Thursday, September 3, 2020

من هم أصحاب الفيل؟

 فصل: أصحاب الفيل


بسم الله الرحمن الرحيم: ((لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) )) 

هذه السورة حفظناها و نحن صغار و نقرؤها كثيرا و نسمعها كثيرا في الصلاة لقصرها، و أظن أن كثيرا من المسلمين يعرفون قصة الفيل و هدم الكعبة، فنحن نحفظها منذ أن كنا صغارا، و أنقل لكم القصة من تفسير الطبري للاستمتاع بقراءتها فهي ممتعة:

وكان السبب الذي من أجله حلَّت عقوبة الله تعالى بأصحاب الفيل، مسير أبرهة الحبشيّ بجنده معه الفيل، إلى بيت الله الحرام لتخريبه. وكان الذي دعاه إلى ذلك فيما: حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثنا ابن إسحاق، أن أبرهة بنى كنيسة بصنعاء، وكان نصرانياً، فسماها القُلَّيْس لم يُر مثلها في زمانها بشي من الأرض وكتب إلى النجاشي ملك الحبشة: إن قد بنيت لك أيها الملك كنيسة، لم يُبن مثلها لملك كان قبلك، ولستُ بمُنته حتى أصرف إليها حاجّ العرب. فلما تحدّثت العرب بكتاب أبرهة ذلك للنجاشيّ، غضب رجل من النَّسَأة أحد بن فُقَيم، ثم أحد بني ملك، فخرج حتى أتى القُلَيس، فقعد فيها، ثم خرج فلحق بأرضه، فأُخْبر أبرهة بذلك، فقال: من صنع هذا؟ فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت، الذي تحجّ العرب إليه بمكة، لما سمع من قولك: أصرف إليه حاجّ العرب، فغضب، فجاء فقعد فيها، أي أنها ليست لذلك بأهل فغضب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرنّ إلى البيت فيهدمه، وعند أبرهة رجال من العرب قد قَدِموا عليه يلتمسون فضله، منهم محمد بن خُزَاعي بن حِزَابة الذَّكواني، ثم السُّلَمي، في نفر من قومه، معه أخ له يقال له قيس بن خزاعي فبينما هم عنده، غَشِيهم عبد لأبرهة، فبعث إليهم فيه بغذائه، وكان يأكل الخُصَى فلما أتى القوم بغذائه، قالوا: والله لئن أكلنا هذا لا تزال تسبُّنا به العرب ما بقينا، فقام محمد بن خزاعي، فجاء أبرهة فقال: أيها الملك، إن هذا يوم عيد لنا، لا نأكل فيه إلا الجُنوبَ والأيدي، فقال له أبرهة: فسنبعث إليكم ما أحببتم، فإنما أكرمتكم بغذائي، لمنزلتكم عندي. ثم إن أبرهة توّج محمد بن خُزَاعِي، وأمَّره على مضر، أن يسير في الناس، يدعوهم إلى حجّ القُلَّيس، كنيسته التي بناها، فسار محمد بن خِزاعي، حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة، وقد بلغ أهل تهامة أمره، وما جاء له، بعثوا إليه رجلاً من هُذَيل يقال له عُرْوة بن حياض الملاصي، فرماه بسهم فقتله وكان مع محمد بن خزاعي أخوه قيس بن خزاعي، فهرب حين قُتل أخوه، فلحق بأبرهة فأخبره بقتله، فزاد ذلك أبرهة غضباً وحنقاً، وحلف ليغزونّ بني كنانة، وليهدمنّ البيت. ثم إن أبرهة حين أجمع السير إلى البيت، أمر الحُبْشان فتهيأتْ وتجهَّزتْ، وخرج معه بالفيل، وسمعت العرب بذلك، فأعظموه، وفُظِعوا به، ورأوا جهاده حقًّا عليهم، حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة، بيت الله الحرام، فخرج رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له ذو نَفْر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب، إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، وعَرَض له، وقاتله، فهُزم وتفرّق أصحابه، وأُخِذَ له ذو نفر أسيراً فلما أراد قتله، قال ذو نفر: أيها الملك لا تقتلني، فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيراً لك من قتلي فتركه من القتل، وحبسه عنده في وثاق.

وكان أبرهة رجلاً حليماً. ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم، عرض له نُفَيل بن حبيب الخثعميّ في قبيلَي خثعم: شَهران، وناهس، ومن معه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأُخِذ له أسيراً، فأُتِي به فلما همّ بقتله، قال له نفيل: أيها الملك لا تقتلني، فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلي خثعم: شهران، وناهس، بالسمع والطاعة فأعفاه وخلَّى سبيله، وخرج به معه، يدله على الطريق حتى إذا مرّ بالطائف، خرج إليه مسعود بن مُعَتِّب في رجال ثقيف، فقال: أيها الملك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون، ليس لك عندنا خلاف، وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد يعنون اللاَّت إنما تريد البيت الذي بمكة يعنون الكعبة ونحن نبعث معك من يدلك، فتجاوز عنهم، وبعثوا معهم أبا رِغال فخرج أبرهة ومعه أبو رِغال حتى أنزله المغمِّس، فلما أنزله به مات أبو رِغال هناك، فَرَجمت العرب قبره، فهو القبر الذي ترجم الناس بالمغمِّس. ولما نزل أبرهة المغمِّس، بعث رجلاً من الحبشة، يقال له الأسود بن مقصود، على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مئتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذٍ كبير قريش وسيَّدها وهمّت قريش وكنانة وهُذَيل ومن كان معهم بالحرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك، وبعث أبرهة حُناطة الحميريّ إلى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملك يقول لكم: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن لم يُرِد حربي فأتني به. فلما دخل حناطة مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل: عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن قُصَيّ، فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة، فقال له عبد المطلب: واللّهِ ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام أو كما قال فإن يمنعه فهو بيته وحَرَمه، وإن يُخْلِ بينه وبينه، فوالله ما عندنا له من دافع عنه، أو كما قال فقال له حناطة: فانطِلقْ إلى الملك، فإنه قد أمرني أن آتيه بك.

فانطلق معه عبد المطلب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نَفْر، وكان له صديقاً، فَدُلَّ عليه، فجاءه وهو في محبسه، فقال: يا ذا نَفْر، هل عندك غَناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر، وكان له صديقاً: وما غَنَاءُ رجل أسير في يدي ملك، ينتظر أن يقتله غدوّاً أو عشياً ما عندي غناء في شيء مما نزل بك، إلاّ أن أُنَيساً سائق الفيل لي صديق، فسأرسل إليه، فأوصيه بك، وأُعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك، فتكلمه بما تريد، ويشفع لك عنده بخير، إن قدر على ذلك. قال: حسبي، فبعث ذو نَفْر إلى أُنيس، فجاء به، فقال: يا أُنيس إن عبد المطلب سيِّد قريش، وصاحب عِير مكة، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب الملكُ له مئتي بعير، فاستأذنْ له عليه، وانفعْه عنده بما استطعت، فقال: أفعل. فكلَّم أُنيس أبرهة، فقال: أيها الملك، هذا سيِّد قريش ببابك، يستأذن عليك، وهو صاحب عِير مكة، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، فأْذَنْ له عليك، فليكلمك بحاجته، وأحسن إليه. قال: فأذِن له أبرهة، وكان عبد المطلب رجلاً عظيماً وسيماً جسيماً فلما رآه أبرهة أجلَّه وأكرمه أن يجلس تحته، وكرِه أن تراه الحبشة يُجِلسُه معه على سرير مُلكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه، فأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له ما حاجتك إلى الملك؟ فقال له ذلك الترجمان، فقال له عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يردّ عليّ مئتي بعير أصابها لي فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زَهِدت فيك حين كلَّمتَني، أتكلمني في مئتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه فلا تكلمني فيه؟ قال له عبدالمطلب: إني أنا ربّ الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه، قال: ما كان ليُمَنع مني، قال: فأنت وذاك، اردد إليّ إبلي. وكان فيما زعم بعض أهل العلم قد ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة، حين بعث إليه حناطة، يعمر بن نُفاثة بن عديّ بن الديل بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، وهو يومئذٍ سيِّد بني كنانة، وخويلِد بن واثلة الهُذَليّ وهو يومئذٍ سيد هُذَيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تِهامة، على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبي عليهم، والله أعلم. وكان أبرهة، قد ردّ على عبد المطلب الإبل التي أصاب له، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرّز في شَعَف الجبال والشعاب، تخوّفاً عليهم من مَعَرّة الجيش ثم قام عبد المطلب، فأخذ بحلّقة الباب، باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله، ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب، وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:

يا رَبِّ لا أرْجُو لَهُمْ سِوَاكا     يا رَبِّ فامْنَعْ مِنْهُمْ حِماكا إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَنْ عادَاكا     امْنَعْهُمُ أنْ يُخَرِّبُوا قُرَاكا وقال أيضاً: لا هُمَّ إنَّ الْعَبْدَ يَمْ     نُعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حِلالكْ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ     ومِحَالُهُمْ غَدْواً مِحَالكْ فَلَئِنْ فَعَلْتَ فَرُبَّمَا     أوْلى فأمْرٌ ما بَدَا لَكْ وَلْئِنَ فَعَلْتَ فإنَّهُ     أمْرٌ تُتِمُّ بِهِ فَعالَكْ وقال أيضاً: وكُنْتُ إذَا أتى باغٍ بِسَلْمٍ     نُرَجِّي أن تَكُونَ لَنَا كَذَلِكْ فَوَلَّوْا لَمْ يَنالُوا غَيْرَ خِزْىٍ     وكانَ الْحَيْنُ يُهْلِكُهُمْ هُنالكْ ولَمْ أسْمَعْ بأرْجَسَ منْ رِجالٍ     أرَادُوا الْعِزَّ فانْتَهَكُوا حَرامَكْ جَرُّوا جُمُوعَ بِلادِهِمْ     والْفِيلَ كَيْ يَسْبُوا عِيالَكْ ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شَعَف الجبال، فتحرّزوا فيها، ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله، وَعبَّأ جيشه، وكان اسم الفيل محموداً، وأبرهة مُجْمِعٌ لهدم البيت، ثم الانصراف إلى اليمن. فلما وجَّهوا الفيل، أقبل نُفَيل بن حبيب الخثعميّ، حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بأذنه فقال: ابرك محمود، وارجع راشداً من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام ثم أرسل أذنه، فَبرَك الفيلِ، وخرج نُفَيل بن حبيب يشتدّ حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى، وضربوا في رأسه بالطَّبَرْزِين ليقوم، فأبى، فأدخلوا محَاجن لهم في مراقّه، فبزغوه بها ليقوم، فأبى، فوجَّهوه راجعاً إلى اليمن، فقام يُهَرْوِل، ووجَّهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجَّهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك، ووجَّهوه إلى مكة فبرك، وأرسل الله عليهم طيراً من البحر، أمثالَ الخطاطيف، مع كلّ طير ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه مثل الحِمَّص والعَدَس، لا يصيب منهم أحداً إلاَّ هلك، وليس كلَّهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاؤوا، ويسألون عن نُفَيل بن حبيب، ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نُفَيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته: أيْنَ المَفَرُّ والإلَهُ الطَّالِبْ     والأشْرَمُ المَغْلُوبُ غَيْرُ الْغالِبْ فخرجوا يتساقطون بكلّ طريق، ويهلكون على كلّ مَنْهل، فأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم، فسقطت أنامله أنملة أنملة، كلما سقطت أنملة أتبعتها مِدّة تَمُثُّ قيحاً ودماً، حتى قَدِموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطير، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون.” 

بعد هذه القصة يسرد الطبري قصة أخرى فيها بيان معاني سورة الفيل: “حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن المُغيرة بن الأخنس، أنه حدّث، أن أوّل ما رُؤيت الحَصْبة والجُدَريّ بأرض العرب ذلك العام، وأنه أوّل ما رؤي بها مُرار الشجر: الحرملُ والحنظلُ والعُشَرُ ذلك العام. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ألمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بأصحَابِ الْفِيلِ } أقبل أبرهة الأشرم من الحبشة يوماً ومن معه من عداد أهل اليمن، إلى بيت الله ليهدمه من أجل بِيعة لهم أصابها العرب بأرض اليمن، فأقبلوا بفيلهم، حتى إذا كانوا بالصِّفَاح برك فكانوا إذا وجَّهوه إلى بيت الله ألقى بجرانه الأرض، وإذا وجَّهوه إلى بلدهم انطلق وله هَرْولة، حتى إذا كان بنخلةَ اليمانية بعث الله عليهم طيراً بيضا أبابيل. والأبابيل: الكثيرة، مع كلّ طير ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره، فجعلت ترميهم بها حتى جعلهم الله عزّ وجلّ كعصف مأكول قال: فنجا أبو يكسوم وهو أبرهة، فجعل كلما قدم أرضاً تساقط بعض لحمه، حتى أتى قومه، فأخبرهم الخبر ثم هلك. وقوله: { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مأكولٍ } يعني تعالى ذكره: فجعل الله أصحاب الفيل كزرع أكلته الدوابّ فراثته، فيبس وتفرّقت أجزاؤه شبَّه تقطُّع أوصالهم بالعقوبة التي نزلت بهم، وتفرّق آراب أبدانهم بها، بتفرّق أجزاء الروث، الذي حدث عن أكل الزرع. وقد كان بعضهم يقول: العَصْف: هو القشر الخارج الذي يكون على حبّ الحنطة من خارج، كهيئة الغلاف لها. ذكر من قال: عُنِي بذلك ورق الزرع: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { كَعَصْفٍ مأْكُولٍ } قال: ورق الحنطة. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { كَعَصْفٍ مأْكُولٍ } قال: هو التَّبن. وحُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { كَعَصْفٍ مأْكُولٍ }: كزرع مأكول. حدثني محمد بن عُمارة الأسديّ، قال: ثنا زريق بن مرزوق، قال: ثنا هبيرة، عن سَلَمة بن نُبَيط، عن الضحاك، في قوله { كَعَصْفٍ مأْكُولٍ } قال: هو الهَبُور بالنبطية، وفي رواية: المقهور. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مأْكُولٍ } قال: ورق الزرع وورق البقل، إذا أكلته البهائم فراثته، فصار رَوْثاً. ذكر من قال: عُني به قشر الحبّ: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { كَعَصْفٍ مأْكُولٍ } قال: البُرّ يؤكل ويُلْقى عَصْفُه الريح. والعَصْف: الذي يكون فوق البرّ: هو لحاء البرّ. وقال آخرون في ذلك بما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان، عن حبيب بن أبي ثابت: { كَعَصْفٍ مأْكُولٍ } قال: كطعام مطعوم.”

و للاستزادة من قصص أصحاب الفيل يمكنكم العودة لكتب التاريخ مثل ابن هشام و غيرهم. القصة جميل و مثيرة حقا ولا أقصد أن أكون متهكّما إنما أعني ذلك حقيقة، لكن كوني أجد القصة جميلة لا يعني أني أصدّقها. لا أخفيكم أني منذ سنوات و أنا أريد أن أصدّق القصة و أزعم أني أصدّق القصة إلا أنه شيء في داخلي يقلقني بين حين و آخر، لا شكّا في كلام الله سبحانه و تعالى و العياذ بالله، إنما هذه الروايات المصاحبة لقصة أصحاب الفيل. فإنها لم تدخل عقلي لكثير من الأسباب منها أن ما علاقة الصحراء بالفيل، يعني ما الذي يجعل أحد النصارى يجلب فيلا من أجل هدم الكعبة بالرغم من كون العرب لا قوة لديهم ليجابهوا مملكة النصارى يومها؟ ألم يكن الأولى بهم هدم الكعبة بالجنود؟ ما هي الجهود و القوى و المصادر التي سيحتاجها النصراني لجلب فيل من اليمن إلى مكة في كامل قواه و صحّته؟ قد تقول أن الفيل هذا كان بيئته صحراوية و بالتالي لا مشكلة عنده و لا عند المروضين أن ينقلونه من مكان لمكان. 

بالرغم من أنه ليس بدليل و لكن سأخبرك ما وقع في خاطري، منذ صغري و أنا معجب برد عبدالمطلب و دعائه لحماية البيت و حديثه مع أبرهة بالرغم من الذي كان يُقال عنه أيامها، و وقع في صدري أنه كل من أراد الكعبة بسوء فإن الله سيعذبه! لا أستطيع القول أن هذا الأمر حقيقة، لكن هذا ما وقع في قلبي، ثم عندما قرأت التاريخ و قرأت عن الوقائع التي وقعت في المسجد الحرام كنت أقول في نفسي إن أصحاب الفيل عذّبوا و هم لم يمسوا الكعبة فقط كانت لهم تلك النية الشريرة لهدم الكعبة، فماذا عن المرات التي تم فيها هدم الكعبة و الاعتداء فيها بغض النظر عن النوايا؟ هل هؤلاء سيكون لهم عذاب الضعف من أصحاب الفيل أم ماذا؟ ثم إني قرأت شبهات غير المسلمين عن أصحاب الفيل، و شبهات الشانئين الإسلام حول قصة أصحاب الفيل و لا أخفيكم أنها كانت تغيظني، ليس لتعظيمي لهذه القصة التي في كتب التاريخ عندنا إنما بسبب قصدهم الإساءة إلى القرآن الكريم. و ما كان يزيد غيظي أني لم أكن أجد ردودا مقنعة على شبهاتهم و تشغيباتهم حول السورة القرآنية. فكما أنهم يشغبون علينا و يتذاكون و ما هم بأذكياء كذلك يفعل البعض منا في ردودهم. 

و في هذا الصدد أذكر تفسير محمد عبده رحمه الله لسورة الفيل و كان كثيرا ما يرد على الشكوك والشبهات التي كان يأتي بها غير المسلمين، و يمكن أن يُقال أنه كان متأثرا بالتقدّم العلمي و الحضاري عند الغرب، فجاء تفسيره على هذا النحو: “ويجوز الاعتقاد بأن الطير المذكور في السورة من جنس البعوض، أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس، الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات فإذا اتصل بجسده دخل في مسامه، فآثار تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه، وإن كثيرًا من هذه الطيور الضعيفة يُعَد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وإن هذا الحيوان الصغير الذي يسمونه الآن بالميكروب لا يخرج عنها”. بالتأكيد لم أقتنع بهذا الكلام لأنه بدى لي واضح التأثر بالمخرجات العلمية الحديثة و كما قال بعض علماء السلف و هو حق أن خير ما يبين القرآن هو القرآن و هذا الذي لا نفعله في كثير من الأحيان.

و أيضا تلك الردود التي من مثل أن قصة أصحاب الفيل مثبتة تاريخيا و الدليل وجود أبيات شعرية لشعراء الجاهلية و هذا دليل كافٍ، يا رجل إني في الإثباتات التاريخية عندما أحاجج غير المسلمين لا أكتفي بمصادر مثل هذه التي يمكن تأليفها بعد نزول القرآن، و إني كذلك لا أكتفي بمصدر تاريخي واحد يتيم ثم ينقل أهل التاريخ و من ثم يقولون إن هذا الخبر عند جميع أهل الأرض و لا يمكن ردّه. مثل هذه الأدلة و إن كانت قد تفيد البعض إلا أنّها ليست التي كنت أبحث عنها. و عدم وجود الدليل التاريخي لا يعني بالضرورة عدم وقوع الحادثة أو وجود الشخص، فكم من إنسان ذكر في القرآن لم يعثر الناس على أدلة أركيولوجية تثبت وجوده و لا يعنيني ذلك لأن القرآن أثبت من نفسه أنه كلام الله و ما كان في هذا الكتاب فلابد أنه حقيقة، و كذلك أصحاب الفيل لابد أنه وقع كما هو مذكور في القرآن إنما الإشكال عندي في القصة التي يربطونها بهذه السورة.

ظلّت شبه قصة أصحاب الفيل تراودني في أيام شبابي كلما نتكلّم عن هذه السورة حتى انتبهت إلى أمرين و ذلك بعد قراءتي للتوراة، و أبحث عن الفروقات بين القرآن و التوراة، من تلك الفروقات كانت عذاب الأقوام و الأمم السابقة. و ذات يوم كنت أقرأ في عذاب قوم لوط فإذا هم أمطروا بالكبريت و النار، فكنت أقول في نفسي لم عذاب قوم لوط فيه اختلاف بين التوراة و القرآن، يعني ما الداعي للتغير؟ و في واقع الأمر ليس هناك خلاف، لكني غفلت عن مطر السوء هذا في القرآن، لأنه كنت كغيري أيضا منذ الصغر أعرف أن عذاب قوم لوط كان أن قام جبريل عليه السلام برفع مدينتهم و قلبها عليهم بطرف جناحه كما في الروايات التي نجدها في التفاسير، و بالتأكيد هذه الصورة العجيبة تبقى في الذاكرة إن كان المنصت لها و القارئ كوّن تخيلا في عقله عن هذا الموقف و قد تطغى الصورة على الحقائق القرآنية و منها تلك التي هي موجودة في أكثر من آية أنهم أمطروا بالحجارة.. 

نجد في سورة الأعراف قصة لوط و قومه: ((وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) )) 

ثم إني لما دقّقت في عذاب قوم لوط في القرآن لاح لي أمر آخر، أنّهم أمطروا بماذا؟ بحجارة من سجيل! 

((فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83))) 

ألا تذكركم حجارة من سجيل بالتي نجدها في سورة الفيل: ((وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ)) ؟ وقع في خاطري هذا الواقع الذي قد وقع في خاطرك الآن و أنت تقرأ هذه الكلمات؟ ماذا لو أن أصحاب الفيل هم نفسهم قوم لوط؟ فبحثت عن ذلك فوجدت أن هذا الرأي أيضا مطروح خاصة بين كثير من الناس الذين ينكرون المرويات المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه و سلم. أكثرهم اكتفوا بدليل معنى فيل في اللغة و ذكر حجارة من سجيل، هي جيدة و لا شك إلا أني أجدها ناقصة، و للأسف لأن كثير من الناس في المواقع العربية يتناقلون هذه المقالات من دون ذكر المصدر الذي نقلوا منه لم أقع على أصل هذه الفكرة. المهم أنه بعد كثير من البحث تبيّن لي أنه الراجح و لعله المقصود بأصحاب الفيل هم قوم لوط، و سأبيّن ذلك في الأسطر القادمة بيانا كافيا إن شاء الله.

الملاحظ في قصة قوم لوط سيلاحظ أن المعلومة أكثر ذكرا في عذابهم أنهم أمطروا، نجد ذلك في عدد من الآيات القرآنية: 

في سورة الأعراف: ((وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين))  و في سورة هود: ((فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود)) و في سورة الحجر: ((فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل)) و في سورة الفرقان: ((ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا)) و في سورة الشعراء: ((وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين)) و في سورة النمل: ((وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين)) ففي كل هذه المرات نجد المطر و لعلّه لهذا السبب نجد ((وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ)). بل لاحظ أنه ذكر حجارة من سجيل في موضعين فكأن قوم لوط أمطروا بنفس مطر أصحاب الفيل ألا يدل أن المقصود بأصحاب الفيل هم قرية لوط؟

فإن قلت إن الفيل يعرفه العرب قديما و حديثا، و لم يشك أحد يوما في أن اسم الفيل يعني هذا الحيوان الضخم الذي يعرفه كل واحد منا، أقول نعم هذا صحيح. واجهت صعوبة في فهم معنى اسم الفيل في القرآن و ذلك لأن هذا الإسم ذكر مرة واحدة فقط في القرآن و ذلك في سورة الفيل.فلم يكن عندي خيار إلا البحث في معاجم اللغة، و عندما تبحث في معاجم اللغة تجد أن الفيل لا يعني فقط الحيوان المعروف، إنما هناك معاني غير الحيوان المذكور. فمثلا نجد في لسان العرب لابن منظور في باب الفاء:

“وَفَالَ رَأْيُهُ يَفِيلُ فَيْلُولَةً: أَخْطَأَ وَضَعُفَ. وَيُقَالُ: مَا ڪُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يَرَى فِي رَأْيِكَ فِيَالَةً. وَرَجُلٌ فِيلُ الرَّأْيِ أَيْ ضَعِيفُ الرَّأْيِ; قَاْلَ الْكُمَيْتُ: 
بَنِي رَبِّ الْجَوَادِ فَلَا تَفِيلُوا     فَمَا أَنْتُمْ فَنَعْذِرَكُمْ لِفِيلِ 

وَقَالَ جَرِيرٌ: 
رَأَيْتُكَ يَا أُخَيْطِلُ إِذْ جَرَيْنَا     وَجُرِّبَتِ الْفِرَاسَةُ ڪُنْتَ فَالَا 

وَتَفَيَّلَ: ڪَفَالَ. وَفَيَّلَ رَأْيَهُ: قَبَّحَهُ وَخَطَّأَهُ; 

وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي عَائِذٍ: 
فَلَوْ غَيْرَهَا مِنْ وُلْدِ ڪَعْبِ بْنِ ڪَاهِلِ     مَدَحْتَ بِقَوْلٍ صَادِقٍ لَمْ تُفَيَّلِ 

فَإِنَّهُ أَرَادَ: لَمْ يُفَيَّلُ رَأْيُكَ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُضَافَ إِذَا حُذِفَ رُفِضَ حُكْمُهُ وَصَارَتِ الْمُعَامَلَةُ إِلَى مَا صِرْتَ إِلَيْهِ وَحَصَلْتَ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَرَكَ حَرْفَ الْمُضَارَعَةِ الْمُؤْذِنَ بِالْغَيْبَةِ، وَهُوَ الْيَاءُ وَعَدَلَ إِلَى الْخِطَابِ أَلْبَتَّةَ فَقَالَ تُفَيَّلُ، بِالتَّاءِ أَيْ لَمْ تُفَيَّلْ أَنْتَ؟

 وَمِثْلُهُ بَيْتُ الْكِتَابِ: 

أُولَئِكَ أَوْلَى مِنْ يَهُودَ بِمِدْحَةٍ     إِذَا أَنْتَ يَوْمًا قُلْتَهَا لَمْ تُفَنَّدِ 

أَيْ يُفَنَّدُ رَأْيُكُ. قَاْلَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْفَائِلُ مِنَ الْمُتَفَرِّسِينَ الَّذِي يَظُنُّ وَيُخْطِئُ. قَالَ: وَلَا يُعَدَّ فَائِلًا حَتَّى يُنْظَرَ إِلَى الْفَرَسِ فِي حَالَاتِهِ ڪُلِّهَا، وَيَتَفَرَّسَ فِيهِ، فَإِنْ أَخْطَأَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ فَارِسٌ غَيْرُ فَائِلٍ. وَرَجُلٌ فِيلُ الرَّأْيِ وَالْفِرَاسَةِ وَفَالُهُ وَفَيِّلُهُ وَفَيْلُهُ إِذَا ڪَانَ ضَعِيفًا، وَالْجَمْعُ أَفْيَالٌ. وَرَجُلٌ فَالٌ أَيْ ضَعِيفُ الرَّأْيِ مُخْطِئُ الْفِرَاسَةِ، وَقَدْ فَالَ الرَّأْيُ يَفِيلُ فُيُولَةً. وَفَيَّلَ رَأْيَهُ تَفْيِيلًا أَيْ ضَعَّفَهُ فَهُوَ فَيِّلُ الرَّأْيِ. قَاْلَ ابْنُ بَرِّيٍّ: يُقَالُ فَالَ الرَّجُلُ يَفِيلُ فُيُولًا وَفَيَّالَةً وَفِيالَةً; قَاْلَ أُفْنُونٌ التَّغْلَبِيُّ: فَالُوا عَلَيَّ وَلَمْ أَمْلِكْ فَيَالَتَهُمْ     حَتَّى انْتَحَيْتُ عَلَى الْأَرْسَاغِ وَالْقُنَنِ وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ يَصِفُ أَبَا بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ڪُنْتَ لِلدِّينِ يَعْسُوبًا أَوَّلًا حِينَ نَفَرَ النَّاسُ عَنْهُ، وَآخِرًا حِينَ فَيَّلُوا، وَيُرْوَى فَشِلُوا أَيْ حِينَ فَالَ رَأْيُهُمْ فَلَمْ يَسْتَبِينُوا الْحَقَّ. يُقَالُ: فَالَ الرَّجُلُ فِي رَأْيِهِ وَفَيَّلَ، إِذَا لَمْ يُصِبْ فِيهِ، وَرَجُلٌ فَائِلُ الرَّأْيِ وَفَالُهُ وَفَيِّلُهُ; وَفِي حَدِيثِهِ الْآخَرِ: إِنْ تَمَّمُوا عَلَى فِيَالَةِ هَذَا الرَّأْيِ انْقَطَعَ نِظَامُ الْمُسْلِمِينَ; الْمُحْكَمُ: وَفِي رَأْيِهِ فَيَالَةٌ وَفِيالَةٌ وَفُيُولَةٌ. 

وَالْمُفَايَلَةُ وَالْفِيَالُ وَالْفَيَالُ: لُعْبَةٌ لِلصِّبْيَانِ، وَقِيلَ: لِعْبَةٌ لِفِتْيَانِ الْأَعْرَابِ بِالتُّرَابِ يَخْبَئُونَ الشَّيْءَ فِي التُّرَابِ، ثُمَّ يَقْسِمُونَهُ بِقِسْمَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ الْخَابِئُ لِصَاحِبِهِ: فِي أَيِّ الْقِسْمَيْنِ هُوَ؟ فَإِذَا أَخْطَأَ قَاْلَ لَهُ: فَالَ رَأْيُكَ; 

قَاْلَ طَرَفَةُ: 

يَشُقُّ حَبَابَ الْمَاءِ حَيْزُومُهَا بِهَا     ڪَمَا قَسَمَ التُّرْبَ الْمُفَايِلُ بِالْيَدِ 

قَالَ اللَّيْثُ: يُقَالُ فَيَالٌ وَفِيَالٌ، فَمِنْ فَتَحَ الْفَاءَ جَعَلَهُ اسْمًا، وَمِنْ ڪَسَرَهَا جَعَلَهُ مَصْدَرًا، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُقَالُ لِهَذِهِ اللُّعْبَةِ الطُّبَنُ وَالسُّدَّرُ; وَأَنْشَدَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يَبِتْنَ يَلْعَبْنَ حَوَالَيَّ الطُّبَنْ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَالْفِئَالُ مِنَ الْفَأْلِ بِالظَّفَرِ، وَمَنْ لَمْ يَهْمِزْ جَعَلَهُ مِنْ فَالَ رَأْيُهُ إِذَا لَمْ يَظْفَرْ، قَالَ: وَذَكَرَهُ النُّحَاسُ فَقَالَ الْفِيَالُ مِنَ الْمُفَايَلَةِ، وَلَمْ يُقَلْ مِنَ الْمُفَاءَلَةِ وَقَوْلُهُ; 

أَنْشَدَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: 
مِنَ النَّاسِ أَقْوَامٌ إِذَا صَادَفُوا الْغِنَى     تَوَلَّوْا وَفَالُوا لِلصَّدِيقِ وَفَخَّمُوا 

يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَالُوا تَعَظَّمُوا وَتَفَاخَمُوا فَصَارُوا ڪَالْفِيَلَةِ، أَوْ تَجَهَّمُوا لِلصَّدِيقِ، لِأَنَّ الْفِيلَ جَهْمٌ، أَوْ فَالَتْ آرَاؤُهُمْ فِي إِكْرَامِهِ وَتَقْرِيبِهِ وَمَعُونَتِهِ عَلَى الدَّهْرِ فَلَمْ يُكْرِمُوهُ وَلَا أَعَانُوهُ.”

إذن اللغة تحتمل الحيوان المعروف و تحتمل كذلك المعنى المنقول آنفا و هذا الذي أرجّحه أن الفيل أي من الرأي الخاطئ أو الضعيف. فإن قلت إنك بهذه الطريقة تستعين باللغة لم لم تفعل ذلك مع النحل و النمل؟ بالرغم من أن النمل مذكور في سورة واحدة و كذلك النحل. أقول أن النمل و إن كانت مذكورة في سورة واحدة إلا أنك تجد التالي: (حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) كل القرائن في الآية تشير إلى النملة التي نعرفها كلنا. و كذلك النحل: ((وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون))  فإن في الآية قرائن تدل على ما نعرفه من النمل، أما الفيل فليس فيه أية قرينة في السورة على أنه الحيوان المعروف. ثم لاحظ الفرق بين كلمة النمل و النحل تجد حرفا واحدا مما يدلك على أن هناك أمرا مشتركا. 

و لكن إن تأملت سورة الفيل لوجدت أن الفيل لا يدل على الحيوان بل من سياق الآيات يدل على أنهم أصحاب الرأي الخاطئ أو على الأقل ليس بالصحيح، و إن الله كما تعلم لا يعذّب أمة حتى يبعث رسولا، و هذا العذاب المذكور في السورة في السياق و الوصف ما يدل على أنه كعذاب الأمم و الأقوام السابقة و أن النتيجة (فجعلهم كعصف مأكول) كما نجد ما حدث للأقوام السابقة بعد أن أرسل عليهم العذاب: ((سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ)) تأمل قوله (كأنهم أعجاز نخل خاوية) لتفهم ما الذي أعنيه و أيضا في سورة القمر: ((إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ)) (فكانوا كهشيم المحتظر).

فإن قلت حتى إن كان الفيل المقصود به ما ذكرت من الرأي الخاطئ فكيف توصّلت إلى أن المعني هم قوم لوط. لا بأس سؤال في محله، دعنا نعود إلى قصة لوط في القرآن و نتدبرها معا، في سورة الأعراف نجد هذه الآيات: ((لُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢))) لاحظ أن فعلتهم هذه التي مصدرها الرأي الخاطئ لم يسبقهم بها من أحد من العالمين، يعني أنهم أتوا بشيء لم يأت به أحد من قبلهم! ثم يبيّن القرآن ما هذا الذي أتوا به فيقول: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (٨١)) ثم إن المسرفين معروف المعنى، و لكن لعله من الأمور المشتركة في (سرف) تبين لك بعضا من المعاني، ففي المعجم الوسيط: “سرف - يسرف ، سرفا  1- سرف الأمر : أغفله، أهمله. 2- سرف الأمر : جهله. 3- سرف الأمر : أخطأه. 4- سرف القوم : جاوزهم، تقدمهم. 5- سرف بالخمر : أحبها وعلقها بشدة” فكأنهم أخطؤوا و جاوزوا و أهملوا الفطرة بل و أحبوا هذا الخطأ القبيح. و لا أظن عاقلا محافظا على فطرته سيقول إن إتيان الرجال رأي سديد، بل كل صاحب فطرة سليمة يعرف أن الرجل يأتي الرجل فاحشة و خطأ. ثم لاحظ ما قالوا في الآية الثالثة: (أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) هذا يثبت لنا أن القوم لهم رأي خاطئ، فهل يستنكر على إنسان آخر أنه يتطهّر!؟ لا أحد إلا من كانت فطرته قد اضطربت و رأيه قد أخطأ بل صار هزيل الرأي و شرّه. هذه ثلاث آيات تتناسق مع معاني اسم الفيل توافقا عجيبا.

تعال نقرأ سورة هود و ما نجد فيها: ((وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (٧٩) قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٨٠) )) لاحظ ما قاله لوط: (أليس منكم رجل رشيد) و أظنك تعرف أن من معاني الرشيد في اللغة حسن التقدير، عاقل، هاءئ، يقولون رشد الرجل إذا أصاب الرجل أو استقام الرجل. ثم لاحظ ما قاله لوط (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) و لاحظوا اجابتهم: (ما لنا في بناتك من حق) و قولهم (و إنك لتعلم ما نريد) فيها ما يكفي لتعرف كيف أن رأيهم خاطئ. تخيّل يأتيك رجل يقول لك خذ ابنتي أو ابنة القوم فلانة و هي معروفة و تعرفوني، تقول لهم لا أريدها فإنكم قوم تطهرون، لكن أريد الرجل الغريب لأفعل به ما أفعل، أليس هذا من أضلّ الآراء و شرّها؟ لدرجة أننا نجد في سورة الحجر هذه الآية: ((لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ))!

و في سورة الأنبياء: ((ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين)) تأمل قوله: (تعمل الخبائث) و (قوم سوء فاسقين) و في سورة الشعراء: ((أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٦) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٧) )) و في سورة النمل: ((وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٥) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٦))) يعني يأتون الفاحشة و هم يبصرون، على الأقل لو تقول أتيت الرجل و أنا أعمى و لم أستطع أن أعرف، أو تقول لا أفعل ذلك جهارا أمام الناس، أو على الأقل لست في وعيي؟ لكن لوط أكدّ عليهم أنهم يبصرون لكن بالرغم من ذلك يأتون الفاحشة، ثم عرّفهم بأنفسهم (بل أنتم قوم تجهلون) و أيضا: ((كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ)) و أيضا أنهم أتوا بعدد من الأخطاء: ((أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين)) و هناك غيرها من الآيات أن معاني الفيل أحسن ما تنطبق، تنطبق على قوم لوط. و من العجائب أن تعرف أن الفيل معروف أنه إذا اغتلم فإنه يأتي الذكور من بني جنسه و إذا اشتدت غلمته قد يبحث عن حيوانات ليس من جنس الفيل ليواقعها. بل إن الفيل تأتيته دورات عندما تزداد فيه هرمون التسترون، و تسمى بالمست، و هي كلمة هندي في الأصل تختلف معانيها باختلاف السياق و لكن من أشهر معانيها النشوة أو اللذة أو ما شابه ذلك و هي كثيرة الاستخدام حتى اليوم. و للقراءة عن تأثير هذه الغلمة على الفيل يمكنك العودة للكتب المتخصصة و يمكنك أيضا قراءة كتاب الحيوان، فالفيل اشتهر عنه قديما و حديثا هذا الأمر، فحتى إن الفيل كحيوان بينه و بين قوم لوط أمور مشتركة!

و نستخلص من آيات التي فيها ذكر عذاب قوم لوط أن الله منعهم من أن يصلوا إلى لوط، و طمس أعينهم، و جعل عاليها سافلها و أمطر عليهم حجارة من سجيل منضود و أرسل عليهم حاصبا و الحاصب كما يقول أهل التفسير ريحا تحصبهم بالحجارة و قالوا ملائكة تصحبهم بالحجارة أي ترميهم، و قيل الحصى، و قيل حجارة من طين إلى غيرها من المعاني، كحجارة مشتعلة. المهم أن عذابهم كان معروفا لدى الناس و كان مميزا، و هذا ما تلحظه إن تتبعت الآيات القرآنية، ستجد كما قال الله سبحانه و تعالى: ((فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)) و الذين أرسل عليهم الحاصب باتفاق المفسرين و بأي استقراء يسير للقرآن تعرف أن المقصود بهم قوم لوط بدليل الآية في سورة القمر: ((إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر)) و لما اجتمعت في قوم لوط الذنوب اجتمعت عليهم من صنوف العذاب ما هو معلوم لدينا. 

فإن قلنا أن الله أرسل على أصحاب الفيل حجارة من سجيل و كذلك قوم لوط و قد استقرأنا من القرآن فوجدنا أن كل قوم كان عذابه مميزا بتميّز ذنبه عرفنا أن المقصود بأصحاب الفيل هم قرية لوط. و إن أنت بحثت في القرآن فلن تجد من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، سورة مخصصة لذكر خبر عذاب خاصة إلا سورة الفيل، و إن أنت تتبعت القرآن لوجدت أن هذا القوم اجتمع عليهم أكثر من عذاب كما ذكرت سابقا و ذلك لأن فيهم اجتمعت أخطاء كثيرة. و كلنا يعرف ما هو مدوّن في كتب التاريخ عندنا من أن الرسول صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل أو على الأقل لم يبعث قبل حادثة الفيل. فإن كان كذلك فهذا يعني أن أبرهة لم يأتيهم رسول ينذرهم، أو على الأقل لم تسجّل التاريخ شيئا من هذا و قد علمت من القرآن أن الله لم يعذّب الأقوام التي ذكر عذابها في القرآن إلا بعد أن أرسل إليهم رسولا، عدّها جميعا، قوم نوح و هود و صالح و لوط و شعيب و قوم فرعون، ذكر لنا في القرآن خبر المنذرين و الرسل و قد كذبوهم أقوامهم. بل حتى في سورة يس و التي فيها ذكر قرية من دون اسم القرية أو اسم الرسل، تأمل ما ذكره الله لنا فيها: (((12) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29))) أتاهم العذاب بعد أن جاءها المرسلون، و كانوا ثلاثة و لكن لم نجد ذكر الرسل في سورة الفيل مما يدل أن أصحاب الفيل هم إحدى الأقوام السابقة التي سبق ذكرها في القرآن. و حتى تلك القرية التي لم يذكر اسمها في سورة النحل: ((وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) )) فالذي يتدبّر القرآن يجد أن الله لم يذكر عذاب أي أمة في القرآن إلا و ذكر خبر رسولها في موضع أو آخر و الغالب في نفس السياق إلا في سورة الفيل، مما يدل أن خبر رسولهم جاء من قبل بل خبر هؤلاء جاء من قبل مرارا و قد عرفت كيف أن خبرهم يتواءم بشكل عجيب إلا أنه منطقي مع خبر قوم لوط. 

فإن قلت ما سبب هذا الفهم الجديد للسورة و الناس ربطوا الأمر بالحيوان المعروف؟ أقول السبب في ذلك عدم تفرقتهم بين استخدامات اللغة في عصرهم و بين استخدامها زمن نزول القرآن. و كذلك نحن نستخدم الكلمات و ربما تكون واردة في القرآن فنفهمها نحن في سياق و في القرآن المعنى مختلف كما وضّحت ذلك بالتفصيل في كتابي: “و ما أدراك ما الأرض؟”. فالذين أرادوا تبيين معنى أصحاب الفيل احتكموا إلى لغتهم و ما تعارفوا عليه، و لكنهم إن احتكموا إلى القرآن لعرفوا المعنى. و ذلك لأن الدارج على الألسن أن الصاحب ساحب، فيُقال عبدالعزيز من أصحاب فلان أو علان. أو هذا الأخ من أصحاب عبدالعزيز. فعندما قرؤوا أصحاب الفيل فقالوا لابد أنهم أصحاب حيوان الفيل. و كلامي الآن يقودني إلى دليل أيضا أن المقصود بأصحاب الفيل قرية لوط. 

تتبع معي موارد ذكر (أصحاب) في القرآن، 

((والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولـئك أصحاب النار هم فيها خالدون))
((والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولـئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون))
((ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون))
((ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولـكن كانوا أنفسهم يظلمون))
((أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا))
((واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون))

و كذلك أصحاب الرس و أصحاب الأيكة…الخ الرابط المشترك أن بعد كلمة الأصحاب تجد ذكر المكان (الجنة، النار، الأعراف، القرية، الكهف…الخ) إلا في موضع لازلت أبحث فيها و هي التي فيها (أصحاب السبت). فكما تلاحظ أكثر الآيات أن بعد أصحاب في العادة في القرآن تجد بعدها اسم مكان. بل حتى أصحاب السبت كلما تذكر أصحاب السبت تذكر القرية التي كانت حاضرة البحر. فإن كان استنتاجي صحيحا بأن الأصحاب يأتي بعدها اسم مكان أو ما يدل على مكان، فإذن لا داعي لكي نتخيّل وجود الحيوان الفيل. فإنك لن تجد في القرآن مرة ذكر أصحاب و بعدها إسم حيوان أو إنسان فيما أعلم.

و في ذكر السورة (أصحاب الفيل) ما يشير أيضا إلى أن المقصود قرية لوط، و ذلك لأن هذه القرية دون غيرها من القرى التي لحقت بها مذمات ليس كباقي القرى كما أن قومها التي اجتمعت عليهم أنواع من العذاب. فإن أردت الدليل اقرأ التالي: ((ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين)) و أيضا هنا: ((ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا)) و كثيرا ما تجد في القرآن قرية و المعنى المتبادر إلى الذهن هو القوم كما في الآية: ((((ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين)) القرية التي كانت تعمل الخبائث ثم قال إنهم كانوا قوم سوء فاسقين. و تذكّر هذه الآية ((إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون)). 

فإن فهمت ما ذكر تفهم جيدا معنى قوله: ((ألم ترى كيف فعل ربك بأصحاب الفيل)) بمعنى بأصحاب القرية التي كانت تعمل الخبائث، و كان أهلها فاسقون خاطؤون في رأيهم و لم يكن بينهم رجل رشيد غير من نجّاه الله. ثم هناك أمر آخر في الآية الأولى (ألم ترى كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و الإشكالية التي وردت المفسرين أنه على حسب تاريخهم أن الرسول صلى الله عليه و سلم ولد في عام الفيل، فكيف رأى ما فعله الله بأصحاب الفيل، فقالوا إنه رآه بعين البصيرة و عين العلم و التذكير وو هذا مشهور بين كل دارس في كتب التفاسير و لا داعي لنقل أقوالهم فإنه بإمكان إي منكم القراءة فيها، و قول أحسن منه ألم تستخبر عن هذه القصة، و الأحسن منها من قال من المفسرين من قال: ألم ترى آثار ما فعل ربك بأصحاب الفيل.

لكن إن أخذت برأيي هنا و قلت بأن أصحاب الفيل قرية لوط فهمت جيدا سبب (ألم ترى كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و ذلك لأن قرية لوط كانت في طريقهم، و يرونها و يرون آثار ما وقع فيها. نجد في هذه الآيات ما يدل على هذا الكلام: (((وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138) )) أثبت الله مرورهم عليها مصبحين و بالليل. و كذلك في سورة الفرقان: ((وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ۚ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا)) و كذلك هذه الآيات: ((قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) )). هذه الآيات كلها تدل أن قوم الرسول صلى الله عليه و سلم كانوا يمرون عليها. 

مما سبق يدل على أن العرب كانوا يمرون على القرية التي كانت تعمل الخبائث، و قد يكون ذلك في رحلاتهم، رحلة الشتاء و الصيف. و العجيب تأمل ما هي السورة التي بعد سورة الفيل في ترتيب القرآن؟ إنها سورة قريش! ((لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) )) ألا تدل هذه الدلائل على أن أصحاب الفيل المقصود بهم قرية قوم لوط؟ 

ثم هناك إشارة أخرى إلى أن أصحاب الفيل هم قوم لوط. إنك لو تتبعت خبر أقوام لوط تجد أن قوم لوط يأتي خبره بعد قوم صالح و قبل قوم شعيب. 

نجد السياق في سورة الأعراف:

((وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)))

و نجد نفس السياق في سورة هود

((وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68) وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) )

و نفس السياق في سورة الشعراء: 

((كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175) كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191) )) 

و كذلك في سورة ص: ((وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب)) و أصحاب الأيكة هم قوم شعيب كما سأبين لكم في الأسطر القادمة. و هكذا تجد هناك تقارب بين كل من قوم ثمود و قوم لوط و قوم شعيب. و العجيب أنك تجد في القرآن أصحاب الحجر فتعرفهم أنهم قوم صالح بدلالة هذه الآيات: ((وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82))) و تجد أصحاب الأيكة فتعرفهم أنهم قوم شعيب و أكثر المفسرين على ذلك، و أيضا بدلالة السياق هذه الآيات: ((وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ (79) نجد هذا الانتقام بعد أن ذكر قوم لوط و شعيب، و إن أنت قارنتها ببقية الآيات لعرفت أن الذي يلي قوم لوط في ذكر العذاب هم قوم شعيب فنستنتج من ذلك أن المقصود بأصحاب الأيكة هم قوم شعيب. و أما أصحاب الرس فقيل من قوم عاد و قيل من قوم ثمود، و لن تجد في القرآن في سياق مع ثمود و لوط و شعيب. و إضافة لما سبق، فإن شعيبا عليه السلام صرّح أن قوم لوط ليس ببعيد و ذلك في سورة هود: (و ما قوم لوط منكم ببعيد) يخاطب قومه مما قد يدل على القرب المكاني و الزماني.

فتحصّل مما سبق أن قوم ثمود قد عُرفوا بأصحاب الحجر، و قوم شعيب عُرفوا بأصحاب الأيكة و لكن ماذا عن قوم لوط؟ بماذا عرفوا؟ أقول أنهم عرفوا بأصحاب الفيل. و إن أنت ربطت الآيات القرآنية و حاولت أن تفهم العلاقات بينها لتبيّن لك، أرجو أن تتأمل فيما قلته لأنه هذا الأمر عزيز، و لا أظنك ستجده في الكتب، لا غرورا و اعتدادا بالنفس، إنما يعز علي أن لا تتعرف على هذه الدقائق القرآنية كما أحب أن يسمي هذه الأمور علماء المسلمين من الذين سبقونا في الإيمان.. 

دعنا نكمل تدبّر سورة الفيل و ستعرف بإذن الله أن المقصود بهم قوم لوط. تكلّمنا مطوّلا عن الآية الأولى، و لكن ماذا عن الآية الثانية و التي فيها: ((أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ)) قال الطبري في تفسيره: “ ألم يجعل سعي الحبشة أصحاب الفيل في تخريب الكعبة { فِي تَضْلِيلٍ } يعني: في تضليلهم عما أرادوا وحاولوا من تخريبها.” الفخر الرازي في تفسيره: “أي في تضييع وإبطال”. و قال الزمخشري: “فِى تَضْلِيلٍ } في تضييع وإبطال. يقال ضلل كيده، إذا جعله ضالاً ضائعاً.” و في تفسير ابن عاشور: “ والكَيد الاحتيال على إلحاق ضر بالغير ومعالجة إيقاعه. والتضليل جعل الغير ضالاً، أي لا يهتدي لمراده وهو هنا مجاز في الإِبطال وعدم نوال المقصود لأن ضلال الطريق عدم وصول السائر. وظرفية الكيد في التضليل مجازية، استعير حرف الظرفية لمعنى المصاحبة الشديدة، أي أبطل كيدهم بتضليل، أي مصاحباً للتضليل لا يفارقه، والمعنى أنه أبطله إبطالاً شديداً إذ لم ينتفعوا بقوتهم مع ضعف أهل مكة وقلة عددهم. “

قد تسألني ما علاقة الكيد بقوم لوط، و متى كادوه؟ و هل كادوه أصلا؟ أقول نعم إنه أرادوا بها شرا، و نفهم ذلك في أكثر من موضع من القرآن، ففي سورة الأعراف نجد قولهم: ((وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون)) و في سورة النمل: ((فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون)) أرادوا أن يخرجوا آل لوط من القرية، و ما سببهم أنهم أناس يتطهرون، كما يفعل اليوم غير المسلمين يقولون هذا إسلامي و بعض المفكرين “الإسلاموي” للتنفير منه و هذا من الكيد لأنهم لا يقصدون المعاني الجميلة في نعت إسلامي إنما يريدون به أمرا مختلفا، كذلك عندما يقولون إنهم أناس يتطهرون يريدون بهذا القول أنهم مختلفون عنا و ما إلى ذلك. و في موضع آخر ندرك كيدهم في هذه الآية: (( قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) ) تأمل دعاء لوط أن ينجيه الله فنجّاه، و أيضا هنا في هذه الآية تأمل في قول الرسل: ((قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81))) (لن يصلوا إليك) ما معنى أنّهم لن يصلوا إليك إن لم يريدوا به شرا؟ و أيضا في قوله: (( وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ)) راودوه، و نعرف عن امرأة العزيز مراودتها و كيف وصفها سيدها “كيدكن”، فالكيد واضح من هذه الآيات التي سقتها، بل إنك تجد في التوراة ما يدل صراحة على الشر الذي كانوا يريدون إيصاله إلى لوط عليه السلام. 

ستجد في التوراة في سفر التكوين الإصحاح التاسع عشر النص التاسع منه: “9 فَقَالُوا: «ابْعُدْ إِلَى هُنَاكَ». ثُمَّ قَالُوا: «جَاءَ هذَا الإِنْسَانُ لِيَتَغَرَّبَ، وَهُوَ يَحْكُمُ حُكْمًا. الآنَ نَفْعَلُ بِكَ شَرًّا أَكْثَرَ مِنْهُمَا». فَأَلَحُّوا عَلَى الْرَّجُلِ لُوطٍ جِدًّا وَتَقَدَّمُوا لِيُكَسِّرُوا الْبَابَ،” القرآن حكى لنا ما أرادوا أن يفعلوا بمن ضيّفهم لوط، و في التوراة نجد هذه: “ الآنَ نَفْعَلُ بِكَ شَرًّا أَكْثَرَ مِنْهُمَا” تخيّل أرادوا شرا أكثر منهما من ضيفيه، و لم يكتفوا بالتهديد إنما بالفعل أيضا: (فَأَلَحُّوا عَلَى الْرَّجُلِ لُوطٍ جِدًّا وَتَقَدَّمُوا لِيُكَسِّرُوا الْبَابَ) و نجد في تفسير آخر للتوراة: “فقالوا تقدّم إلى هَهُنا، ثم قالوا، أواحد جاء ليسكن معنا صار يحكم علينا، الآن، نسيء إليك أكثر منهم، فألحوا على لوط جدا، و تقدموا ليكسروا المصراع”. فهذا الذي ذكرت من القرآن و التوراة مما يدلّ على كيدهم.

و قد تسأل ما الذي فهمته من قوله: في تضليل؟ (ألم يجعل كيدهم في تضليل)، مرة أخرى إن عدنا إلى القرآن و تتبعنا قصة لوط مع قومه ندرك أن رسل الله قالوا له لن يصلوا إليك، أي كانوا دون أن يصل مكروه إلى لوط، و نجد في آية أخرى: ((ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر)) و روي عن ابن عباس في هذه الآية: “عمى الله عليهم الملائكة حين دخلوا على لوط.” و عن قتادة: “وذُكر لنا أن جبريل عليه السلام استأذن ربه في عقوبتهم ليلة أتوا لوطا, وأنهم عالجوا الباب ليدخلوا عليه, فصفقهم بجناحه, وتركهم عميا يتردّدون” و عن الضحّاك: “جاءت الملائكة في صور الرجال, وكذلك كانت تجيء, فرآهم قوم لوط حين دخلوا القرية. وقيل: إنهم نـزلوا بلوط, فأقبلوا إليهم يريدونهم, فتلقَّاهم لوط يناشدهم الله أن لا يخزوه في ضيفه, فأبوا عليه وجاءوا ليدخلوا عليه, فقالت الرسل للوط خلّ بينهم وبين الدخول, فإنا رسل ربك, لن يصلوا إليك, فدخلوا البيت, وطمس الله على أبصارهم, فلم يروهم; وقالوا: قد رأيناهم حين دخلوا البيت, فأين ذهبوا؟ فلم يروهم ورجعوا.” أي أنهم لم يعودوا يستطيعوا أن يدركوا و يروا أصابهم العمى، عمى الإدراك أو عمى العضو، المعنى المشترك لم يستطيعوا الإدراك، و هذا المعنى و التفاسير تتوافق مع التوراة أيضا إذ نجد في التوراة و ذلك في نفس السفر الذي ذكرته سابقا: “11 وَأَمَّا الرِّجَالُ الَّذِينَ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ فَضَرَبَاهُمْ بِالْعَمَى، مِنَ الصَّغِيرِ إِلَى الْكَبِيرِ، فَعَجِزُوا عَنْ أَنْ يَجِدُوا الْبَابَ.” و في قوله في سورة الفيل نجد كلمة: (في تضليل) و ما قاله المفسرون ما يدلك على العلاقة القوية بين ما وقع و بين هذه الكلمة، و ليس هناك أحسن منها للإشارة إلى تلك الحادثة و في نفس الوقت استيفاء معنى في تضليل، فسبحان الله على هذا القرآن العجيب. و زد على الذي ذكرت، بما أنهم كانوا من قبل: ((وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ)) كانوا يبصرون و يأتون الفاحشة عرفنا المناسبة بينها و بين قول الله عز و جل: ((لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)) و كان جزاؤهم أن جعل كيدهم في تضليل.

و قد تقول في قوله (و أرسل عليهم طيرا أبابيل) إن الله قال عن قوم لوط أنه أمطرهم بحجارة من سجيل و لكن هنا في سورة الفيل نجد أن الطير ترميهم بحجارة من سجيل، ألا يدل هذا على أن أصحاب الفيل غير قوم لوط. و هذا لا إشكال فيه فإن في كثير من الأحيان ينسب الله الفعل إلى نفسه و أحيانا إلى مباشر الفعل، مثل قوله على لسان الملائكة: ((لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِن طِينٍ)) و مثل قوله: (و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى) و هذه يعرفها كل إنسان دارس للقرآن. 

فإن عقلت عني هذا الذي كتبته، ستجد أن سورة الفيل ليس فيه ذكر قصة قوم لوط فقط بل حتى الأحداث بشكل جميل لا يمكن لأي كتاب آخر أن يأتي بمثله: ((((لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) )) و هكذا عند كل آية و الحمدلله و الفضل لله وحده أستطيع أن أربط بينها و بين قصة قوم لوط بإسهاب لكني أطلت في هذا الفصل، و أظن أن فيما ذكرت فيه الكفاية لكل متدبّر للقرآن يعي ما يدخل رأسه. و الذي قرأ التوراة وقصة لوط فيها ثم يقرأ هذه السورة لعرف بلا مرية أنه ((تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)) مصدقا لما بين يديه من الكتاب و 
مهيمنا عليه و الحمدلله رب العالمين.

كتبه
عبدالعزيز النظري



من هو الذبيح؟



(((98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) )) 


اختلف الناس قديما و حديثا عن من هو الذبيح، أهو إسماعيل أم إسحاق؟ قد عرفت رأيي في الفصل السابق أن هناك إحتمال كبير أن لا يكون إسماعيل هو ابن إبراهيم و بالتالي فإني أرى أن الذبيح هو إسحاق، لكن قبل إثبات ذلك أحب أن أعرض ما قاله المفسرون لتدرك أن الخلاف قديما على هذه المسألة و أن كثيرا من المفسرين قالوا أن الذبيح هو إسحاق بخلاف ما حفظناه منذ صغرنا أن الذبيح هو إسماعيل. 


و في قوله (فبشرناه بغلام حليم) يروى عن عمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب و عبدالله بن مسعود و العباس بن عبدالمطلب، و أبو موسى الأشعري و أبو هريرة و أنس بن مالك و عبدالله بن عباس، و كعب الأحبار و وهب بن منبه، و مسروق و عبيد بن عمير و القاسم بن أبي بزة و مقاتل بن سليمان، و الحسن، و قتادة و عكرمة و زيد بن أسلم و و عطاء و الزهري و مكحول. و كذلك ابن جرير الطبري و كثيرون غيرهم جمع أيضا يمكنك مراجعة تفسير الطبري و تفسير النكت و العيون و زاد المسير و تفسير السيوطي الكبير و غيرها من كتب التفاسير.


و كذلك القول الثاني أي أنه إسماعيل قال به جمع من الناس، نقل ابن الجوزي في تفسيره أسماء القائلين بهذا القول: “قاله ابن عمر، وعبد الله بن سلام، والحسن البصري، وسعيد بن المسيّب، والشعبي، ومجاهد، ويوسف بن مهران، وأبو صالح، ومحمد بن كعب القرظي، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن سابط. واختلفت الرواية عن ابن عباس، فروى عنه عكرمة أنه إسحاق، وروى عنه عطاء، ومجاهد، والشعبي، وأبو الجوزاء، ويوسف بن مهران أنه إسماعيل، وروى عنه سعيد بن جبير كالقولين. وعن سعيد بن جبير، وعكرمة، والزهري، وقتادة، والسدي روايتان. وكذلك عن أحمد رضي الله عنه روايتان. و نصر هذا القول كل من ابن تيمية و تلميذه ابن القيم، ولكلِّ قومٍ حُجَّة ليس هذا موضعها، وأصحابنا ينصُرون القول الأول.” و هناك من توقفوا في تعيين الذبيح كالسيوطي و الزجاج النحوي.


إذن كما ترى اختلف المفسرون ففي كل قول هناك جمع لا يُستهان به، و إن أنت لاحظت ستلاحظ أن الذين قالوا اسحاق متقدمين عن الذين قالوا إسماعيل. عن نفسي و إن صحّت هذه الروايات عنهم فحسبي أن يكون هناك قول اتفق عليه عمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب و عبدالله بن مسعود. و جلّ هذه المرويات عن الصحابة و التابعين بحاجة إلى دراسة من ناحية السند، لكن في هذا الفصل لست أرى حاجة في ذلك إذ أن في القرآن العظيم الكفاية لنعرف من هو الذبيح.


قال الذين ينصرون رأي أن الذبيح هو إسماعيل، أنه قبل قصة الذبح دعا إبراهيم ربه فقال (رب هب لي من الصالحين) فبشّره الله بغلام حليم و هو إسماعيل. و ذلك لأنه بعد قصة الذبح و بعد أن فداه بذبح عظيم نجد الآية (و بشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين) فقالوا إن كان إسحاق هو الذبيح كما تقول التوراة كيف أتته البشرى بإسحاق و قد وهب له من قبل بغلام حليم و بلغ معه السعي، بل إن بسبب إيمان إبراهيم وتصديقه الرؤيا وهب له الله عز و جل إسحاق و بناء على هذا الفهم لهذه الآيات قالوا إن إسماعيل هو الذبيح و هو ابن إبراهيم و أن اليهود حرّفت التوراة و جعلت الذبيح هو إسحاق بدلا من إسماعيل و ذلك حسدا كون الرسول صلى الله عليه و سلم من ذرية إسماعيل.


أقول لهم ليس الأمر كما فهمتم و إن التوراة كما قد عرفت في هذا الكتاب غير محرّفة، و الصحيح أن الذبيح هو إسحاق، و أن الغلام الحليم هو إسحاق. إن تتبعت القرآن الكريم لوجدت أن تبشير إبراهيم بالولد في جميع المواضع كان تبشيرا بإسحاق، و لن تجد في موضوع واحد في القرآن كله من سورة الفاتحة إلى سورة الناس بشارة للنبي إبراهيم بإسماعيل بل جميع البشارات كانت بإسحاق. راجع سورة هود و الحجر و الذاريات ليتبين لك ذلك جليا. فالبشارة في القرآن دائما كان بإسحاق، فلماذا جعلتم البشارة هنا بإسماعيل؟ فإن قلت لأنه عندما بشّر بإسحاق قال (بغلام عليم) و لكن في سورة الصافات قال (بغلام حليم) فهذا دليل على أن الغلام هناك غير الغلام هنا في سورة الصافات. أقول هذا ليس بصحيح و ذلك لأن كل منا يعلم أن الإنسان قد يُذكر بالعلم و بالحلم و الفضل و ما إلى ذلك، أن تجتمع النعوت في إنسان واحد نجده كثيرا في القرآن و في الآثار النبوية و حتى في اللغة العربية قديما و حديثا فليس بدليل البتة. 


ثم إن هناك أمر آخر عندما تجد في القرآن (بغلام عليم) أو (بغلام حليم) فهل المقصود أنهم ولدوا وعندهم العلم و الحلم؟ أم أنهم سيكونون كذلك عندما سيبلغون و يكبرون؟ بلا شك الثاني و ذلك لأن الله عز و جل قال: ((وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) )) فالإنسان لا يولد و هو عليم حليم بل مثله كمثل أي طفل آخر إلا ما أثبت لنا الدليل القرآني غير ذلك و أعني بهذا ما ذكره لنا القرآن من أمر المسيح عيسى بن مريم. 


أذكر مرة أني قرأت لأحد المعاصرين قال أن إسماعيل هو الغلام الحليم و إسحاق هو الغلام العليم، و من أجل هذا فإن الغرب تقدموا في العلم لأنهم من ذرية إسحاق و هو الغلام العليم في حين أن العرب فيهم الحلم لأنهم من ذرية الغلام الحليم إسماعيل! إنا لله و إنا إليه راجعون، مثل هذا التفكير مصيبة، فانظر كيف خلط الرجل الأمور ففسّر العلم المذكور في القرآن بما يعرفه الناس اليوم من العلوم. و الصحيح أن في كل من العرب و العجم، الشرق و الغرق فيهم الحليم و العليم.


و أما ما قالوا أن إسحاق ولد بعد حادثة الذبح بدليل قوله: ((وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112))) فقالوا لِمَ بشّره الله بعد الذبح، لأنه صبر و صدّق الرؤيا الله أكرمه بأن بشره بولد آخر. و الأمر غير ما فهموا و ذهبوا إليه، إنما البشارة كانت بإسحاق تكريما لإبراهيم عليه السلام لتصديقه الرؤيا و لتسليم إسحاق له إذ قال: ((قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)) فجزاء لصبره بشّره أن جعل هذا الغلام نبيا من الصالحين. و إن أنت بذلت جهدا و قرأت الآية التي تليها و تدبّرت فيها لتأكدت أن الذبيح هو إسحاق، ألم تقرأ هذه الآية: ((وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) )) و كأن البركة جاءت نتيجة إيمانهما و تسليمهما و صبرهما، فإن كان الذبيح هو إسماعيل حقا فلم لا نجد له ذكرا البتة، مثلا و بشرناه بإسحاق نبيا أو يُبارك في إسماعيل، بل ليس في سياق هذه الآيات ما يدل على أن الله أكرم إسماعيل فيها! و هنا يتساءل المرء إن كان إسماعيل هو الذبيح و هو الذي سلّم نفسه و صبر ألا يستحق أي ذكر و بدلا منه يُذكر إسحاق بأنه صار نبيا من الصالحين و بارك عليه و ليس له دور في هذه القصة؟ بل الصحيح ما قلته سابقا أن الذبيح هو إسحاق، بُشّر به إبراهيم بادئ الأمر بأنه سيولد له ولد ومن بعد ذلك ثم بشّر بأنه سيكون نبيا و هذا واضح جدا من السياق. 


ثم تخيّل عظم البلاء أن جاءه إسحاق على كبر و قد بشّر من قبل أنه سيكون من وراء إسحاق يعقوب، ثم هنا يُؤمر بذبحه! فلابد أن هذا بلاء عظيم إذ مرّت جاءته البشارة وبعدها قد يُذبح الولد و كأنه رفع عنه البركة، تخيّل ثم تأخذ هذا الولد الذي انتظرته بعد أن صرت شيخا كبيرا و رزقت به على خلاف العادة و امرأتك عجوز، ثم يجيء الولد و تفرح به فرحا عظيما ثم ما هي إلا فترة و تُؤمر بذبحه، هنا يكون البلاء واضحا. أما في جميع القصص التاريخية و الإسلامية المعروفة فإن هاجر لم تكن عاقرا بخلاف امرأته التي تعرف بسارة، فأي الآية أقوى؟ بلا شك آية أن يرزق بالولد من زوجته سارة. و تأمل قولها في الآية: (( قَالتْ يَا وَيْلتَا أألدُ وأنَا عَجُوزُ وهَذَا بَعْلي شَيْخًا، إنً هَذَا لشَيْءُ عجيب)) فإذا فهمت ذلك فهمت شيئا من البلاء العظيم الذي ابتلي به إبراهيم إلا أنه صدّق الرؤيا و كذلك إبنه إسحاق فبارك الله عليهما. 


احدى استدلالات الدكتور عدنان إبراهيم بارك الله فيه أن الذبيح هو إسماعيل و ذلك لأن إبراهيم دعا الله أن يهب له من الصالحين، فبشره الله بغلام حليم، و لكن في بشارة إسحاق فإنه لم يدعو الله بل جاءته البشارة فجأة من دون طلب منه، لكن المرة الأولى كان من طلب منه فلهذا لم يراجع عندما بشّر بالغلام الحليم! يعني هذه الآيات: (((((98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101))). قد يبدو الاستدلال قويا لغير المنتبه و المتأمل في كتاب الله، لكن عندما تعرض دليله على كتاب الله تجده ليس بذاك و قد تقول كيف ذلك؟ أولا ما الدليل أن إبراهيم لم يدعو الله الولد زمن إسحاق؟ فإن قيل إن الله استجاب له فورا بعد الدعاء بدليل فبشرناه بغلام حليم يدل على الفورية، أقول ليس بالضرورة. اقرأ مثلا في سورة الأنبياء: ((وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ  )) هل دعاء نوح كان و الاستجابة كانت لحظية و جاءت فورية؟ و قد علمنا من القرآن أن الله وعده أنه سينجيه و أهله إلا من سبق عليه القول. 


و كذلك في سورة الأنبياء: ((فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)) تأمل قول الله (و يدعوننا رغبا و رهبا) مما يدل على الاستمرارية و ليس مرة واحدة و انتهى الأمر، و كذلك عن مريم: ((و الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ)) هل بمجرد إحصانها لفرجها بادئ الأمر نفخ فيها أم أنها عندما عرفت بذلك و ثبت عليها ذلك وقع ما وقع مما نعلم في سورة مريم من إرسال الروح إليها و النفخ والحوار الذي دار بينهما. 


و عليك أن تعرف أن حرف العطف الفاء قد يفيد الترتيب و التعقيب لكن لا يدل على التقارب الزمني اللحظي. لنقل أني رزقت بعبدالله فعمر. فهل يدل أنه ليس هناك فارق زمني بين عبدالله و عمر؟ لا قد يكون الفارق سنوات. و هذا مثل ما تقول جاء محمد فأحمد، يعني الذي جاء ابتداء محمد و من بعده أحمد و ليس بالضرورة التقارب الزمني. و قد تكون الفاء سببية يعني بسبب دعاء إبراهيم جاءته الاستجابة من الله. ومثال على السببية من القرآن: (فوكزه موسى فقضى عليه) أي بسبب ما فعله موسى قضى عليه. و كذلك في قصة آدم و زوجه: ((قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) و نحن نعلم أن هناك تفاصيل و ذلك في قوله: ((فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)). و لقائل أن يقول ما الدليل على أن دعوة الأنبياء مجابة لحظيا بشكل مطلق؟ ليس هناك دليل يمكن القطع به على هذا. الأمر الآخر من أين لنا الدليل أن إبراهيم لم يدعو الله أن يرزقه بالولد زمن إسحاق؟ القرآن لا يذكر جميع التفاصيل في القرآن في حياة النبي. 


و أما عن موضوع الاسترجاع بمعنى أن إبراهيم عندما رزق بالغلام الحليم لم يراجعهم و يقول كيف يأتيني الولد و ما إلى ذلك، و لكن عندما جاءته البشرى بإسحاق قال: (أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون). نقول أن زكريا عندما دعا ربه بأن يرزقه من يرثه و يرث من آل يعقوب جاءته البشرى: ((يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9))) في سورة مريم نجد مراجعة زكريا للملائكة، و لكن في سورة الأنبياء ليس فيه ذكر لهذه المراجعة: (( وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90))) و هذا دليل واضح و كافٍ بإذن الله على أنه ليس بالضرورة في كل موضع من القرآن أن يذكر فيه مراجعة إبراهيم للمبشرين. و في هذا الفارق بين هذه القصص أسرار و حكم لو أني توقفت عندها لأطلت كثيرا و لكتبت صفحات لكن أظن أن في ما ذكرت الكفاية في يخص موضوعنا و الحمدلله. 


و استدلال آخر استدل به الدكتور عدنان إبراهيم على أن الغلام الحليم هو إسماعيل و أنه بشّر به قبل إسحاق، اعتمادا على هذه الآية من سورة الأنبياء: ((وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ)) فقال نافلة يعني زيادة إضافة إلى البشارة بإسماعيل، فالأول إسماعيل و الثاني زيادة إسحاق و يعقوب و يعتبر البشارة بالغلام الحليم هبة إجابة (اجابة لدعوة إبراهيم: هب لي من الصالحين) و البشارة الثانية إسحاق و يعقوب هبة نافلة زيادة. هبة إجابة و هبة نافلة هكذا فهمها الدكتور عدنان إبراهيم وفقه الله. أما أنا أقول إنا لله و إنا إليه راجعون، لطالما أقول لكي تفهم القرآن اقرأه في سياقه و بإذن الله سيتبين لك المعنى المقصود


لنبحث في أي سياق قال الله سبحانه و تعالى نافلة، فقط في سياق واحد في البشارة و هو الآية المذكورة من سورة الأنبياء: ((وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ)) و للأسف الدكتور عدنان إبراهيم لم يذكر كلام المفسرين بالمقصود بنافلة فإن أكثرهم على أن نافلة المقصود بها البشارة بيعقوب من وراء إسحاق، و منهم من قال نافلة عطية أو عطاء إضافي و هذان القولان هما أقرب إلى الصواب من كلام الدكتور عدنان إبراهيم إلا أنها ليست السبب في رأيي في قوله نافلة. بل السبب أن الله في سياق سورة الأنبياء يذكر امتنانه على إبراهيم عليه السلام و فضله واحدة بعد أخرى، اقرأ الآية التي قبل الآية التي استدل بها الدكتور عدنان إبراهيم لتفهم المعنى جيدا: (( وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72))) نجّاه الله إلى الأرض المباركة و هذه التنجية أليست من فضل الله و عطائه و رحمته بالعبد، ثم ذكر له عطية أخرى و هي ما وهبه الله لإبراهيم من الولد. و السياق واضح جدا و الحمدلله، و لهذا في بقية المواضع لا تجد كلمة نافلة عند البشارة. 


و إن أنت تأملت القرآن الكريم لوجدت أنه لم يذكر أحدا الله بالحلم غير نفسه و إبراهيم و الغلام الذي بشّر به إبراهيم. و أما غير الله فقد قالوا عن شعيب إنك لأنت الحليم الرشيد. ذكر إبراهيم بالحلم و ذلك في قوله: ((وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم)) و في قوله: ((إن إبراهيم لحليم أواه منيب)) و ابنه في آية سورة الصافات (فبشرناه بغلام حليم) و السياق ما يدلك على حلمه، و بما أن إسحاق نبي فلابد أنك ستجد أن فيه أكثر من نعوت الخير الشيء الكثير، ألسنا نقول عن الرسول صلى الله عليه و سلم أنه رسول رحيم و كريم و حليم و كذلك عن موسى و عيسى و غيرهم، تتعدد فيهم هذه الأخلاق الحسنة، و لا أعرف إنسانا قال أن النبي فقط يحق له أن يذكر بنعت واحد. فما ذهبوا إليه أن إسماعيل هو المقصود بالحليم في الآية فليس بدليل، لكن لا تفهم من كلامي أني أقول أن إسماعيل ليس بحليم، كلا لم أقل ذلك إنما أقول إستدلالهم ليس في موضعه. 


و إضافة لما سبق، عد إلى سياق آيات سورة الصافات، أولا دعا إبراهيم بعد أن ترك قومه (رب هب لي من الصالحين) و ماذا نقرأ في نهاية قصة الذبح: ((وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ)) أليس دليلا كافيا أن الاستجابة اكتملت هنا؟ إذ ما فائدة أن يرزقك الله الولد ثم لا يكون من الصالحين. و الغالب أن الأنبياء عندما يدعون الله الولد يريدون من يرث عنهم النبوة أو مثل ما يقولون باللغة الإنجليزية Legacy و ذلك بيّن ظاهر لمن تتبع آيات القرآن. ثم لاحظ أن إسحاق ذكر أنه من الصالحين في موضعين، في سورة الصافات (و بشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين) و في سورة الأنبياء في الآية: ((ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين)). ثم إنك إن قرأت التوراة لعرفت أن إسحاق بالفعل حليم، منذ بداية حياته و حتى مماته و يعرف ذلك كل قارئ للتوراة فمثلا قصته مع والده في الذبح، و قصته مع أبنائه يعقوب و عيسو أو العيص. 


و أخطأ الدكتور عدنان إبراهيم إذ خلط في معنوى عليم قرآنيا و واقعيا اليوم، فيقول: “بخلاف صفة العلم، فالعلم لا يكون إلا بعد التحنك و اختبارات الحياة و تجاريبها” وذلك لأنه خلط بتعريف العلم على حسب تعريفنا للعلم اليوم، و لكن إن عدت إلى القرآن فإن العلم ما يكون من الله وما يكون له علاقة بالأمور الدينية كالنبوة و علم الكتاب و غير ذلك و الدليل. (و وجدك ضالا فهدى) و (آتيناه حكما و علما) و هكذا المقصود بالعلم الأمور الدينية من النبوة و علم الكتاب و هذه الأشياء و لهذا تكون من لدن الله ((ولقد آتينا داوود وسليمان علما)) و ((ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين)) و يوسف أيضا: ((ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين)). فكما ترى العلم المقصود في هذه الآيات ليست العلوم التجريبية كما فهمها الدكتور عدنان إبراهيم فيما ظهر لي من كلامه.


في الحقيقة إن كون إسحاق غلام عليم يجعله أن يكون غلاما حليما، و كونه غلام حليم قد يُؤهله أن يكون غلاما عليما. و مما قد يُفهم منه اثبات علم إسحاق الغلام الحليم في سورة الصافات قوله: ((قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)) عرف أنه ليس من إبراهيم نفسه إنما أَمْر أُمِرَ به و كان على علم أن الأنبياء قد يأتيهم الوحي في الرؤيا أو الأوامر في الرؤيا. و لأنه يعلم أنه من أمر الله قال: ((سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)) و أظن أنه لا خلاف أن أكثر ما يعين على الصبر هو العلم بالمعنى القرآني و ليس بالمعنى المعاصر اليوم.


و قال فيما معناه أنه تأتي قصة الذبح مع قصة البشارة بإسحاق في ولا موضع، أقول له هذا صحيح إن تركت آيات سورة الصافات لكن إن أخذتها لعلمت لإسحاق علاقة قبل قصة الذبح و بعد قصة الذبح. فإن كان ما تقوله صحيحا فعليك أن تعلم أنه ليس هناك آية أو حتى إشارة يمكن أن يُفهم منها علاقة إسماعيل بالذبح، و ذلك لأن قصة الذبح وردت مرة واحدة في القرآن الكريم، و لكن في نفس السياق نجد إسحاق و بركة على إبراهيم و إسحاق و لم نجد في سياق هذه الآيات ذكرا لإسماعيل بل في الحقيقة لا تجد ذكرا لإسماعيل في سورة الصافات كلها ولا ذكر أي امتنان أو تكريم له و أما إسحاق فهو موجود في نفس السياق و قد ذكرت ذلك سابقا فعد إليه. 


و قد ذكر الدكتور عدنان إبراهيم رأي عبدالحميد الفراهي أن و باركنا عليه و على إسحاق عائدة على إسماعيل و إسحاق وليس إبراهيم و إسحاق. و سأنقل لكم كلامه: “السبب الأول أن الحديث عن إبراهيم أصالةً تقريباً انتهى بقوله – تبارك وتعالى – إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ۩، كما انتهى الحديث عن نوح بـ سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ۩ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ۩ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ۩، وانتهى! ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ۩ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ۩، صار الكلام كذلك، وجاء الكلام عن إبراهيم، وقال إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ۩ أيضاً، انتهى! الآن استئناف قول جديد، والشيئ نفسه مع موسى وهارون، الشيئ نفسه! إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ۩، انتهى الكلام، شيئ عجيب! وكذلك مع إلياس، وَإِنَّ إِلْيَاسَ ۩… سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ ۩ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ۩ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ۩، الشيئ نفسه! شيئ عجيب. قال لك هذا هو الشيئ الأول. وماذا عن الشيئ الثاني؟ تدبَّر أنت، قال لك وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا ۩… ماذا لو جُعِلت الذرية هنا ذرية إبراهيم وإسحاق؟ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ۩، يُوجَد نوع من المُعاضَلة في المعنى هنا، لماذا؟ انتبه، قد تكون ذرية مُشترَكة بينهما، فيصير الموضوع تحصيلاً لحاصل، وإقحام إبراهيم سيصير وكأنه بلا فائدة، ما الذرية المُشترَكة؟ هي ذرية إبراهيم من جهة إسحاق، أي سيكون هناك إسحاق وابنه يعقوب وعيصو، أليس كذلك؟ عندنا عيصو وعندنا يعقوب… وهكذا! إذن فلماذا إبراهيم؟ القرآن يتنزه عن هذا، لكن لو لم تكن ذرية مُشترَكة، لاختلف الأمر. وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا ۩… ذرية إسماعيل، قد يقول لي أحدهم لا، مُمكِن أن تكون وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا ۩… ليست على سبيل الاشتراك، ذرية إبراهيم المخصوصة وذرية إسحاق المخصوصة. لا! تقع في مُصيبة كبيرة هنا، هل تعرف لماذا؟ ذرية إبراهيم وحدها المخصوصة وليست المُشترَكة بطريق إسحاق ليس فيها ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ۩، لأن ذرية إبراهيم المخصوصة مَن هم؟ إسماعيل – عليه السلام – وإسحاق. وكلاهما نبيان جليلان، أين الظلم هنا؟ لا يأتي. لكن لو عُدنا وقلنا وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا ۩… أي من ذرية إسماعيل (المخصوصة بإسماعيل) وذرية إسماعيل، لقلنا أي نعم، طبعاً من ذرية إسماعيل يُوجَد مُحْسِنٌ ۩… ويُوجَد منهم ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ۩، ومن ذرية إسحاق يُوجَد كذلك. ووجه قوي هذا على فكرة، لا أدري هل سبق أحد إليه قبل عبد الحميد الفراهي – رحمة الله تعالى عليه -.” 


أولا هذا الإستدلال ضعيف و ذلك لأن الأب و الإبن قد يشتركان في الذرية وليس هناك حرج لغوي، ألستم تقولون: ((رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) و من قال أن الذرية المقصود بها الذرية المباشرة أي إسحاق و إسماعيل أو إسحاق و يعقوب وماذا تعرف في التوراة عن أخو يعقوب الذي يسمى بعيسو أو العيص؟ المقصود في هذه الآيات ما سيكون منهما من بعدهما بزمن. و الدليل ما نجده في سورة البقرة: ((وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124))) تأمل قوله ظالم لنفسه مبين و قوله (لا ينال عهدي الظالمين) الظالمين! و أيضا في سورة الحديد: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ۖ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (26))) دائما قبل أن تأخذ برأي جديد اعرضه على القرآن لتعرف إن كان صحيحا أم لا،  بمجرد استقراء يسير لآيات القرآن لعرفت أن (و باركنا عليه) تعود على إبراهيم و ليس إسماعيل الذي ليس له ذكر في السورة كلها. إنما محاولة الاقحام و ذلك لسبب التأثر بالمرويات التاريخية الإسلامية و الله المستعان. و ابحث في القرآن لوجدت أن البركة بمعنى السياق في سورة الصافات أقرب إلى إسحاق و يعقوب من إسماعيل، اقرأ إن٫شئت: ((ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين)). إذن كل الدلائل القرآنية حتى الآن تشير إلى أن الذبيح هو إسحاق و ليس إسماعيل. 


و زيادة على ما سبق، فإني أريدك أن تتأمل آيات سورة الصافات ما تجد فيها؟ دعنا نقرأ الآيات من بداية ذكر قصة إبراهيم في سورة الصافات: ((وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)) فكما ترى بعد أن ترك قومه و اعتزلهم دعا الله أن يرزقه من الصالحين وهبه الله بغلام حليم، أليس كذلك؟ إذن متى جاءته البشرى بالغلام الحليم؟ بعد أن ترك قومه و نجّاه الله من كيد قومه.


كما قلت مرارا بأن القرآن يفسّر بعضها بعضا، دعنا نقرأ قصة إبراهيم في سورة مريم: ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50))) 


لاحظ بعد أن اعتزل قومه ماذا نجد في كلام الله: ((فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا)) لم يذكر إسماعيل البتة، و لا يمكن لأحد أن يشكك في القوم الذي تركهم إبراهيم في سورة الصافات و سورة مريم، الكل متفّق أنهما واحد و ذلك لقصته مع أبيه. و لاحظ الآية التي بعدها (و وهبنا لهم من رحمتنا و جعلنا لهم لسان صدق عليا) أليس فيها من معاني البركة و الرحمة كما في الآيات الأخرى (و باركنا عليه و على إسحاق)؟ فهل بعد بيان القرآن بيان؟ لا والله و لكنها العقول عندما تلعب بها المرويات لعبا فتشغّب على هذه الآيات البيّنات فيتخبّط الناس في فهم آيات الله.


كثير من المفسرين اعتمد على مرويات ضعيفة تثبت أن الذبيح هو إسماعيل و أعني بالتحديد الرواية المنسوبة إلى معاوية بن أبي سفيان: ((سمعتُ رجلًا يقولُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : يا ابنَ الذبيحينِ؛ فضحك النبيُّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ . ثمَّ قال معاويةُ : إنَّ عبدَ المطلبِ لما حفر بئرَ زمزمَ ، نذر للهِ إنْ سهَّلَ عليه أمرَها لَيذبحنَّ أحدَ ولدِه له ، فسهَّلَ اللهُ عليه أمرَها ، فوقع السهمُ على عبدِ اللهِ ، فمنعه أخوالُ بنو مخزومٍ ، وقالوا : افْدِ ابنَك : ففداه بمئةٍ من الإبلِ ، وهو الذبيحُ ، وإسماعيلُ هو الذبيحُ الثاني)) و قد حكم على هذا الحديث العلماء بالضعف. و لن تجد والحمدلله حديثا واحدا عن الرسول صلى الله عليه و سلم ما يثبت أن إسماعيل هو الذبيح بسند صحيح لا مقال فيه. 


و إني لأتعجّب من بعض القوم، إنهم يزعمون أن ابن مسعود عالم من علماء القرآن ثم لا يأخذون بكلامه و السند إلى إبن مسعود أقوى من السند إلى معاوية بن أبي سفيان. و أنقل لكم رواية في سير أعلام النبلاء للذهبي عن عوف بن مالك بن نضلة: “فاخرَ أسماءُ بنُ خارجةَ رجُلًا فقالَ : أنا ابنُ الأشياخِ الكِرامِ ، فقال ابنُ مَسعودٍ : ذاكَ يَعقوبُ بنُ إسحاقَ الذَّبيحَ بنِ إبراهيمَ الخَليلِ”. 


فكما تبيّن لك إن القرآن يصدّق التوراة في قصة الذبيح و كذلك التوراة تصدّق القرآن في أن الذبيح هو إسماعيل و هذا حسبك. و كيف و قد عرفت أن جمع من الصحابة و التابعين على هذا إن صحّت الرواية عنهم و أهل الكتاب مجمعون على هذا و كثير من مؤرخي الإسلام. 


و لعل الإشكال الذي بسببه وقع فيه المسلمون على أن الذبيح هو إسماعيل ما ظنوه تحريفا من اليهود للتوراة بتغيير إسم إسماعيل إلى إسحاق و ذلك في سفر التكوين الإصحاح الثاني و العشرين: حيث نجد فيه: “1 وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا». 2 فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ».” فقالوا إن سفر التكوين نفسه يثبت أن إسماعيل هو ابن جاريته هاجر و في الإصحاح الذي قبله فيه ذكره، و أيضا إسماعيل أكبر من إسحاق بكذا و كذا سنة، فكيف إذن هنا قال “خذ ابنك وحيدك”؟ ألا يدل هذا على التحريف و أن التوراة لم تسلم من تحريف اليهود و حسدهم؟ إذ كيف يكون وحيده و إبراهيم رزقه الله كل من إسماعيل و إسحاق؟ و هذا الإشكال يعد إشكالا كبيرا حتى عند أهل الكتاب و قد استدل كثير من المسلمين على تحريف التوراة بسبب هذا النص.


و لكن أقول أن المسلمين الذين جعلوا من التوراة محرّفة و استنادهم على هذا غير صحيح. و إني أقدّم هنا إجابة قد لا تجدها عند المسلمين و أهل الكتاب و هو يعرض حلا لهذا الإشكال.


أولا إن كانت التوراة محرّفة لم يكن ليغفل المحرفون جميع المواضع التي تثبت أن إسماعيل من ولد إبراهيم، و كيف و الإصحاح الذي قبله فقط فيه ذكر ذلك، فهل يعني أنهم أغبياء إلى هذه الدرجة يحرفون قصة الذبيح و لا ينتبهون لهذا؟ لا أكاد أصدّق أن يكون إنسان أو جماعة استطاعت إن صحت التهمة عليهم بتحريف كتاب الله و لا ينتبهون إلى كل تلك المواضع التي تثبت أن إسماعيل من ولد إبراهيم، ببساطة لا يدخل العقل. 


الأمر الثاني، من تتبع التوراة لوجد أن القربان و البركة الإلهية المفترض أن يكون دائما للبكر، للبكر من الإنسان و الحيوان و الطيور…الخ و هذا يعرفه من له معرفة يسيرة بالتاريخ. و كذلك النذور يفعلون ذلك (راجع قصة ابني آدم في التوراة، و راجع قصة نوح، و قصة يعقوب و أخوه عيسو و إسحاق، و قصة يعقوب و يوسف و إخوته و راجع الطقوس التعبدية في بني إسرائيل بعد أن خرج بهم موسى…الخ و راجع قصة نذر أم مريم أم المسيح و غيرها كثير). فإن فهمت ذلك لعرفت لم قال عن إسحاق (ابنك وحيدك)، قد تقول كيف ذلك و التوراة تثبت أن إسماعيل كان قبل إسحاق و هو البكر. 


أقول لك لم تفهم بعد، فإن إسماعيل كان ابن الجارية هاجر، وليس من قوم إبراهيم بل كانت خادمة لسارة من مصر. و مثل هذا الارتباط لا يعتبر به البنوة التي يكون فيها وراثة النبوة و ما يُعرف بالLegacy. بل سارة هي التي كانت ابنة عم إبراهيم و من قومه و لم تكن خادمة بل حرة كاملة الحرية فلهذا يعتبر إسحاق هو إبن الوحيد المستحق ليرث إبراهيم النبوة و الكتاب. و هذا ما يظهر جليا من التوراة نفسها في الإصحاح الحادي و العشرين من سفر التكوين و البداية من كلام سارة: ((10 فَقَالَتْ لإِبْرَاهِيمَ: «اطْرُدْ هذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لأَنَّ ابْنَ هذِهِ الْجَارِيَةِ لاَ يَرِثُ مَعَ ابْنِي إِسْحَاقَ». 11 فَقَبُحَ الْكَلاَمُ جِدًّا فِي عَيْنَيْ إِبْرَاهِيمَ لِسَبَبِ ابْنِهِ. 12 فَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. 13 وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ».)) إذن المقصود بالوراثة الرسمية بما كان متعارفها عندهم هو إسحاق و ليس إسماعيل. و هذه الثانية. 


و حادثة الذبح و الذي فيها: (خذ ابنك وحيدك) بعد أن ترك إبراهيم هاجر و إسماعيل في واد غير ذي زرع، فلم يبقى مع إبراهيم أثناء قصة الذبح غير إسحاق و هو البكر الذي سيرثه. فإن قلت كيف تفعل سارة ذلك، نقول لك لا نعرف التفاصيل و حتى إن عرفنا فإن سارة غير معصومة، فإن قلت ماذا تقول إذن في إبراهيم و كيف أخذ بأمرها و ترك ابنه إسماعيل في الواد، أقول لك إن إبراهيم لم يأخذ برأيها بل فعل ذلك بعد أن جاءه الوحي: «لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. 13 وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ».)) فعرف أن ذلك من الذي يشاؤه الله. ثم اعلم أن البشرى كانت لإبراهيم و سارة و ليس لإبراهيم فحسب، اقرأ قول الله عز و جل: ((وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ)). 


و هناك أمر آخر أيضا أن الله قد جعل العهد الذي بينه و بين إبراهيم و وعده إياه بأنه سيكثر ذريته، أعني العهد المعروف كان متعلّق بذرية إبراهيم من إسحاق. و الدليل على ما قلت من أن البشارة طالت سارة و ذريتها أيضا، و أن العهد الذي كان بين الله و إبراهيم سيكون باقيا في ذريته من سارة. و دونك هذه النصوص من الإصحاح السابع عشر من سفر التكوين توضّح المسألة: “1 وَلَمَّا كَانَ أَبْرَامُ ابْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ لَهُ: «أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلًا، 2 فَأَجْعَلَ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَأُكَثِّرَكَ كَثِيرًا جِدًّا». 3 فَسَقَطَ أَبْرَامُ عَلَى وَجْهِهِ. وَتَكَلَّمَ اللهُ مَعَهُ قَائِلًا: 4 «أَمَّا أَنَا فَهُوَذَا عَهْدِي مَعَكَ، وَتَكُونُ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ، 5 فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ. 6 وَأُثْمِرُكَ كَثِيرًا جِدًّا، وَأَجْعَلُكَ أُمَمًا، وَمُلُوكٌ مِنْكَ يَخْرُجُونَ. 7 وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ، عَهْدًا أَبَدِيًّا، لأَكُونَ إِلهًا لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ. 8 وَأُعْطِي لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ، كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا. وَأَكُونُ إِلهَهُمْ». 9 وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيم: «وَأَمَّا أَنْتَ فَتَحْفَظُ عَهْدِي، أَنْتَ وَنَسْلُكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ. 10 هذَا هُوَ عَهْدِي الَّذِي تَحْفَظُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ: يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ، 11 فَتُخْتَنُونَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِكُمْ، فَيَكُونُ عَلاَمَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. 12 اِبْنَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ فِي أَجْيَالِكُمْ: وَلِيدُ الْبَيْتِ، وَالْمُبْتَاعُ بِفِضَّةٍ مِنْ كُلِّ ابْنِ غَرِيبٍ لَيْسَ مِنْ نَسْلِكَ. 13 يُخْتَنُ خِتَانًا وَلِيدُ بَيْتِكَ وَالْمُبْتَاعُ بِفِضَّتِكَ، فَيَكُونُ عَهْدِي فِي لَحْمِكُمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا. 14 وَأَمَّا الذَّكَرُ الأَغْلَفُ الَّذِي لاَ يُخْتَنُ فِي لَحْمِ غُرْلَتِهِ فَتُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا. إِنَّهُ قَدْ نَكَثَ عَهْدِي». 15 وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «سَارَايُ امْرَأَتُكَ لاَ تَدْعُو اسْمَهَا سَارَايَ، بَلِ اسْمُهَا سَارَةُ. 16 وَأُبَارِكُهَا وَأُعْطِيكَ أَيْضًا مِنْهَا ابْنًا. أُبَارِكُهَا فَتَكُونُ أُمَمًا، وَمُلُوكُ شُعُوبٍ مِنْهَا يَكُونُونَ». 17 فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ، وَقَالَ فِي قَلْبِهِ: «هَلْ يُولَدُ لابْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟ وَهَلْ تَلِدُ سَارَةُ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً؟». 18 وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ للهِ: «لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ!». 19 فَقَالَ اللهُ: «بَلْ سَارَةُ امْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ إِسْحَاقَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْدًا أَبَدِيًّا لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ. 20 وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. اِثْنَيْ عَشَرَ رَئِيسًا يَلِدُ، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً. 21 وَلكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ الَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هذَا الْوَقْتِ فِي السَّنَةِ الآتِيَةِ».” تأمل قوله (بل سارة امرأتك تلد لك ابنا و تدعو اسمه إسحاق. و أقيم عهدي معه عهدا أبديا لنسله من بعده” و كذلك تأمل آخر نص: (و لكن عهدي أقيمه مع إسحاق الذي تلده لك سارة) إذن الواضح أن العهد كان خاص بذريته من إسحاق. و أيضا انتبه لقوله: (وَلِيدُ الْبَيْتِ، وَالْمُبْتَاعُ بِفِضَّةٍ مِنْ كُلِّ ابْنِ غَرِيبٍ لَيْسَ مِنْ نَسْلِكَ.) من كل ابن غريب ليس من نسلك، ونعلم جميعا أن هاجر تعتبر أمة غريبة ليست من قوم إبراهيم بل من مصر و كانت أَمَة تحت سارة أي صار إسماعيل ابن غريبة أي ليس من قومه فلهذا عندما جاءت قصة الذبح قال خذ ابنك وحيدك إسحاق لأنه هذا البكر الذي كان من قومه و الوحيد الذي أقام الله معه العهد. فإذا تبيّن لك ذلك فهمت أيضا لم إسماعيل نجده بشكل دائم في سياق مختلف عن إسحاق و يعقوب في القرآن. فإن قلت لم اختار الله إسحاق و لم يختر إسماعيل، أقول: ((وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ ۖ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70))) 


و من العجائب أنه المطلوب البكر إلا أنه بمشيئة الله الذي يتقبل و يبارك عليه يكون الثاني و في كثير من الأحيان يكون له الأفضلية، راجع قصة ابني آدم في التوراة، و راجع قصة إسماعيل و إسحاق و قصة إسحاق مع يعقوب و عيسو و قصة يعقوب و أبناء يوسف و موسى و هارون و غيرهم. و بهذا أكون قد حللت الإشكالية التي كانت واردة و غير مفهومة عند المسلمين و غير المسلمين و أرجو الله أن أكون مصيبا فيها. 


كتبه،

عبدالعزيز النظري

Saturday, February 29, 2020

What is Earth?

It’s my pleasure to announce the release of my new English Book titled: “What is Earth?”. A Non-Fiction book where I discuss the shape of the earth from various perspectives, I wish you like the book.

You can order the book from Amazon, an eBook version of the book is also available.