Thursday, September 3, 2020

من هو الذبيح؟



(((98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) )) 


اختلف الناس قديما و حديثا عن من هو الذبيح، أهو إسماعيل أم إسحاق؟ قد عرفت رأيي في الفصل السابق أن هناك إحتمال كبير أن لا يكون إسماعيل هو ابن إبراهيم و بالتالي فإني أرى أن الذبيح هو إسحاق، لكن قبل إثبات ذلك أحب أن أعرض ما قاله المفسرون لتدرك أن الخلاف قديما على هذه المسألة و أن كثيرا من المفسرين قالوا أن الذبيح هو إسحاق بخلاف ما حفظناه منذ صغرنا أن الذبيح هو إسماعيل. 


و في قوله (فبشرناه بغلام حليم) يروى عن عمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب و عبدالله بن مسعود و العباس بن عبدالمطلب، و أبو موسى الأشعري و أبو هريرة و أنس بن مالك و عبدالله بن عباس، و كعب الأحبار و وهب بن منبه، و مسروق و عبيد بن عمير و القاسم بن أبي بزة و مقاتل بن سليمان، و الحسن، و قتادة و عكرمة و زيد بن أسلم و و عطاء و الزهري و مكحول. و كذلك ابن جرير الطبري و كثيرون غيرهم جمع أيضا يمكنك مراجعة تفسير الطبري و تفسير النكت و العيون و زاد المسير و تفسير السيوطي الكبير و غيرها من كتب التفاسير.


و كذلك القول الثاني أي أنه إسماعيل قال به جمع من الناس، نقل ابن الجوزي في تفسيره أسماء القائلين بهذا القول: قاله ابن عمر، وعبد الله بن سلام، والحسن البصري، وسعيد بن المسيّب، والشعبي، ومجاهد، ويوسف بن مهران، وأبو صالح، ومحمد بن كعب القرظي، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن سابط. واختلفت الرواية عن ابن عباس، فروى عنه عكرمة أنه إسحاق، وروى عنه عطاء، ومجاهد، والشعبي، وأبو الجوزاء، ويوسف بن مهران أنه إسماعيل، وروى عنه سعيد بن جبير كالقولين. وعن سعيد بن جبير، وعكرمة، والزهري، وقتادة، والسدي روايتان. وكذلك عن أحمد رضي الله عنه روايتان. و نصر هذا القول كل من ابن تيمية و تلميذه ابن القيم، ولكلِّ قومٍ حُجَّة ليس هذا موضعها، وأصحابنا ينصُرون القول الأول. و هناك من توقفوا في تعيين الذبيح كالسيوطي و الزجاج النحوي.


إذن كما ترى اختلف المفسرون ففي كل قول هناك جمع لا يُستهان به، و إن أنت لاحظت ستلاحظ أن الذين قالوا اسحاق متقدمين عن الذين قالوا إسماعيل. عن نفسي و إن صحّت هذه الروايات عنهم فحسبي أن يكون هناك قول اتفق عليه عمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب و عبدالله بن مسعود. و جلّ هذه المرويات عن الصحابة و التابعين بحاجة إلى دراسة من ناحية السند، لكن في هذا الفصل لست أرى حاجة في ذلك إذ أن في القرآن العظيم الكفاية لنعرف من هو الذبيح.


قال الذين ينصرون رأي أن الذبيح هو إسماعيل، أنه قبل قصة الذبح دعا إبراهيم ربه فقال (رب هب لي من الصالحين) فبشّره الله بغلام حليم و هو إسماعيل. و ذلك لأنه بعد قصة الذبح و بعد أن فداه بذبح عظيم نجد الآية (و بشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين) فقالوا إن كان إسحاق هو الذبيح كما تقول التوراة كيف أتته البشرى بإسحاق و قد وهب له من قبل بغلام حليم و بلغ معه السعي، بل إن بسبب إيمان إبراهيم وتصديقه الرؤيا وهب له الله عز و جل إسحاق و بناء على هذا الفهم لهذه الآيات قالوا إن إسماعيل هو الذبيح و هو ابن إبراهيم و أن اليهود حرّفت التوراة و جعلت الذبيح هو إسحاق بدلا من إسماعيل و ذلك حسدا كون الرسول صلى الله عليه و سلم من ذرية إسماعيل.


أقول لهم ليس الأمر كما فهمتم و إن التوراة كما قد عرفت في هذا الكتاب غير محرّفة، و الصحيح أن الذبيح هو إسحاق، و أن الغلام الحليم هو إسحاق. إن تتبعت القرآن الكريم لوجدت أن تبشير إبراهيم بالولد في جميع المواضع كان تبشيرا بإسحاق، و لن تجد في موضوع واحد في القرآن كله من سورة الفاتحة إلى سورة الناس بشارة للنبي إبراهيم بإسماعيل بل جميع البشارات كانت بإسحاق. راجع سورة هود و الحجر و الذاريات ليتبين لك ذلك جليا. فالبشارة في القرآن دائما كان بإسحاق، فلماذا جعلتم البشارة هنا بإسماعيل؟ فإن قلت لأنه عندما بشّر بإسحاق قال (بغلام عليم) و لكن في سورة الصافات قال (بغلام حليم) فهذا دليل على أن الغلام هناك غير الغلام هنا في سورة الصافات. أقول هذا ليس بصحيح و ذلك لأن كل منا يعلم أن الإنسان قد يُذكر بالعلم و بالحلم و الفضل و ما إلى ذلك، أن تجتمع النعوت في إنسان واحد نجده كثيرا في القرآن و في الآثار النبوية و حتى في اللغة العربية قديما و حديثا فليس بدليل البتة. 


ثم إن هناك أمر آخر عندما تجد في القرآن (بغلام عليم) أو (بغلام حليم) فهل المقصود أنهم ولدوا وعندهم العلم و الحلم؟ أم أنهم سيكونون كذلك عندما سيبلغون و يكبرون؟ بلا شك الثاني و ذلك لأن الله عز و جل قال: ((وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) )) فالإنسان لا يولد و هو عليم حليم بل مثله كمثل أي طفل آخر إلا ما أثبت لنا الدليل القرآني غير ذلك و أعني بهذا ما ذكره لنا القرآن من أمر المسيح عيسى بن مريم. 


أذكر مرة أني قرأت لأحد المعاصرين قال أن إسماعيل هو الغلام الحليم و إسحاق هو الغلام العليم، و من أجل هذا فإن الغرب تقدموا في العلم لأنهم من ذرية إسحاق و هو الغلام العليم في حين أن العرب فيهم الحلم لأنهم من ذرية الغلام الحليم إسماعيل! إنا لله و إنا إليه راجعون، مثل هذا التفكير مصيبة، فانظر كيف خلط الرجل الأمور ففسّر العلم المذكور في القرآن بما يعرفه الناس اليوم من العلوم. و الصحيح أن في كل من العرب و العجم، الشرق و الغرق فيهم الحليم و العليم.


و أما ما قالوا أن إسحاق ولد بعد حادثة الذبح بدليل قوله: ((وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112))) فقالوا لِمَ بشّره الله بعد الذبح، لأنه صبر و صدّق الرؤيا الله أكرمه بأن بشره بولد آخر. و الأمر غير ما فهموا و ذهبوا إليه، إنما البشارة كانت بإسحاق تكريما لإبراهيم عليه السلام لتصديقه الرؤيا و لتسليم إسحاق له إذ قال: ((قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)) فجزاء لصبره بشّره أن جعل هذا الغلام نبيا من الصالحين. و إن أنت بذلت جهدا و قرأت الآية التي تليها و تدبّرت فيها لتأكدت أن الذبيح هو إسحاق، ألم تقرأ هذه الآية: ((وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) )) و كأن البركة جاءت نتيجة إيمانهما و تسليمهما و صبرهما، فإن كان الذبيح هو إسماعيل حقا فلم لا نجد له ذكرا البتة، مثلا و بشرناه بإسحاق نبيا أو يُبارك في إسماعيل، بل ليس في سياق هذه الآيات ما يدل على أن الله أكرم إسماعيل فيها! و هنا يتساءل المرء إن كان إسماعيل هو الذبيح و هو الذي سلّم نفسه و صبر ألا يستحق أي ذكر و بدلا منه يُذكر إسحاق بأنه صار نبيا من الصالحين و بارك عليه و ليس له دور في هذه القصة؟ بل الصحيح ما قلته سابقا أن الذبيح هو إسحاق، بُشّر به إبراهيم بادئ الأمر بأنه سيولد له ولد ومن بعد ذلك ثم بشّر بأنه سيكون نبيا و هذا واضح جدا من السياق. 


ثم تخيّل عظم البلاء أن جاءه إسحاق على كبر و قد بشّر من قبل أنه سيكون من وراء إسحاق يعقوب، ثم هنا يُؤمر بذبحه! فلابد أن هذا بلاء عظيم إذ مرّت جاءته البشارة وبعدها قد يُذبح الولد و كأنه رفع عنه البركة، تخيّل ثم تأخذ هذا الولد الذي انتظرته بعد أن صرت شيخا كبيرا و رزقت به على خلاف العادة و امرأتك عجوز، ثم يجيء الولد و تفرح به فرحا عظيما ثم ما هي إلا فترة و تُؤمر بذبحه، هنا يكون البلاء واضحا. أما في جميع القصص التاريخية و الإسلامية المعروفة فإن هاجر لم تكن عاقرا بخلاف امرأته التي تعرف بسارة، فأي الآية أقوى؟ بلا شك آية أن يرزق بالولد من زوجته سارة. و تأمل قولها في الآية: (( قَالتْ يَا وَيْلتَا أألدُ وأنَا عَجُوزُ وهَذَا بَعْلي شَيْخًا، إنً هَذَا لشَيْءُ عجيب)) فإذا فهمت ذلك فهمت شيئا من البلاء العظيم الذي ابتلي به إبراهيم إلا أنه صدّق الرؤيا و كذلك إبنه إسحاق فبارك الله عليهما. 


احدى استدلالات الدكتور عدنان إبراهيم بارك الله فيه أن الذبيح هو إسماعيل و ذلك لأن إبراهيم دعا الله أن يهب له من الصالحين، فبشره الله بغلام حليم، و لكن في بشارة إسحاق فإنه لم يدعو الله بل جاءته البشارة فجأة من دون طلب منه، لكن المرة الأولى كان من طلب منه فلهذا لم يراجع عندما بشّر بالغلام الحليم! يعني هذه الآيات: (((((98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101))). قد يبدو الاستدلال قويا لغير المنتبه و المتأمل في كتاب الله، لكن عندما تعرض دليله على كتاب الله تجده ليس بذاك و قد تقول كيف ذلك؟ أولا ما الدليل أن إبراهيم لم يدعو الله الولد زمن إسحاق؟ فإن قيل إن الله استجاب له فورا بعد الدعاء بدليل فبشرناه بغلام حليم يدل على الفورية، أقول ليس بالضرورة. اقرأ مثلا في سورة الأنبياء: ((وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ  )) هل دعاء نوح كان و الاستجابة كانت لحظية و جاءت فورية؟ و قد علمنا من القرآن أن الله وعده أنه سينجيه و أهله إلا من سبق عليه القول. 


و كذلك في سورة الأنبياء: ((فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)) تأمل قول الله (و يدعوننا رغبا و رهبا) مما يدل على الاستمرارية و ليس مرة واحدة و انتهى الأمر، و كذلك عن مريم: ((و الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ)) هل بمجرد إحصانها لفرجها بادئ الأمر نفخ فيها أم أنها عندما عرفت بذلك و ثبت عليها ذلك وقع ما وقع مما نعلم في سورة مريم من إرسال الروح إليها و النفخ والحوار الذي دار بينهما. 


و عليك أن تعرف أن حرف العطف الفاء قد يفيد الترتيب و التعقيب لكن لا يدل على التقارب الزمني اللحظي. لنقل أني رزقت بعبدالله فعمر. فهل يدل أنه ليس هناك فارق زمني بين عبدالله و عمر؟ لا قد يكون الفارق سنوات. و هذا مثل ما تقول جاء محمد فأحمد، يعني الذي جاء ابتداء محمد و من بعده أحمد و ليس بالضرورة التقارب الزمني. و قد تكون الفاء سببية يعني بسبب دعاء إبراهيم جاءته الاستجابة من الله. ومثال على السببية من القرآن: (فوكزه موسى فقضى عليه) أي بسبب ما فعله موسى قضى عليه. و كذلك في قصة آدم و زوجه: ((قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) و نحن نعلم أن هناك تفاصيل و ذلك في قوله: ((فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)). و لقائل أن يقول ما الدليل على أن دعوة الأنبياء مجابة لحظيا بشكل مطلق؟ ليس هناك دليل يمكن القطع به على هذا. الأمر الآخر من أين لنا الدليل أن إبراهيم لم يدعو الله أن يرزقه بالولد زمن إسحاق؟ القرآن لا يذكر جميع التفاصيل في القرآن في حياة النبي. 


و أما عن موضوع الاسترجاع بمعنى أن إبراهيم عندما رزق بالغلام الحليم لم يراجعهم و يقول كيف يأتيني الولد و ما إلى ذلك، و لكن عندما جاءته البشرى بإسحاق قال: (أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون). نقول أن زكريا عندما دعا ربه بأن يرزقه من يرثه و يرث من آل يعقوب جاءته البشرى: ((يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9))) في سورة مريم نجد مراجعة زكريا للملائكة، و لكن في سورة الأنبياء ليس فيه ذكر لهذه المراجعة: (( وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90))) و هذا دليل واضح و كافٍ بإذن الله على أنه ليس بالضرورة في كل موضع من القرآن أن يذكر فيه مراجعة إبراهيم للمبشرين. و في هذا الفارق بين هذه القصص أسرار و حكم لو أني توقفت عندها لأطلت كثيرا و لكتبت صفحات لكن أظن أن في ما ذكرت الكفاية في يخص موضوعنا و الحمدلله. 


و استدلال آخر استدل به الدكتور عدنان إبراهيم على أن الغلام الحليم هو إسماعيل و أنه بشّر به قبل إسحاق، اعتمادا على هذه الآية من سورة الأنبياء: ((وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ)) فقال نافلة يعني زيادة إضافة إلى البشارة بإسماعيل، فالأول إسماعيل و الثاني زيادة إسحاق و يعقوب و يعتبر البشارة بالغلام الحليم هبة إجابة (اجابة لدعوة إبراهيم: هب لي من الصالحين) و البشارة الثانية إسحاق و يعقوب هبة نافلة زيادة. هبة إجابة و هبة نافلة هكذا فهمها الدكتور عدنان إبراهيم وفقه الله. أما أنا أقول إنا لله و إنا إليه راجعون، لطالما أقول لكي تفهم القرآن اقرأه في سياقه و بإذن الله سيتبين لك المعنى المقصود


لنبحث في أي سياق قال الله سبحانه و تعالى نافلة، فقط في سياق واحد في البشارة و هو الآية المذكورة من سورة الأنبياء: ((وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ)) و للأسف الدكتور عدنان إبراهيم لم يذكر كلام المفسرين بالمقصود بنافلة فإن أكثرهم على أن نافلة المقصود بها البشارة بيعقوب من وراء إسحاق، و منهم من قال نافلة عطية أو عطاء إضافي و هذان القولان هما أقرب إلى الصواب من كلام الدكتور عدنان إبراهيم إلا أنها ليست السبب في رأيي في قوله نافلة. بل السبب أن الله في سياق سورة الأنبياء يذكر امتنانه على إبراهيم عليه السلام و فضله واحدة بعد أخرى، اقرأ الآية التي قبل الآية التي استدل بها الدكتور عدنان إبراهيم لتفهم المعنى جيدا: (( وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72))) نجّاه الله إلى الأرض المباركة و هذه التنجية أليست من فضل الله و عطائه و رحمته بالعبد، ثم ذكر له عطية أخرى و هي ما وهبه الله لإبراهيم من الولد. و السياق واضح جدا و الحمدلله، و لهذا في بقية المواضع لا تجد كلمة نافلة عند البشارة. 


و إن أنت تأملت القرآن الكريم لوجدت أنه لم يذكر أحدا الله بالحلم غير نفسه و إبراهيم و الغلام الذي بشّر به إبراهيم. و أما غير الله فقد قالوا عن شعيب إنك لأنت الحليم الرشيد. ذكر إبراهيم بالحلم و ذلك في قوله: ((وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم)) و في قوله: ((إن إبراهيم لحليم أواه منيب)) و ابنه في آية سورة الصافات (فبشرناه بغلام حليم) و السياق ما يدلك على حلمه، و بما أن إسحاق نبي فلابد أنك ستجد أن فيه أكثر من نعوت الخير الشيء الكثير، ألسنا نقول عن الرسول صلى الله عليه و سلم أنه رسول رحيم و كريم و حليم و كذلك عن موسى و عيسى و غيرهم، تتعدد فيهم هذه الأخلاق الحسنة، و لا أعرف إنسانا قال أن النبي فقط يحق له أن يذكر بنعت واحد. فما ذهبوا إليه أن إسماعيل هو المقصود بالحليم في الآية فليس بدليل، لكن لا تفهم من كلامي أني أقول أن إسماعيل ليس بحليم، كلا لم أقل ذلك إنما أقول إستدلالهم ليس في موضعه. 


و إضافة لما سبق، عد إلى سياق آيات سورة الصافات، أولا دعا إبراهيم بعد أن ترك قومه (رب هب لي من الصالحين) و ماذا نقرأ في نهاية قصة الذبح: ((وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ)) أليس دليلا كافيا أن الاستجابة اكتملت هنا؟ إذ ما فائدة أن يرزقك الله الولد ثم لا يكون من الصالحين. و الغالب أن الأنبياء عندما يدعون الله الولد يريدون من يرث عنهم النبوة أو مثل ما يقولون باللغة الإنجليزية Legacy و ذلك بيّن ظاهر لمن تتبع آيات القرآن. ثم لاحظ أن إسحاق ذكر أنه من الصالحين في موضعين، في سورة الصافات (و بشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين) و في سورة الأنبياء في الآية: ((ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين)). ثم إنك إن قرأت التوراة لعرفت أن إسحاق بالفعل حليم، منذ بداية حياته و حتى مماته و يعرف ذلك كل قارئ للتوراة فمثلا قصته مع والده في الذبح، و قصته مع أبنائه يعقوب و عيسو أو العيص. 


و أخطأ الدكتور عدنان إبراهيم إذ خلط في معنوى عليم قرآنيا و واقعيا اليوم، فيقول: بخلاف صفة العلم، فالعلم لا يكون إلا بعد التحنك و اختبارات الحياة و تجاريبها وذلك لأنه خلط بتعريف العلم على حسب تعريفنا للعلم اليوم، و لكن إن عدت إلى القرآن فإن العلم ما يكون من الله وما يكون له علاقة بالأمور الدينية كالنبوة و علم الكتاب و غير ذلك و الدليل. (و وجدك ضالا فهدى) و (آتيناه حكما و علما) و هكذا المقصود بالعلم الأمور الدينية من النبوة و علم الكتاب و هذه الأشياء و لهذا تكون من لدن الله ((ولقد آتينا داوود وسليمان علما)) و ((ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين)) و يوسف أيضا: ((ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين)). فكما ترى العلم المقصود في هذه الآيات ليست العلوم التجريبية كما فهمها الدكتور عدنان إبراهيم فيما ظهر لي من كلامه.


في الحقيقة إن كون إسحاق غلام عليم يجعله أن يكون غلاما حليما، و كونه غلام حليم قد يُؤهله أن يكون غلاما عليما. و مما قد يُفهم منه اثبات علم إسحاق الغلام الحليم في سورة الصافات قوله: ((قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)) عرف أنه ليس من إبراهيم نفسه إنما أَمْر أُمِرَ به و كان على علم أن الأنبياء قد يأتيهم الوحي في الرؤيا أو الأوامر في الرؤيا. و لأنه يعلم أنه من أمر الله قال: ((سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)) و أظن أنه لا خلاف أن أكثر ما يعين على الصبر هو العلم بالمعنى القرآني و ليس بالمعنى المعاصر اليوم.


و قال فيما معناه أنه تأتي قصة الذبح مع قصة البشارة بإسحاق في ولا موضع، أقول له هذا صحيح إن تركت آيات سورة الصافات لكن إن أخذتها لعلمت لإسحاق علاقة قبل قصة الذبح و بعد قصة الذبح. فإن كان ما تقوله صحيحا فعليك أن تعلم أنه ليس هناك آية أو حتى إشارة يمكن أن يُفهم منها علاقة إسماعيل بالذبح، و ذلك لأن قصة الذبح وردت مرة واحدة في القرآن الكريم، و لكن في نفس السياق نجد إسحاق و بركة على إبراهيم و إسحاق و لم نجد في سياق هذه الآيات ذكرا لإسماعيل بل في الحقيقة لا تجد ذكرا لإسماعيل في سورة الصافات كلها ولا ذكر أي امتنان أو تكريم له و أما إسحاق فهو موجود في نفس السياق و قد ذكرت ذلك سابقا فعد إليه. 


و قد ذكر الدكتور عدنان إبراهيم رأي عبدالحميد الفراهي أن و باركنا عليه و على إسحاق عائدة على إسماعيل و إسحاق وليس إبراهيم و إسحاق. و سأنقل لكم كلامه: السبب الأول أن الحديث عن إبراهيم أصالةً تقريباً انتهى بقوله تبارك وتعالى إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ۩، كما انتهى الحديث عن نوح بـ سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ۩ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ۩ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ۩، وانتهى! ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ۩ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ۩، صار الكلام كذلك، وجاء الكلام عن إبراهيم، وقال إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ۩ أيضاً، انتهى! الآن استئناف قول جديد، والشيئ نفسه مع موسى وهارون، الشيئ نفسه! إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ۩، انتهى الكلام، شيئ عجيب! وكذلك مع إلياس، وَإِنَّ إِلْيَاسَ ۩… سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ ۩ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ۩ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ۩، الشيئ نفسه! شيئ عجيب. قال لك هذا هو الشيئ الأول. وماذا عن الشيئ الثاني؟ تدبَّر أنت، قال لك وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا ۩… ماذا لو جُعِلت الذرية هنا ذرية إبراهيم وإسحاق؟ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ۩، يُوجَد نوع من المُعاضَلة في المعنى هنا، لماذا؟ انتبه، قد تكون ذرية مُشترَكة بينهما، فيصير الموضوع تحصيلاً لحاصل، وإقحام إبراهيم سيصير وكأنه بلا فائدة، ما الذرية المُشترَكة؟ هي ذرية إبراهيم من جهة إسحاق، أي سيكون هناك إسحاق وابنه يعقوب وعيصو، أليس كذلك؟ عندنا عيصو وعندنا يعقوب… وهكذا! إذن فلماذا إبراهيم؟ القرآن يتنزه عن هذا، لكن لو لم تكن ذرية مُشترَكة، لاختلف الأمر. وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا ۩… ذرية إسماعيل، قد يقول لي أحدهم لا، مُمكِن أن تكون وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا ۩… ليست على سبيل الاشتراك، ذرية إبراهيم المخصوصة وذرية إسحاق المخصوصة. لا! تقع في مُصيبة كبيرة هنا، هل تعرف لماذا؟ ذرية إبراهيم وحدها المخصوصة وليست المُشترَكة بطريق إسحاق ليس فيها ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ۩، لأن ذرية إبراهيم المخصوصة مَن هم؟ إسماعيل عليه السلام وإسحاق. وكلاهما نبيان جليلان، أين الظلم هنا؟ لا يأتي. لكن لو عُدنا وقلنا وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا ۩… أي من ذرية إسماعيل (المخصوصة بإسماعيل) وذرية إسماعيل، لقلنا أي نعم، طبعاً من ذرية إسماعيل يُوجَد مُحْسِنٌ ۩… ويُوجَد منهم ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ۩، ومن ذرية إسحاق يُوجَد كذلك. ووجه قوي هذا على فكرة، لا أدري هل سبق أحد إليه قبل عبد الحميد الفراهي رحمة الله تعالى عليه -. 


أولا هذا الإستدلال ضعيف و ذلك لأن الأب و الإبن قد يشتركان في الذرية وليس هناك حرج لغوي، ألستم تقولون: ((رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) و من قال أن الذرية المقصود بها الذرية المباشرة أي إسحاق و إسماعيل أو إسحاق و يعقوب وماذا تعرف في التوراة عن أخو يعقوب الذي يسمى بعيسو أو العيص؟ المقصود في هذه الآيات ما سيكون منهما من بعدهما بزمن. و الدليل ما نجده في سورة البقرة: ((وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124))) تأمل قوله ظالم لنفسه مبين و قوله (لا ينال عهدي الظالمين) الظالمين! و أيضا في سورة الحديد: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ۖ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (26))) دائما قبل أن تأخذ برأي جديد اعرضه على القرآن لتعرف إن كان صحيحا أم لا،  بمجرد استقراء يسير لآيات القرآن لعرفت أن (و باركنا عليه) تعود على إبراهيم و ليس إسماعيل الذي ليس له ذكر في السورة كلها. إنما محاولة الاقحام و ذلك لسبب التأثر بالمرويات التاريخية الإسلامية و الله المستعان. و ابحث في القرآن لوجدت أن البركة بمعنى السياق في سورة الصافات أقرب إلى إسحاق و يعقوب من إسماعيل، اقرأ إن٫شئت: ((ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين)). إذن كل الدلائل القرآنية حتى الآن تشير إلى أن الذبيح هو إسحاق و ليس إسماعيل. 


و زيادة على ما سبق، فإني أريدك أن تتأمل آيات سورة الصافات ما تجد فيها؟ دعنا نقرأ الآيات من بداية ذكر قصة إبراهيم في سورة الصافات: ((وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)) فكما ترى بعد أن ترك قومه و اعتزلهم دعا الله أن يرزقه من الصالحين وهبه الله بغلام حليم، أليس كذلك؟ إذن متى جاءته البشرى بالغلام الحليم؟ بعد أن ترك قومه و نجّاه الله من كيد قومه.


كما قلت مرارا بأن القرآن يفسّر بعضها بعضا، دعنا نقرأ قصة إبراهيم في سورة مريم: ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50))) 


لاحظ بعد أن اعتزل قومه ماذا نجد في كلام الله: ((فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا)) لم يذكر إسماعيل البتة، و لا يمكن لأحد أن يشكك في القوم الذي تركهم إبراهيم في سورة الصافات و سورة مريم، الكل متفّق أنهما واحد و ذلك لقصته مع أبيه. و لاحظ الآية التي بعدها (و وهبنا لهم من رحمتنا و جعلنا لهم لسان صدق عليا) أليس فيها من معاني البركة و الرحمة كما في الآيات الأخرى (و باركنا عليه و على إسحاق)؟ فهل بعد بيان القرآن بيان؟ لا والله و لكنها العقول عندما تلعب بها المرويات لعبا فتشغّب على هذه الآيات البيّنات فيتخبّط الناس في فهم آيات الله.


كثير من المفسرين اعتمد على مرويات ضعيفة تثبت أن الذبيح هو إسماعيل و أعني بالتحديد الرواية المنسوبة إلى معاوية بن أبي سفيان: ((سمعتُ رجلًا يقولُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : يا ابنَ الذبيحينِ؛ فضحك النبيُّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ . ثمَّ قال معاويةُ : إنَّ عبدَ المطلبِ لما حفر بئرَ زمزمَ ، نذر للهِ إنْ سهَّلَ عليه أمرَها لَيذبحنَّ أحدَ ولدِه له ، فسهَّلَ اللهُ عليه أمرَها ، فوقع السهمُ على عبدِ اللهِ ، فمنعه أخوالُ بنو مخزومٍ ، وقالوا : افْدِ ابنَك : ففداه بمئةٍ من الإبلِ ، وهو الذبيحُ ، وإسماعيلُ هو الذبيحُ الثاني)) و قد حكم على هذا الحديث العلماء بالضعف. و لن تجد والحمدلله حديثا واحدا عن الرسول صلى الله عليه و سلم ما يثبت أن إسماعيل هو الذبيح بسند صحيح لا مقال فيه. 


و إني لأتعجّب من بعض القوم، إنهم يزعمون أن ابن مسعود عالم من علماء القرآن ثم لا يأخذون بكلامه و السند إلى إبن مسعود أقوى من السند إلى معاوية بن أبي سفيان. و أنقل لكم رواية في سير أعلام النبلاء للذهبي عن عوف بن مالك بن نضلة: فاخرَ أسماءُ بنُ خارجةَ رجُلًا فقالَ : أنا ابنُ الأشياخِ الكِرامِ ، فقال ابنُ مَسعودٍ : ذاكَ يَعقوبُ بنُ إسحاقَ الذَّبيحَ بنِ إبراهيمَ الخَليلِ


فكما تبيّن لك إن القرآن يصدّق التوراة في قصة الذبيح و كذلك التوراة تصدّق القرآن في أن الذبيح هو إسماعيل و هذا حسبك. و كيف و قد عرفت أن جمع من الصحابة و التابعين على هذا إن صحّت الرواية عنهم و أهل الكتاب مجمعون على هذا و كثير من مؤرخي الإسلام. 


و لعل الإشكال الذي بسببه وقع فيه المسلمون على أن الذبيح هو إسماعيل ما ظنوه تحريفا من اليهود للتوراة بتغيير إسم إسماعيل إلى إسحاق و ذلك في سفر التكوين الإصحاح الثاني و العشرين: حيث نجد فيه: “1 وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا». 2 فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ». فقالوا إن سفر التكوين نفسه يثبت أن إسماعيل هو ابن جاريته هاجر و في الإصحاح الذي قبله فيه ذكره، و أيضا إسماعيل أكبر من إسحاق بكذا و كذا سنة، فكيف إذن هنا قال خذ ابنك وحيدك؟ ألا يدل هذا على التحريف و أن التوراة لم تسلم من تحريف اليهود و حسدهم؟ إذ كيف يكون وحيده و إبراهيم رزقه الله كل من إسماعيل و إسحاق؟ و هذا الإشكال يعد إشكالا كبيرا حتى عند أهل الكتاب و قد استدل كثير من المسلمين على تحريف التوراة بسبب هذا النص.


و لكن أقول أن المسلمين الذين جعلوا من التوراة محرّفة و استنادهم على هذا غير صحيح. و إني أقدّم هنا إجابة قد لا تجدها عند المسلمين و أهل الكتاب و هو يعرض حلا لهذا الإشكال.


أولا إن كانت التوراة محرّفة لم يكن ليغفل المحرفون جميع المواضع التي تثبت أن إسماعيل من ولد إبراهيم، و كيف و الإصحاح الذي قبله فقط فيه ذكر ذلك، فهل يعني أنهم أغبياء إلى هذه الدرجة يحرفون قصة الذبيح و لا ينتبهون لهذا؟ لا أكاد أصدّق أن يكون إنسان أو جماعة استطاعت إن صحت التهمة عليهم بتحريف كتاب الله و لا ينتبهون إلى كل تلك المواضع التي تثبت أن إسماعيل من ولد إبراهيم، ببساطة لا يدخل العقل. 


الأمر الثاني، من تتبع التوراة لوجد أن القربان و البركة الإلهية المفترض أن يكون دائما للبكر، للبكر من الإنسان و الحيوان و الطيور…الخ و هذا يعرفه من له معرفة يسيرة بالتاريخ. و كذلك النذور يفعلون ذلك (راجع قصة ابني آدم في التوراة، و راجع قصة نوح، و قصة يعقوب و أخوه عيسو و إسحاق، و قصة يعقوب و يوسف و إخوته و راجع الطقوس التعبدية في بني إسرائيل بعد أن خرج بهم موسى…الخ و راجع قصة نذر أم مريم أم المسيح و غيرها كثير). فإن فهمت ذلك لعرفت لم قال عن إسحاق (ابنك وحيدك)، قد تقول كيف ذلك و التوراة تثبت أن إسماعيل كان قبل إسحاق و هو البكر. 


أقول لك لم تفهم بعد، فإن إسماعيل كان ابن الجارية هاجر، وليس من قوم إبراهيم بل كانت خادمة لسارة من مصر. و مثل هذا الارتباط لا يعتبر به البنوة التي يكون فيها وراثة النبوة و ما يُعرف بالLegacy. بل سارة هي التي كانت ابنة عم إبراهيم و من قومه و لم تكن خادمة بل حرة كاملة الحرية فلهذا يعتبر إسحاق هو إبن الوحيد المستحق ليرث إبراهيم النبوة و الكتاب. و هذا ما يظهر جليا من التوراة نفسها في الإصحاح الحادي و العشرين من سفر التكوين و البداية من كلام سارة: ((10 فَقَالَتْ لإِبْرَاهِيمَ: «اطْرُدْ هذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لأَنَّ ابْنَ هذِهِ الْجَارِيَةِ لاَ يَرِثُ مَعَ ابْنِي إِسْحَاقَ». 11 فَقَبُحَ الْكَلاَمُ جِدًّا فِي عَيْنَيْ إِبْرَاهِيمَ لِسَبَبِ ابْنِهِ. 12 فَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. 13 وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ».)) إذن المقصود بالوراثة الرسمية بما كان متعارفها عندهم هو إسحاق و ليس إسماعيل. و هذه الثانية. 


و حادثة الذبح و الذي فيها: (خذ ابنك وحيدك) بعد أن ترك إبراهيم هاجر و إسماعيل في واد غير ذي زرع، فلم يبقى مع إبراهيم أثناء قصة الذبح غير إسحاق و هو البكر الذي سيرثه. فإن قلت كيف تفعل سارة ذلك، نقول لك لا نعرف التفاصيل و حتى إن عرفنا فإن سارة غير معصومة، فإن قلت ماذا تقول إذن في إبراهيم و كيف أخذ بأمرها و ترك ابنه إسماعيل في الواد، أقول لك إن إبراهيم لم يأخذ برأيها بل فعل ذلك بعد أن جاءه الوحي: «لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. 13 وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ».)) فعرف أن ذلك من الذي يشاؤه الله. ثم اعلم أن البشرى كانت لإبراهيم و سارة و ليس لإبراهيم فحسب، اقرأ قول الله عز و جل: ((وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ)). 


و هناك أمر آخر أيضا أن الله قد جعل العهد الذي بينه و بين إبراهيم و وعده إياه بأنه سيكثر ذريته، أعني العهد المعروف كان متعلّق بذرية إبراهيم من إسحاق. و الدليل على ما قلت من أن البشارة طالت سارة و ذريتها أيضا، و أن العهد الذي كان بين الله و إبراهيم سيكون باقيا في ذريته من سارة. و دونك هذه النصوص من الإصحاح السابع عشر من سفر التكوين توضّح المسألة: “1 وَلَمَّا كَانَ أَبْرَامُ ابْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ لَهُ: «أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلًا، 2 فَأَجْعَلَ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَأُكَثِّرَكَ كَثِيرًا جِدًّا». 3 فَسَقَطَ أَبْرَامُ عَلَى وَجْهِهِ. وَتَكَلَّمَ اللهُ مَعَهُ قَائِلًا: 4 «أَمَّا أَنَا فَهُوَذَا عَهْدِي مَعَكَ، وَتَكُونُ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ، 5 فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ. 6 وَأُثْمِرُكَ كَثِيرًا جِدًّا، وَأَجْعَلُكَ أُمَمًا، وَمُلُوكٌ مِنْكَ يَخْرُجُونَ. 7 وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ، عَهْدًا أَبَدِيًّا، لأَكُونَ إِلهًا لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ. 8 وَأُعْطِي لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ، كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا. وَأَكُونُ إِلهَهُمْ». 9 وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيم: «وَأَمَّا أَنْتَ فَتَحْفَظُ عَهْدِي، أَنْتَ وَنَسْلُكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ. 10 هذَا هُوَ عَهْدِي الَّذِي تَحْفَظُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ: يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ، 11 فَتُخْتَنُونَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِكُمْ، فَيَكُونُ عَلاَمَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. 12 اِبْنَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ فِي أَجْيَالِكُمْ: وَلِيدُ الْبَيْتِ، وَالْمُبْتَاعُ بِفِضَّةٍ مِنْ كُلِّ ابْنِ غَرِيبٍ لَيْسَ مِنْ نَسْلِكَ. 13 يُخْتَنُ خِتَانًا وَلِيدُ بَيْتِكَ وَالْمُبْتَاعُ بِفِضَّتِكَ، فَيَكُونُ عَهْدِي فِي لَحْمِكُمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا. 14 وَأَمَّا الذَّكَرُ الأَغْلَفُ الَّذِي لاَ يُخْتَنُ فِي لَحْمِ غُرْلَتِهِ فَتُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا. إِنَّهُ قَدْ نَكَثَ عَهْدِي». 15 وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «سَارَايُ امْرَأَتُكَ لاَ تَدْعُو اسْمَهَا سَارَايَ، بَلِ اسْمُهَا سَارَةُ. 16 وَأُبَارِكُهَا وَأُعْطِيكَ أَيْضًا مِنْهَا ابْنًا. أُبَارِكُهَا فَتَكُونُ أُمَمًا، وَمُلُوكُ شُعُوبٍ مِنْهَا يَكُونُونَ». 17 فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ، وَقَالَ فِي قَلْبِهِ: «هَلْ يُولَدُ لابْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟ وَهَلْ تَلِدُ سَارَةُ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً؟». 18 وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ للهِ: «لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ!». 19 فَقَالَ اللهُ: «بَلْ سَارَةُ امْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ إِسْحَاقَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْدًا أَبَدِيًّا لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ. 20 وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. اِثْنَيْ عَشَرَ رَئِيسًا يَلِدُ، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً. 21 وَلكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ الَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هذَا الْوَقْتِ فِي السَّنَةِ الآتِيَةِ». تأمل قوله (بل سارة امرأتك تلد لك ابنا و تدعو اسمه إسحاق. و أقيم عهدي معه عهدا أبديا لنسله من بعده و كذلك تأمل آخر نص: (و لكن عهدي أقيمه مع إسحاق الذي تلده لك سارة) إذن الواضح أن العهد كان خاص بذريته من إسحاق. و أيضا انتبه لقوله: (وَلِيدُ الْبَيْتِ، وَالْمُبْتَاعُ بِفِضَّةٍ مِنْ كُلِّ ابْنِ غَرِيبٍ لَيْسَ مِنْ نَسْلِكَ.) من كل ابن غريب ليس من نسلك، ونعلم جميعا أن هاجر تعتبر أمة غريبة ليست من قوم إبراهيم بل من مصر و كانت أَمَة تحت سارة أي صار إسماعيل ابن غريبة أي ليس من قومه فلهذا عندما جاءت قصة الذبح قال خذ ابنك وحيدك إسحاق لأنه هذا البكر الذي كان من قومه و الوحيد الذي أقام الله معه العهد. فإذا تبيّن لك ذلك فهمت أيضا لم إسماعيل نجده بشكل دائم في سياق مختلف عن إسحاق و يعقوب في القرآن. فإن قلت لم اختار الله إسحاق و لم يختر إسماعيل، أقول: ((وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ ۖ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70))) 


و من العجائب أنه المطلوب البكر إلا أنه بمشيئة الله الذي يتقبل و يبارك عليه يكون الثاني و في كثير من الأحيان يكون له الأفضلية، راجع قصة ابني آدم في التوراة، و راجع قصة إسماعيل و إسحاق و قصة إسحاق مع يعقوب و عيسو و قصة يعقوب و أبناء يوسف و موسى و هارون و غيرهم. و بهذا أكون قد حللت الإشكالية التي كانت واردة و غير مفهومة عند المسلمين و غير المسلمين و أرجو الله أن أكون مصيبا فيها. 


كتبه،

عبدالعزيز النظري

No comments:

Post a Comment