Tuesday, December 2, 2014

مقدمة سلسلة - على ساحل القرآن




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... منذ سنوات و أنا أحلم بتأليف كتاب لتفسير القرآن الكريم (مع تحرجي لاستخدام "تفسير القرآن" ولكن لتقريب المعنى للقراء) أقصد بهذا الكتاب اخراج بعض معاني القرآن الكريم والحكم من الآيات الربانية بطريقة غير الطريقة التقليدية لدى المفسرين ولكن الأمر أصعب مما كنت أظنه في بداية الأمر. فبعد قراءتي لكتب التفسير وجدته بأنه عمل ممتع ولكنه شاق, وذلك لأني في بداية رحلتي مع القراءة, كنت آخذ وجها (صفحة) من القرآن الكريم, ثم أقرأ كل التفاسير الموجودة عندي لهذه الصفحة. ذهب من عمري سنة كاملة فقط لقراءة تفسير سورة البقرة. اكتشفت بأن هذه الطريقة صعبة ولن أنتهي من قراءة تفسير سور القرآن وبما أن العمر قصير اتبعت طريقة أخرى لدراسة التفسير, بدأت بقراءة كتب التفسير على حدا, مثلا أقرأ تفسير ابن كثير إلى أن أنتهي منه, فإن انتهيت منه أقرأ تفسيرا غيره وهكذا. كما هو واضح, فهذه الطريقة أيضا بحاجة إلى جهد و عمر, لن أستطيع أن أنتهي من كتب التفاسير المطبوعة قبل أن ينقضي عمري. فراجعت نفسي و عرفت بأنني لن أستطيع أن أحقق حلمي بتأليف كتاب في "تفسير القرآن" على الوجه الذي يرضيني فإني على الأقل بحاجة إلى سبعين سنة قادمة ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله. فقلت في نفسي لماذا لا أكتب في مدونتي بعض ما أفهمه من آيات القرآن سواء كان من محفوظاتي أو من خواطري وفهمي الشخصي للآيات؟ وبالرغم من كون هذا الأمر صعب ولكني سأتوكل على الله و أبدأ و أجرب ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.

سبب هذه المشاركات هو تقريب معاني القرآن و استخراج بعض الحكم والتقاط الدرر من آياته لعوام الناس. سأحاول أن لا أثقل هذه المشاركات بأوجه الإعراب أو أقوال أهل اللغة, و لن أحاول أن أرجع إلى كتب التفسير ونقل كل ما قيل في آيات الله واخراج الأحكام الفقهية من الآيات أو التطرق للخلافات بين الفرق الإسلامية كما فعل كثير من أهل التفسير. لا أخفيكم بأني و أنا أقرأ بعض كتب التفسير كنت أشعر بالملل بسبب هذه التفاصيل التي تقسي القلب أحيانا. وهناك مشكلة أخرى وقع فيها المفسرون وهو تقليد بعضهم البعض, بل إنك أحيانا ستجدهم ينقلون من بعضهم من غير عزو أو ذكر القائل وإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد عبر عن نفس هذه المشكلة الشيخ محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار فقال:

"التفسير عند قومنا اليوم ومن قبل اليوم بقرون: هو عبارة عن الاطلاع على ما قاله بعض العلماء في كتب التفسير على ما في كلامهم من اختلاف يتنزه عنه القرآن (( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا )) (4: 82) وليت أهل العناية بالاطلاع على كتب التفسير يطلبون لأنفسهم معنى تستقر عليه أفهامهم في العلم بمعاني الكتاب، ثم يبثونه في الناس ويحملونهم عليه. ولكنهم لم يطلبوا ذلك، وإنما طلبوا صناعة يفاخرون بالتفنن فيها، ويمارون فيها من يباريهم في طلبها، ولا يخرجون لإظهار البراعة في تحصيلها عن حد الإكثار من القول، واختراع الوجوه من التأويل، والإغراب في الإبعاد عن مقاصد التنزيل، إن الله تعالى لا يسألنا يوم القيامة عن أقوال الناس وما فهموه وإنما يسألنا عن كتابه الذي أنزله لإرشادنا وهدايتنا، وعن سنة نبيه الذي بين لنا ما نزل إلينا (( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم )) "

ثم إني لاحظت بأن معظم المفسرين يعتمدون على تفاسير أعتبرها أصول من جاؤوا من بعدهم, و هذه التفاسير هي: تفسير الطبري المسمى بـ"جامع البيان عن تأويل آي القرآن" فستجد أن معظم من جاؤوا من بعده من الذين فسروا القرآن بالمأثور (الروايات المأثورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة و التابعين) أخذوا منه ولم يأتوا بجديد. وتفسير الزمخشري المسمى بـ"تفسير الكشاف" و تفسير الفخر الرازي المسمى بـ"التفسير الكبير" أو "مفاتيح الغيب" و تفسير القرطبي و التفاسير المنثورة في كتب ابن تيمية أو ابن القيم. فإنك إن قرأت كتب القوم و من ثم قرأت تفسير ابن كثير لتجد أن معظم مادة تفسيره من تفسير الطبري وأيضا من تفسير الرازي. وإن قرأت تفسير روح البيان للألوسي وجدت معظم تفسيره من تفسير الفخر الرازي, و إن قرأت التفسير المنير لوهبة الزحيلي وجدته قد جمع من كتب من سبقوه من المفسرين وأغلبه من تفسير ابن كثير وكذلك فعل صاحب تفسير "حدائق الروح والريحان" أكثر من ثلاثون مجلدا إلا أنك بصعوبة تجد شيئا جديدا. وكذلك قل مع تفسير الثعالبي و تفسير الماوردي (النكت و العيون) و تفسير محمد أمين الشنقيطي (أضواء البيان) و تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن) و تفسير ابن عثيمين ولكن آخر ثلاثة ممن ذكرت فخير من غيرهم أقصد من ناحية التقليد.

لا أمانع من أن يأخذ المفسر من قبله ويستفيد منهم, فإن السلف حقيقة جمعوا فوائد عظيمة و كثيرة لا ينكر ذلك إلا جاحد و إما شخص لم يقرأ كتبهم. و لكن ما أريده على الأقل أن يأتوا بنفس الفوائد ولكن بطريقة جديدة وأسلوب غير تقليدي مثل تفسير السعدي (وإن كان مختصرا) أو تفسير محمد أبو زهرة (زهرة التفاسير) و تفسير حسن الترابي (التفسير التوحيدي). أما الذين أبدعوا في التفسير وأتوا بأشياء لم يسبقوا إليها فإني أذكر من بينهم تفسير الطبري فقد أتى بتفسير جعله الناس من بعده أساسا لهم, وتفسير الزمخشري و تفسير الرازي و تفسير كل من ابن تيمية و ابن القيم, و تفسير محمد رشيد رضا (تفسير المنار) و تفسير الشعراوي (الخواطر) وتفسير طنطاوي جوهري (الجواهر في تفسير القرآن) وأتوا بفوائد عظيمة لن تجدها في كتب من سبقوهم.

أما عن نفسي, فستجدون في هذه المشاركات التي سأخصصها لفهم معاني بعض آيات القرآن الكريم (أسأل الله أن ييسرها) لن أتطرق إلى الإعراب والاختلافات اللغوية و النحوية, وكذلك سأحاول أن أبتعد عن الأحكام الفقهية وأحاول التقليل من الاستشهاد بالمأثور قدر الإمكان وإن كان ما يؤثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة, فإن كثير من هذه الأحاديث التي تتعلق بالتفسير لا يطمئن لها قلبي وبحاجة إلى دراسة سند و متن و هذا يحتاج إلى مجهود جبار لتحقيق السنة النبوية ولا أظنني فاعل ذلك. ولكن إن أوردت هذه المرويات فإني سأقتصر على ما حكم عليه بالصحة من قبل علماء الحديث أما الضعيف فلن أستشهد به إلا أن أذكر قبل أو بعد إيراده بأنه ضعيف. واعلم أيها القارئ بأن كل حديث أقول فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال أبو بكر الصديق أو قال عمر بن الخطاب فإني لا أقصد بأنهم حقيقة قالوا ذلك ولا أجزم بذلك فلا سبيل إلى ذلك إلا إذا كان متواترا وهيهات هيهات ولكن للاختصار بدلا من أن أقول: (يروى عن رسول الله, أو ينسب إلى رسول الله) فإني أصح الأحاديث لا أجزم بها و أقول ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, و هذا تحرج شخصي لا ألزم به أحدا و بيان سبب هذا يطول جدا ولكن من قرأ ما كتبته في المدونة من قبل سيفهم لماذا.

ثم اعلم أيها القارئ بأن معظم ما ستجده في مشاركاتي ربما قاله من سبقني, فإن من كتبوا في التفسير الحقيقة استخرجوا علوما وحكما كثيرة لا يمكن حصرها وعدها, وأنا فرد, فإن جئت بشيء يغلب على ظني بأن هناك عشرات المفسرين قالوا مثل قولي بأسلوب خير و أفضل مني أو العكس. وإني إن نقلت علما ممن سبقني و وجدته تخصص به فإني إن شاء الله سأذكره بالاسم فأقول "قال الشعراوي أو قال الرازي" أما علما اشترك فيه جمع من المفسرين فلن أفعل ذلك, و أما علما وجدته بنفسي فلن أخصص لنفسي هذا الفهم فربما توصل إلى نفس الفهم أناس سبقوني فأخشى أن أفعل ذلك فيتهمني البعض بالسرقة, وخاصة أني شخصيا أملك أكثر من 2000 كتابا في القرآن ولم أقرأها جميعا وهناك كتب في التفسير لم أطلع عليها بعد (كتفسير ابن عاشور و تفسير أبو السعود و تفسير سيد قطب) فإنه بالرغم من كثرة كتب التفسير فإن هناك ألوفا من الكتب (غير كتب التفسير) الذي قد يتطرق مؤلفوها إلى تفسير آية لغرض موضوع معين يعالجونه في كتبهم.  وأحب أن أنوّه بأني أحيانا قد أنقل كلاما من علماء أهل السنة سواء الأشاعرة أو السلفية أو الصوفية أو المعتزلة أو علماء الشيعة ودعاة الحداثة فإن الحكمة ضالة المؤمن أنّا وجدها أخذها وكما ذكرت إن فعلت ذلك نقلا فإني سأذكر القائل.

سأحاول قصار جهدي أن أكتب هذه الكلمات من خلال فهمي الشخصي لكتاب الله من غير الرجوع إلى كتب التفسير, فإن الهدف هو عرض فهمي لهذه الآيات للناس ولا ألزم أحدا بهذا الفهم, فلكم أن تأخذوا به ولكم أن ترموا به عرض الحائط وأفعل ذلك لأني لا أحب التقليد وطريقتي في معظم ما فهمته من الآيات هو كثرة الأسئلة, وربما ستجدونني عندما أكتب أورد بعض الأسئلة ومن ثم أجيب على هذه الأسئلة للشرح والتفصيل واستخراج الحكم. وبما أني مولع باستخراج الحكم من كتاب الله سبحانه وتعالى فإني لا أدعي أن هذه هي الحكمة من الآية الفلانية أو هذه الكلمة و ما أشبه ذلك, بل كل ما ستجدونه مبني على الظن لا أكثر من ذلك, فإن قال لي أحدكم لماذا تكتب وأنت لم تتيقن, أقول بأنه وإن جمعت جميع الأدوات والعلوم للتفسير فإني لن أتخطى حاجز الظن في إصابة المراد من هذه الآيات وموضوعها و ما شابه ذلك بدرجة اليقين فإن من يستطيع ذلك لابد أنه يعرف مراد الله و هذا لا يمكن من غير وحي... وأخيرا كنت أفكر أن أسمي هذه السلسلة باسم ولكني لم أجد اسما مناسبا, فقلت أولا سأضع "على ساحل القرآن" عنوانا للسلسلة و ذلك لأني مهما تعمقت في فهم كتاب الله فإني سأكون على الساحل, والقرآن أعظم من المحيط بل من بحار العالم كلها فأقصى ما يمكنني فعله هو أن أحوم على ساحله. وفكرت أيضا بعنوان: "الحكم الإيمانية في الآيات الربانية"  ولكن كل هذه مجرد عنوانين لا تغني شيئا, على كل أعتبر هذه المشاركة كمقدمة لما هو قادم و الله أعلم متى سأبدأ بالكتابة ولكني أرجو أن أبدأ ولو بمشاركة في السنة القادمة هذا وأسأل الله لي ولكم التوفيق.

No comments:

Post a Comment