماء الجمال. والحقيقة إن تأملت البسملة وجدت شيئا يسيرا من عظيم رحمة الله بك,  فأنت بدلا من أن تقول بسم الله العزيز الجبار المتكبر القوي الملك أو بسم الله الرحيم التواب الغفور الرؤوف اختصرتها وقلت بسم الله الرحمن الرحيم.

ثم هناك لطيفة أخرى وجدتها في ذكر هذه الأسماء في البسملة (الله, الرحمن, الرحيم) ولكن قبل ذلك أحب أن أقول بأن الشيخ ابن تيمية رحمه الله قد قسّم التوحيد إلى ثلاثة أقسام من أتاها كاملة فقد أتى بالتوحيد المطلوب و هو: "توحيد الألوهية" و "توحيد الربوبية" و "توحيد الأسماء والصفات" وأنا لن أتطرّق إلى مشروعية هذا التقسيم و ما الحكمة من هذا التقسيم وماذا قيل فيه وغير ذلك فإنكم ستجدون ذلك في كتب العقيدة. و لكني أقول بأن اسم الله يدل على الألوهية و اسم الرحمن يدل على الربوبية و اسم الرحيم يدل على "الأسماء و الصفات" (إن جاز التعبير). ولذلك تجد في القرآن عند الحديث في العبادة و ما يتعلق بها من توحيد الله ستجد اسم الله غالبا, وأما ما يتعلق بمعاني الربوبية فإنك غالبا ستجد اسم الرحمن. وأي أمر يتعلق بالتعريف بالله سبحانه وتعالى لخلقه أي من منظورهم ستجد اسم الرحيم أو لوازم هذا الاسم ولكن تفصيل الأخير يطول وذلك لابد من شرح كل آية والبحث فيها و الحقيقة لا أزال أقوم بهذا البحث.

مثال الأول (أقصد الألوهية) : ((وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) و أيضا قال سبحانه: ((الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)) فهذه كلها أمور تتعلق بالعبادة و أمور خاصة بالألوهية. وأما مثال الثاني: ((تنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) و ((الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ)) كلها في الخلق و هي من شؤون الربوبية ألم يقل الله سبحانه في بداية الفاتحة بأن الحمدلله (رب العالمين) !  ومن الآيات أيضا ((قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ)) وانزال القرآن وهدى الدلالة وتربية الخلق من الربوبية. وأما مثال الثالث: ((أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) و قال سبحانه: ((وَاسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيم وَدُود)) فهذه أخبار و وصف لله سبحانه وتعالى. فكأن في البسملة جمع جميع أصناف أسماء الله, الألوهية و الربوبية و الأسماء و الصفات ولكن لا أقسّم التوحيد ثلاثة أقسام ولكني أصنف أسماء الله إلى أصناف أو كما يقال باللغة الإنجليزية Categorization أو Classification و مثلما قلت سابقا أسماء جلال و أسماء جمال, و هذا من منظور آخر, أمور تتعلق بالألوهية و أمور تتعلق بالربوبية...الخ.

ثم هناك معنى آخر من ذكر الرحمن الرحيم في البسملة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه: ((ويبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام)) و قال في موضع آخر ((تبارك اسم ربك ذي الجلال و الإكرام)) و فيما يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "اللهُمَّ أنتَ السَّلامُ و منكَ السَّلامُ تباركتَ يا ذا الجلالِ و الإكرامِ" و كثير من الصالحين يقرنون الجلال و الإكرام في أدعيتهم. تأمل ما قلته سابقا في معنى اسم الله الرحمن والرحيم لوجدت أن اسم الرحمن يدل على الجلال و الإكرام ضمنيا وخاصة إن ذكر من غير اقتران اسم الرحيم, و لكن إن قرن باسم الرحيم فالله أعلم وكأن اسم الرحمن يتضمن الجلال و الرحيم يتضمن الإكرام. فعندما قال الله سبحانه وتعالى: ((تبارك اسم ربك ذي الجلال و الإكرام)) كأنه جمع جميع أسماء الجلال و الجمال. فاسم الله العلم يحتوي هذه المعاني, و اسم الرحمن العلم يحتوي هذه المعاني. فكأن اسم الرحمن الرحيم أصل للجلال و الإكرام. كما نقول بأن الله أصل لجميع أسماء الله الأخرى.

قال الله سبحانه وتعالى: ((الله لا إله إلا هو الحي القيوم)) و ((وعنت الوجوه للحي القيوم)) وكثير من العلماء ذهبوا إلى أن اسم الله الأعظم هو "الحي القيوم" وذلك لاعتمادهم على فهمهم لرواية ينسبونها للنبي صلى الله عليه وسلم في موضوع اسم الله الأعظم. لن أتطرّق وأفصّل ما هو اسم الله الأعظم ولكن أقول بأن اسم الله يدل على "الحي القيوم" و جزء من معاني اسم الله "الرحمن" فإن الحي القيوم من شؤون الربوبية. فأما الحي فيعني كامل الحياة و هو اسم يحتوي على جميع أسماء الكمال أو الصفات الذاتية (إن جاز التعبير) كالعلم و القدرة و السمع و البصر و ما إلى ذلك. والقيوم هو كامل القيومية الذي قام بنفسه واستغنى عن كل شيء و يقوّم كل شيء ولولا قيوميته لم يبقى شيء في العالم سوى الله. وأيضا اسم الله "الرحيم" يدل على "الحي القيوم" فإن الرحيم كما أنه يدل على رحمته التي شملت كل شيء فإنه يدل على الذات العلية أي يدل على اسم "الحي" و كذلك يدل على اسم "القيوم" فإن كل مخلوق في هذا العالم بحاجة إلى الله و لولا رحمة الله لما أمدّهم بما يحتاجونه لبقائهم. فلولا قيومية الله لم يبقى شيء من العرش إلى الفرش طرفة عين وذلك لأن قوام كل شيء به سبحانه وتعالى. فعندما تقول بسم الله الرحمن الرحيم تتذكر ذو الجلال والإكرام وتستحضر معاني الحي القيوم.

فإن فهمت ذلك فهمت لماذا نُسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول: "كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأُ فيه ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ أقطعُ" وإن كان سند هذا الحديث لا تطمئن إليه نفسي إلا أن المعنى صحيح إن شاء الله. بيان ذلك أن الأقطع بمعنى المقطوع, ومن ابتدأ أمرا بغير ذكر الله سواء بالحمدلله أو بسم الله فهو ناقص نوعا ما. وذلك لأنك إن ابتدأت ببسم الله الرحمن الرحيم فكأنك اعترفت واستعنت بالله فوافق لسانك ما كان في قلبك إن كان هذا الذكر (بسم الله) في قلبك. أما إن لم يكن لا في قلبك و لا في لسانك فلا شك بأنه أقطع وهذه من نتائج الغفلة. والعمل قد يكون مقطوعا لا بمعنى أنه لن تستطيع أن تنجزه لكن قد لا تكسب منه أجرا. فإن حصلت على الأجر قد لا تحصل على كمال الأجر فربما كنت ستحصل أضعاف ما حصلت عليه لو ذكرت الله وابتدأت بذلك. وخاصة أن الحسنات تجرّ بعضها بعضا. فإن أنت ابتدأت بذكر الله مثلا وقلت بسم الله تفهم ما تعني هذه الكلمة و أيقنت في قلبك ما فيها من معان عظام لا شك بأنها ستكون كحاجز بينك و بين ارتكاب المعاصي. تخيل أنك خلوت بنفسك وأردت مشاهدة الحرام ثم فتحت جهازك ببسم الله! ما الذي ستشعر به؟ لا شك بأنك ستشعر بالخجل إن كان لك قلب. تريد أن ترتكب هذه المعصية بفضل نعمة الله عليك حيث خلقك و صورك وسواك ثم أعطاك القدرة على استطاعة ما تريد أن تفعله ثم إنك حين تبدأ ببسم الله وكأنك كما ذكرت سابقا تقول هذا العمل لله و أنت تعلم بلا شك بأن الله لا يقبل إلا طيبا فتستحي أكثر و أكثر, ثم أخيرا تستعين على معصيته طلبا معونته! فأنت يا مسكين كمن يطلب من ملك من ملوك الدنيا أن يهيأ له غرفة لكي يقضي شهوته مع محارم الملك. يا ترى ما الذي سيفعل بك الملك؟ لا أكاد أشك بأنه سيقتلك أو يعذبك عذابا شديدا, هذا هو الملك الذي ليس له القدرة المطلقة وعقابه محدود وربما تنجو من عقابه فما بالك بقدرة الله عليك في الدنيا والآخرة!؟ ولله المثل الأعلى, فإن أنت بعد استحضارك لهذه المعاني بقولك (بسم الله الرحمن الرحيم) فانتهيت عن ارتكاب المعصية لرجوت أن تكون كأصحاب الصخرة, الذين حفظنا قصتهم ونحن صغار وهي من القصص المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأسرد لك لتعتبر.

"انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي في طلب شيء يوما فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج))، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من الوقوع عليها فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها))، قال النبي صلى الله عليه وسلم قال الثالث: ((اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أَدِّ إلي أجري فقلت له كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزىء بي، قلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون"

فإن أنت كنت ممّن استحضر بعض معاني عظمة الله ومراقبته و معونته في قولك: (بسم الله الرحمن الرحيم) لرجوت أن تكون كالثاني الذي ترك الفاحشة تحرّجا عندما استحضر مراقبة الله. أما إن لم تنتهي عما تريده من شر بعد استحضارك هذه المعاني و ارتكبت المعاصي والفواحش فكبر على قلبك أربعا فإنه لا قلب لك و أعلم بأنك من شر خلق الله إن لم تتب وتدعو الله أن يرزقك قلبا أو يحيي قلبك! وكأن الإيمان انسلخ منك فلم تخشى الله و لم تستحي منه كما تخشى و تستحي من الناس ويا مسكين لك أن تتخيل ما حالك يوم القيامة وأنت استهنت بالله هذه الاستهانة العظيمة. فإن تفكرّت في ما كتبته فهمت ما معنى "كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأُ فيه ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ أقطعُ". و أقف هنا إلى أن ألقاكم في الجزء الثالث في محاولة لاستخراج و فهم معاني (بسم الله الرحمن الرحيم) أسأل الله أن يعلمني ويوفقني و يهديني ويرشدني ما فيه صلاح في ديني ودنياي وكذلك كل من يقرأ كل هذه الكلمات.

على ساحل القرآن - بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله و بركاته, هذه أول مشاركة أحوم فيها على ساحل (بسم الله الرحمن الرحيم). لن أتطرّق في الخلاف الكبير حول البسملة, هل هي آية من القرآن, فإن كانت آية فهل هي آية من الفاتحة, أم آية في كل السور إلا سورة التوبة؟ أم هي آية مستقلة تفصل بين السور؟ أم أنها ليست من القرآن كقول المسلم (آمين), أم هي جزء آية من وضع من جمعوا القرآن فجعلوها كآية مستقلة بداية وتبرّكا واستلهاما من كتاب سليمان عليه السلام إلى ملكة سبأ ((إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ)) الذي عرفنا من قصتهما في سورة النمل أم استلهموه من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم عند قراءته للقرآن بعد أن يستعيذ عملا بأمر الله سبحانه وتعالى في كتابه. تفاصيل كل ذلك ستجدونه في كتب التفسير و الفقه إلا أن آخر قولين لا أظنكم ستجدونهما في معظم كتب التفسير ربما لأنهم لم يفكروا في الاحتمالين المذكورين أو ربما لأنها احتمالات بعيدة عندهم والله أعلم.

أما عن معنى بسم الله أبدأ بذكر اسم الله,  يبدأ القارئ قراءته ويفتتح قراءته بذكر اسم الله الرحمن الرحيم أي يقرأ ما هو من الله و لله يقرأه وبالله يستعين, فهو منه وله و به. أما قولي ما هو من الله أي ما سيكون قبل قراءة القرآن وبعد التسمية سيكون من كلام الله وهذا التعبير مألوف عند الناس إلى اليوم, فإنهم عندما يريدون تنفيذ أمر ملكي أو سلطان يقولون باسم فخامة الملك فلان أطالبكم بكذا وكذا, أو باسم السلطان فلان آمركم بكذا وكذا. بل إننا نجد حتى في أمور أبسط من ذلك, كما في مراسلاتنا اليومية في العمل. أحيانا نجد مدير هيئة حكومية أو ما شابه ذلك يكتب في بداية كتابه: "باسمي مدير دائرة كذا وكذا يطيب لي أن أقدم لكم جزيل شكري وامتناني على انجازكم...الخ" ولكن قد تقول ما وجه قول القارئ بسم الله الرحمن الرحيم؟ سأجيب بأن الله هو من خلقك و خلق القدرة فيك للقراءة و قابلية الفهم و ما إلى ذلك. فأنت في حقيقة الأمر لا تستطيع أن تقرأ لولا أن الله خلق فيك هذه القدرة وخلق لك لسانا وفهما و عقلا وصوتا وسوّاك على ما أنت عليه, فإنك نوعا ما تتبرأ من نفسك وتعترف بأن ما ستقرأه هو من الله فالقرآن ليس كلامك و لست أنت من خلقته أو كتبته أو أتيت به بمجرد أنك تلفظ ما هو مكتوب أمامك, هو من الله و قدرتك على ذلك هو فضل من الله وهكذا إن تعمّقت قليلا ستدرك ذلك.

وأما قولي (له) أي لله, فكأنك عندما تبدأ باسم الله تقول هذه القراءة ليست لي ولكني أعمله لوجه الله, فالمؤمن الحقيقي يكون مقصده هوة الله سبحانه وتعالى دائما وأبدا في حركاته و سكونه, في جميع أقواله و أفعاله باختصار أن يكون مصداقا لقول الله سبحانه وتعالى: (( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )) فإن ابتدأت أيها القارئ لكتاب الله بالبسملة فتذكر ذلك جيدا. لا تقرأ ليُقال عنك ما أحسن صوتك أو ليُقال عنك بأنه متمسّك بكتاب ربه وما أشبه ذلك, فكل هذه الأمور التي تطلبها مجرد أوهام عما قليل ستدرك بأنها تضر ولا تنفع.  أما عن قولي (وبه) فمعنى ذلك أنك تبدأ مستعينا بالله متبركا باسمه, تعترف بضعفك و لولا الله سبحانه وتعالى لما استطعت أن تقرأ, فإنك أيها الإنسان على قيد الحياة بسبب مدد من الله وقيوميته ولو انقطع هذا المدد منك لحظة لن أقول ستموت فحسب بل سترجع إلى العدم وكأنك لم تكن. فكأن في البسملة شيء من معاني  (لا حول ولا قوة إلا بالله).

وقبل التعمّق في بعض معاني بسم الله الرحمن الرحيم, أحب أن أفصّل قليلا في أسماء الله "الله" و "الرحمن" و "الرحيم". أما عن اسم الله فهو الاسم العلم لرب العالمين, فإن تساءلت: "من هو الله" ففي الحقيقة لا أجد إجابة غير أن أقول "الله". فاسم الله وإن كان يدل على الذات العلية فإنه ضمنيا يدل على جميع أسمائه الأخرى ولوازم هذه الأسماء الكمالية فلذلك لم أجد إجابة غير "الله" يعطي هذا الاسم حقه. ثم إنك عندما تريد أن تُعرّف الله فتقول هو الرحمن الرحيم أو هو العزيز الغفار العليم ثم عندما يسألك أحدهم عن اسم "العزيز" فأنت تقول هو من أسماء الله ولم أسمع أحدا يقول بأن "الله" هو من أسماء العزيز فتأمل! ثم إن هذا الاسم هو من أخصّ الأسماء إذ لا يطلقه أحد على غيره إلا قليلا ممن يدعون أنهم الرب جهلا وعدوانا. أما عن أصل الاسم وما قيل في اشتقاقه وثمرات معرفة هذا الاسم و هل هو الاسم الأعظم أو لا فهذه التفاصيل تجدونها في كتب "الأسماء و الصفات".

أما عن اسم "الرحمن" فمعظم الناس يقولون بأنه مشتق من الرحمة وهو ذو الرحمة الواسعة الذي عمّت رحمته كل شيء سواء المؤمن أو الكافر, وأنه قريب من معنى الرحيم و لكن فرّق ابن القيم رحمه الله تفريقا طيبا أنقله لكم من كتاب تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله حيث نقل ذلك: "الرحمن دالّ على الصفة القائمة به سبحانه أما الرحيم دالّ على تعلقها بالمرحوم وكأن الأول وصف و الثاني الفعل, فالأول دال على أن الرحمة صفته – أي صفة ذات له سبحانه, و الثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته – أي صفة فعل له سبحانه فإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله تعالى: ((وكان بالمؤمنين رحيما)) ((إنه بهم رؤوف رحيم)) ولم يجيء قط رحمن بهم, فعلمت أن رحمن هو الموصوف بالرحمة, و رحيم هو الراحم برحمته". أقول هذا التفريق الحقيقة من أحسن ما قرأت في التفريق بين المعنى المتعارف لاسم الله "الرحمن" ولكني بالرغم من ذلك لا أتفق بأن هذا هو معنى اسم الرحمن.

كتبت سابقا في مدونتي عن معنى اسم الله الرحمن في القرآن, ولا أريد أن أعيد ما كتبته خشية الإطالة فإن هذا الموضوع بحد ذاته بحاجة إلى عدة مشاركات. تأملت اسم "الرحمن" في القرآن الكريم فوجدت أن هذا الاسم بخلاف ما يعتقده معظم المفسرين, فإن من تأمل آيات القرآن التي ورد فيها اسم الله الرحمن وجد بأن في الاسم معاني الهيبة والعظمة والعزة والكبرياء ومعاني الملك وليس فقط الرحمة. بل إني أظن أن ما قاله العلماء في معنى الرحمن بأنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة قد تكون بعيدة عن حقيقة هذا الاسم أعني "الرحمن", فإن هذا المعنى أقصد ذو الرحمة الواسعة نجده في اسم الله: "الرحيم" ولكن لا أدّعي أن معنى الرحمن لا يشمل الرحمة. فكما قلت في اسم "الله" بأنه يدل على الأسماء الأخرى ولوازمها الكمالية فكذلك اسم الرحمن أو غيره من الأسماء. فبعد تأملاتي في أكثر من 40 آية ذكرت فيها اسم الرحمن وجدت أن اسم الرحمن في القرآن على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: بيان لعظيم ملك الله وعظمته وكبريائه وهيبته وسعة ملكه. الوجه الثاني: مناسبة مع الغيب (العالم الآخر أو كما يسميه بعض علماء السلف الملكوت) و اليوم الآخر والوعيد. الوجه الثالث: متعلق بالقرآن الكريم وتفصيل ذلك يطول جدا, باختصار أمور تتعلق بالربوبية و لكن سأعطيكم مثالين لتوضيح ما ذكرت.

نجد في سورة مريم أن اسم الرحمن ذكر مرات كثيرة, مثال ذلك ((قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا))  تأمل! استعاذت مريم عليها السلام باسم الرحمن ولم تقل أعوذ بالله العزيز أو أعوذ بالجبار أو القوي...الخ وهذا واضح لأن في حالة الخوف والضعف الإنسان يستعيذ بأقوى شيء يعرفه. لعل سبب استعاذة مريم بالرحمن بدلا من أي اسم آخر هو كونها امرأة ضعيفة. ويفهم من الآية أنه من المتعارف عندهم (في زمن مريم عليها السلام) أن اسم الرحمن هو ذاك الاسم المهيب العظيم. أما إن أخذنا اسم الرحمن على المعنى المتعارف عند أهل التفسير والناس عامة, ربما من أراد شرا بمريم سيقول: "نعم إن كان رحمانا فسيغفر لي و سيسامحني فرحمته وسعت كل شيء...الخ" بخلاف إن ذكر أمامه اسم يخافه ويهابه الكل. سأضرب لك مثالا لأوضح لك ما أقصده, تخيّل إن كان عندك انسان حليم ورؤوف ورحيم وآخر قوي جبار قادر فبأي منهما ستخوف وتحذر وتهدد وتتقي؟ إن جاءك سارق يريد أن يسرق منك, هل تهدده بإنسان رؤوف رحيم أم بالشرطة والمحكمة وغير ذلك؟ هذا واضح لمن تأمله والله أعلم. في نفس السورة نجد اسم الرحمن في الآية: ((يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن)) قالها إبراهيم عليه السلام يُحذّر والده ويذكره بالله فاستخدم الاسم اللائق لمقام التخويف لأن لهذا الاسم كما قلت له علاقة قوية مع ملك الله وعظمته ويوم القيامة والوعيد. ثم إن إبراهيم عليه السلام كان حريصا أن يؤمن والده فلم يكن ليستخدم اسما من أسماء الله فيها معنى الرحمة الواسعة العظيمة فإن المقام مقام تحذير وتخويف. وإن كان معنى اسم الرحمن كما هو متعارف عليه اليوم بين الناس فربما كان في قلبه يكون: "هو الرحمن لن يعذبني" كما يقول معظم النصارى اليوم خاصة عندما تدعوهم إلى الإسلام. ولذلك ذهب الشيخ صلاح الدين أبو عرفة بأن اسم الله "الرحمن" هو الاسم الذي يخوف الله به عباده استدلالا بمثل هذه الآيات وله كلام حسن وأدق من جميع ما قاله المفسرون في معنى اسم الله الرحمن ولكني أيضا أقول بأن ما قاله جزء من معاني اسم الرحمن وسيتبين لكم ذلك.

المثال الثاني, قال الله سبحانه وتعالى في سورة يس ((إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ))  تأمل! بما أن الموضوع فيه الغيب و خشية واتباع للذكر فناسب استخدم الرحمن فهذا مناسبة وجهين وأيضا قال في سورة ق ((مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ)) و كما قلت في البداية هناك وجه آخر متعلق بالقرآن والذكر, فقال الله من اتبع الذكر و قال في نفس السورة ((قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ)) تأمل قوله ما أنزل الرحمن وكأن هناك مناسبة. وتأمل الوجه الثالث أقصد المناسبة بين اسم الرحمن ويوم القيامة تأمل في نفس السورة قول الله سبحانه  ((قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ))  وكأن أخص اسم لله في يوم القيامة هو الرحمن, تأمل ما قال الله سبحانه وتعالى في سورة النبأ ((يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لّا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا)) هذا يوم القيامة, و تأمل ذكر الروح والملائكة وكلهم لا يتكلمون من هيبة الله وعظمته وهذا يشبه آية سورة طه  ((وخشعت الأصوات للرحمن)). هناك أمثلة كثيرة غير الذي ذكرت, فمن أراد أن يفصّل في هذه المسألة فليرجع إلى مقالتي التي كانت بعنوان: "كلمات عن معنى اسم الله الرحمن".

فإن قلت ما معنى اسم الله الرحمن, قلت لك مثل ما قلت في اسم "الله" بأنه اسم علم ومخصوص لله سبحانه وتعالى. ويغلب على ظني بأنه الاسم علم لرب العالمين ولذلك كان يعرفه كل من قوم ابراهيم و قوم مريم بنت عمران. فأقل ما يمكن أن يُقال بأن هذا الاسم كان معروفا عندهم بخلاف العرب حيث عُرف عندهم اسم "الله". بل حتى اسم إله الهندوس عندهم Brahman احذف أول حرف ويكون رحمن و هو عندهم بالرغم من شركهم وكثرة الآلهة عندهم إلا أن الذي خلق السماوات والأرض والإله الأحد الذي ليس كمثله شيء هو الذي ذكرت اسمه. فعندي على الأقل بأن اسم "الرحمن" هو اسم علم لرب العالمين وليس المقصود به ما قاله المفسرون رحمهم الله.

أما عن اسم الله الرحيم فأقول بأنه يشمل ما قيل في اسم الرحمن سابقا و ما قيل في اسم الرحيم. بأنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة والمتعلقة بخلقه, وأضيف و أقول بأنه كما أنه يدل على الذات فإنه يدل على لوازم الاسم كذلك, فإن الرحيم يدل على منشأ الرحمة وعلى أنها من الأسماء الثابتة. للعلم جعل الشيخ محمد عبده رحمه الله "الرحيم" الصفة القائمة بالله سبحانه وأما الإمام ابن القيم رحمه الله جعل من الرحمن الصفة القائمة بالله سبحانه وهذا الاختلاف نتج عندهم بسبب الاعتقاد المسبق في معنى اسم الله "الرحمن" أما إن فهموا من اسم الرحمن كما فهمت أظن بأنهم لم يكونوا ليفترقوا بل كانوا سيجمعون فيقولون بأن الرحيم الاسم الذي يدل على الصفة القائمة بالله و كذلك الاسم الدال على تعلّقه بالمخلوقات ولهذا رحمة الله تامة وعامة و الله أعلم.

أحب أن أقف هنا إلى أن أكمل في الجزء الثاني لاستخراج معان وحكم من البسملة. أتمنى أن تصبروا و لا تزهدوا فيما أكتبه بسبب الإطالة فإنكم ستجدون فوائد كثيرة ربما لن تجدوها في أي كتاب آخر, وطلب العلم بحاجة إلى صبر. وأقف أيضا لكي لا أثقل عليكم أيها القراء, فالهدف من ما أكتبه في النهاية ليس طلبا للشهرة أو تبجحا بالعلم والعياذ بالله, إنما أكتبه ليستفيد الناس مما أكتبه رجاء رضوان الله وبما أن النفس ملولة وأحيانا كسولة ففضلت الوقوف. في المشاركة القادمة سأواصل إن شاء الله في استخراج بعض معاني بسم الله الرحمن الرحيم و سيتبين لكم الفرق بين هذه الأسماء الثلاثة (الله, الرحمن, الرحيم) أكثر, والحكمة من البسملة و مواضيع أخرى متعلقة بالبسملة. فما كان من صواب فمن الله و ما كان من خطأ فمن نفسي, والله سبحانه وتعالى أعلم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته... 


Tuesday, December 2, 2014

مقدمة سلسلة - على ساحل القرآن




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... منذ سنوات و أنا أحلم بتأليف كتاب لتفسير القرآن الكريم (مع تحرجي لاستخدام "تفسير القرآن" ولكن لتقريب المعنى للقراء) أقصد بهذا الكتاب اخراج بعض معاني القرآن الكريم والحكم من الآيات الربانية بطريقة غير الطريقة التقليدية لدى المفسرين ولكن الأمر أصعب مما كنت أظنه في بداية الأمر. فبعد قراءتي لكتب التفسير وجدته بأنه عمل ممتع ولكنه شاق, وذلك لأني في بداية رحلتي مع القراءة, كنت آخذ وجها (صفحة) من القرآن الكريم, ثم أقرأ كل التفاسير الموجودة عندي لهذه الصفحة. ذهب من عمري سنة كاملة فقط لقراءة تفسير سورة البقرة. اكتشفت بأن هذه الطريقة صعبة ولن أنتهي من قراءة تفسير سور القرآن وبما أن العمر قصير اتبعت طريقة أخرى لدراسة التفسير, بدأت بقراءة كتب التفسير على حدا, مثلا أقرأ تفسير ابن كثير إلى أن أنتهي منه, فإن انتهيت منه أقرأ تفسيرا غيره وهكذا. كما هو واضح, فهذه الطريقة أيضا بحاجة إلى جهد و عمر, لن أستطيع أن أنتهي من كتب التفاسير المطبوعة قبل أن ينقضي عمري. فراجعت نفسي و عرفت بأنني لن أستطيع أن أحقق حلمي بتأليف كتاب في "تفسير القرآن" على الوجه الذي يرضيني فإني على الأقل بحاجة إلى سبعين سنة قادمة ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله. فقلت في نفسي لماذا لا أكتب في مدونتي بعض ما أفهمه من آيات القرآن سواء كان من محفوظاتي أو من خواطري وفهمي الشخصي للآيات؟ وبالرغم من كون هذا الأمر صعب ولكني سأتوكل على الله و أبدأ و أجرب ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.

سبب هذه المشاركات هو تقريب معاني القرآن و استخراج بعض الحكم والتقاط الدرر من آياته لعوام الناس. سأحاول أن لا أثقل هذه المشاركات بأوجه الإعراب أو أقوال أهل اللغة, و لن أحاول أن أرجع إلى كتب التفسير ونقل كل ما قيل في آيات الله واخراج الأحكام الفقهية من الآيات أو التطرق للخلافات بين الفرق الإسلامية كما فعل كثير من أهل التفسير. لا أخفيكم بأني و أنا أقرأ بعض كتب التفسير كنت أشعر بالملل بسبب هذه التفاصيل التي تقسي القلب أحيانا. وهناك مشكلة أخرى وقع فيها المفسرون وهو تقليد بعضهم البعض, بل إنك أحيانا ستجدهم ينقلون من بعضهم من غير عزو أو ذكر القائل وإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد عبر عن نفس هذه المشكلة الشيخ محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار فقال:

"التفسير عند قومنا اليوم ومن قبل اليوم بقرون: هو عبارة عن الاطلاع على ما قاله بعض العلماء في كتب التفسير على ما في كلامهم من اختلاف يتنزه عنه القرآن (( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا )) (4: 82) وليت أهل العناية بالاطلاع على كتب التفسير يطلبون لأنفسهم معنى تستقر عليه أفهامهم في العلم بمعاني الكتاب، ثم يبثونه في الناس ويحملونهم عليه. ولكنهم لم يطلبوا ذلك، وإنما طلبوا صناعة يفاخرون بالتفنن فيها، ويمارون فيها من يباريهم في طلبها، ولا يخرجون لإظهار البراعة في تحصيلها عن حد الإكثار من القول، واختراع الوجوه من التأويل، والإغراب في الإبعاد عن مقاصد التنزيل، إن الله تعالى لا يسألنا يوم القيامة عن أقوال الناس وما فهموه وإنما يسألنا عن كتابه الذي أنزله لإرشادنا وهدايتنا، وعن سنة نبيه الذي بين لنا ما نزل إلينا (( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم )) "

ثم إني لاحظت بأن معظم المفسرين يعتمدون على تفاسير أعتبرها أصول من جاؤوا من بعدهم, و هذه التفاسير هي: تفسير الطبري المسمى بـ"جامع البيان عن تأويل آي القرآن" فستجد أن معظم من جاؤوا من بعده من الذين فسروا القرآن بالمأثور (الروايات المأثورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة و التابعين) أخذوا منه ولم يأتوا بجديد. وتفسير الزمخشري المسمى بـ"تفسير الكشاف" و تفسير الفخر الرازي المسمى بـ"التفسير الكبير" أو "مفاتيح الغيب" و تفسير القرطبي و التفاسير المنثورة في كتب ابن تيمية أو ابن القيم. فإنك إن قرأت كتب القوم و من ثم قرأت تفسير ابن كثير لتجد أن معظم مادة تفسيره من تفسير الطبري وأيضا من تفسير الرازي. وإن قرأت تفسير روح البيان للألوسي وجدت معظم تفسيره من تفسير الفخر الرازي, و إن قرأت التفسير المنير لوهبة الزحيلي وجدته قد جمع من كتب من سبقوه من المفسرين وأغلبه من تفسير ابن كثير وكذلك فعل صاحب تفسير "حدائق الروح والريحان" أكثر من ثلاثون مجلدا إلا أنك بصعوبة تجد شيئا جديدا. وكذلك قل مع تفسير الثعالبي و تفسير الماوردي (النكت و العيون) و تفسير محمد أمين الشنقيطي (أضواء البيان) و تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن) و تفسير ابن عثيمين ولكن آخر ثلاثة ممن ذكرت فخير من غيرهم أقصد من ناحية التقليد.

لا أمانع من أن يأخذ المفسر من قبله ويستفيد منهم, فإن السلف حقيقة جمعوا فوائد عظيمة و كثيرة لا ينكر ذلك إلا جاحد و إما شخص لم يقرأ كتبهم. و لكن ما أريده على الأقل أن يأتوا بنفس الفوائد ولكن بطريقة جديدة وأسلوب غير تقليدي مثل تفسير السعدي (وإن كان مختصرا) أو تفسير محمد أبو زهرة (زهرة التفاسير) و تفسير حسن الترابي (التفسير التوحيدي). أما الذين أبدعوا في التفسير وأتوا بأشياء لم يسبقوا إليها فإني أذكر من بينهم تفسير الطبري فقد أتى بتفسير جعله الناس من بعده أساسا لهم, وتفسير الزمخشري و تفسير الرازي و تفسير كل من ابن تيمية و ابن القيم, و تفسير محمد رشيد رضا (تفسير المنار) و تفسير الشعراوي (الخواطر) وتفسير طنطاوي جوهري (الجواهر في تفسير القرآن) وأتوا بفوائد عظيمة لن تجدها في كتب من سبقوهم.

أما عن نفسي, فستجدون في هذه المشاركات التي سأخصصها لفهم معاني بعض آيات القرآن الكريم (أسأل الله أن ييسرها) لن أتطرق إلى الإعراب والاختلافات اللغوية و النحوية, وكذلك سأحاول أن أبتعد عن الأحكام الفقهية وأحاول التقليل من الاستشهاد بالمأثور قدر الإمكان وإن كان ما يؤثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة, فإن كثير من هذه الأحاديث التي تتعلق بالتفسير لا يطمئن لها قلبي وبحاجة إلى دراسة سند و متن و هذا يحتاج إلى مجهود جبار لتحقيق السنة النبوية ولا أظنني فاعل ذلك. ولكن إن أوردت هذه المرويات فإني سأقتصر على ما حكم عليه بالصحة من قبل علماء الحديث أما الضعيف فلن أستشهد به إلا أن أذكر قبل أو بعد إيراده بأنه ضعيف. واعلم أيها القارئ بأن كل حديث أقول فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال أبو بكر الصديق أو قال عمر بن الخطاب فإني لا أقصد بأنهم حقيقة قالوا ذلك ولا أجزم بذلك فلا سبيل إلى ذلك إلا إذا كان متواترا وهيهات هيهات ولكن للاختصار بدلا من أن أقول: (يروى عن رسول الله, أو ينسب إلى رسول الله) فإني أصح الأحاديث لا أجزم بها و أقول ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, و هذا تحرج شخصي لا ألزم به أحدا و بيان سبب هذا يطول جدا ولكن من قرأ ما كتبته في المدونة من قبل سيفهم لماذا.

ثم اعلم أيها القارئ بأن معظم ما ستجده في مشاركاتي ربما قاله من سبقني, فإن من كتبوا في التفسير الحقيقة استخرجوا علوما وحكما كثيرة لا يمكن حصرها وعدها, وأنا فرد, فإن جئت بشيء يغلب على ظني بأن هناك عشرات المفسرين قالوا مثل قولي بأسلوب خير و أفضل مني أو العكس. وإني إن نقلت علما ممن سبقني و وجدته تخصص به فإني إن شاء الله سأذكره بالاسم فأقول "قال الشعراوي أو قال الرازي" أما علما اشترك فيه جمع من المفسرين فلن أفعل ذلك, و أما علما وجدته بنفسي فلن أخصص لنفسي هذا الفهم فربما توصل إلى نفس الفهم أناس سبقوني فأخشى أن أفعل ذلك فيتهمني البعض بالسرقة, وخاصة أني شخصيا أملك أكثر من 2000 كتابا في القرآن ولم أقرأها جميعا وهناك كتب في التفسير لم أطلع عليها بعد فإنه بالرغم من كثرة كتب التفسير فإن هناك ألوفا من الكتب (غير كتب التفسير) الذي قد يتطرق مؤلفوها إلى تفسير آية لغرض موضوع معين يعالجونه في كتبهم.  وأحب أن أنوّه بأني أحيانا قد أنقل كلاما من علماء أهل السنة سواء الأشاعرة أو السلفية أو الصوفية أو المعتزلة أو علماء الشيعة ودعاة الحداثة فإن الحكمة ضالة المؤمن أنّا وجدها أخذها وكما ذكرت إن فعلت ذلك نقلا فإني سأذكر القائل.

سأحاول قصار جهدي أن أكتب هذه الكلمات من خلال فهمي الشخصي لكتاب الله من غير الرجوع إلى كتب التفسير, فإن الهدف هو عرض فهمي لهذه الآيات للناس ولا ألزم أحدا بهذا الفهم, فلكم أن تأخذوا به ولكم أن ترموا به عرض الحائط وأفعل ذلك لأني لا أحب التقليد وطريقتي في معظم ما فهمته من الآيات هو كثرة الأسئلة, وربما ستجدونني عندما أكتب أورد بعض الأسئلة ومن ثم أجيب على هذه الأسئلة للشرح والتفصيل واستخراج الحكم. وبما أني مولع باستخراج الحكم من كتاب الله سبحانه وتعالى فإني لا أدعي أن هذه هي الحكمة من الآية الفلانية أو هذه الكلمة و ما أشبه ذلك, بل كل ما ستجدونه مبني على الظن لا أكثر من ذلك, فإن قال لي أحدكم لماذا تكتب وأنت لم تتيقن, أقول بأنه وإن جمعت جميع الأدوات والعلوم للتفسير فإني لن أتخطى حاجز الظن في إصابة المراد من هذه الآيات وموضوعها و ما شابه ذلك بدرجة اليقين فإن من يستطيع ذلك لابد أنه يعرف مراد الله و هذا لا يمكن من غير وحي... وأخيرا كنت أفكر أن أسمي هذه السلسلة باسم ولكني لم أجد اسما مناسبا, فقلت أولا سأضع "على ساحل القرآن" عنوانا للسلسلة و ذلك لأني مهما تعمقت في فهم كتاب الله فإني سأكون على الساحل, والقرآن أعظم من المحيط بل من بحار العالم كلها فأقصى ما يمكنني فعله هو أن أحوم على ساحله. وفكرت أيضا بعنوان: "الحكم الإيمانية في الآيات الربانية"  ولكن كل هذه مجرد عنوانين لا تغني شيئا, على كل أعتبر هذه المشاركة كمقدمة لما هو قادم و الله أعلم متى سأبدأ بالكتابة ولكني أرجو أن أبدأ ولو بمشاركة في السنة القادمة هذا وأسأل الله لي ولكم التوفيق.

Monday, December 1, 2014

Sentences that Can Change Your Life


1. Never compare your weaknesses to other people's strengths.

2. Own your life, or someone will own it for you.

3.  We cannot change the cards we are dealt,just how we play the hand.

4. Climb mountains not so the world can see you but so you can see the world.

5. If you accept your limitation, you go beyond them.

6. Comfort is the enemy of achievement.

7. No matter anyone says to you,you don't have to eat dinner with them,
live with them or go to bed with them.

8. If you risk nothing, you risk everything.

9. Don't give others the power to control your emotion. Those are only yours and it is only for you to manipulate.

10. Victory introduces you to the world, but defeat introduces the world to you.

11. If you don't do stupid things while you are young,you will have nothing to smile about when you are old.

12. Don't waste your time with explanation,people only hear what they want to hear.

13. Don't rest after your first victory,because if you fail the second time,more lips will be waiting to say that your first victory was just luck.

14. Everyone thinks of changing the world,but no one thinks of changing themselves.

15. The person that you will spend most time with in your life is yourself, so better try to make yourself as interesting as possible.

Source : Sentences that Can Change Your Life - Lifehack