Saturday, November 30, 2013

لا تؤمن بي


قد تستغربون عنوان هذه المشاركة, اخترت هذا العنوان أولا لجذبك أيها القارئ الكريم, و ثانيا لانتشار ظاهرة الإيمان بالآخرين. أما عن جواز هذا الإيمان وغيره فلن أتطرّق إليه, ولكن هنا سأكتب عن خطورة الإيمان بي وبغيري و بالمجتمع وبالنمط السائد والطائفة والحزب...الخ أما خطورة هذا الإيمان لأنه يؤدي عادة إلى الشرك بالله من غير أن نشعر, وقبل أن تتساءل كيف ذلك, أذكرك بحال المشركين عبدة الأصنام... كيف تظن أنهم أشركوا بالله؟ لعله ظنّ كبراؤهم بأن هذه الأصنام تنفع وتضر وترزق وغير ذلك, فما كان من المجتمع حينها إلا أن آمنوا بمقولة هؤلاء المشركين فعبدوها من دون الله ولعل من عبد لا يعلم ما تعني الآلهة ولا يعلم معنى العبادة ولكنه يغضب غضبا شديدا إن أنكر عليه أحد بأن عمله هذا (عبادة الأصنام) عمل غير صالح وسبب هذا الغضب انفعالاته, وتثور مشاعره لأنه يظن بأن هذا المؤثر الخارجي يعكر صفو مشاعره تجاه من يؤمن به.

بيان ما سبق, كم منا اليوم يدافع عن فكرة أو عقيدة من العقائد فقط لأن هذا هو السائد في مجتمعه؟ مثال ذلك, كم تسمع في قصص الصالحين من ذهب ينصح قومه فرموه بالحجارة بل شارك في هذا الرجم بالحجارة الأطفال الصغار؟ ولعل فيما يروى عن قصة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوته في الطائف عبرة عظيمة لنا. هؤلاء الأطفال فعلوا ما فعلوا ليس ادراكا منهم بخطورة هذا الرجل, بل ربما لا يدركون الفرق بين الخير والشر ولكنهم فعلوا ذلك لأنهم آمنوا بكبراء قومهم, آمنوا بآبائهم وأمهاتهم ففعلوا فعلة لو أدركوا حقيقتها وخطورتها وعظمها, لتمنى أحدهم أن تقع عليه السماوات السبع قبل أن يقدم عليها. لمزيد من التوضيح, دولة من الدول, تبنّت فكرة معينة او اتخذت قرارا, تجد أن شعب هذه الدولة كله يشيد بأفكار الدولة وقراراتها وربما غالب الشعب لا يعرف ما هي الفكرة التي تبنّتها (أقصد لا يدرك حقيقتها وفوائدها وأضرارها, يدرك اسمها فقط), ولا يعرف ما هي الآثار المترتبة على القرارات المتخذة وما هي فوائدها وغير ذلك ولكن مواطن هذه الدولة يشيد بالفكرة أو المسابقة أو غير ذلك لأنه مؤمن بالدولة أو الحكومة او النظام (سمّه ما شئت) فقط لأنه مؤمن بالجماعة التي هو فيها من غير ادراك شخصي لما يؤمن به حقيقة فإن أتت حكومة أخرى وبينت أن هذه الفكرة خطيرة جدا وأن هذه المسابقة تؤدي إلى قتل كثير من البشر وغير ذلك غضبت الأولى وغضب معهم الشعب لأنهم مؤمنون بعضهم ببعض, وقس على ذلك على المستوى الفردي والجماعي.

أما على مستوى العقائد, فقد سبق وقلت بأن المشركين أشركوا ربما بسبب إيمان الغالبية بعضهم ببعض, وعلى المستوى الإسلامي, تجد أهل الحديث لا يكادون يجرؤون على تصحيح حديث ضعفه البخاري ولا تضعيف حديث صححه البخاري بالرغم من توفر الأدلة على خلاف ما ذهب إليه البخاري, لماذا يا ترى؟ لأنهم آمنوا بالبخاري, آمنوا بأنه الأعلم في هذا الباب وبهذا فإن أتى عالم آخر لم يقبلوا قوله بل ربما اتهموه بالزندقة خاصة إن كان من علماء الخلف لأنه يخالف البخاري فقط من غير ادراك أدلة هذا المخالف أو حتى قراءتها فكأنهم جعلوا البخاري في قلوبهم وثنا يعبد من دون الله. تجد السلفي لا يكاد يخالف منهج الألباني وابن باز وابن عثيمين, وكذلك تجد الشيعي لا يكاد يخالف منهج الكوراني والحيدري وغيرهم وهكذا... ليس لأنهم مقتنعون بأدلة هذا أو ذاك ولكنهم مؤمنون بأشخاصهم فبالتالي آمنوا بأفكار هم لا يدركونها ولا يعقلونها, مجرد إيمان غير قائم على تحليل واختيار عقلي إلا من رحم ربك. فإن قلت إن الألباني أخطأ في هذه المسألة, لقامت قيامة البعض ويغضب ويثور ولعله لن يرتاح إلا أن تختفي من الوجود! حتى إن قلت له, قال الله وقال رسوله و هذه أدلتي الأول والثاني والثالث. هؤلاء آمنوا بالألباني ولم يؤمنوا بما آمن به الألباني. ملاحظة: أبدا لا أقصد تنقص أي من الأفكار والأطراف والأشخاص , ولا أزعم أن هذا هو الغالب ولكن هذا موجود ولا ينكره إلا إنسان يكابر الواقع وهذه الأمثلة تساعد على فهم ما أنا ذاهب إليه)

قد تقول ما منبع هذه الفكرة في مخيّلتك, أقول لك المنبع قول الله سبحانه وتعالى: ((وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِين)) قالها ابراهيم عليه الصلاة والسلام منكرا على قومه. تأملت هذه الآية وتفكّرت فيها, فقلت لم قال الله سبحانه وتعالى يكفر بعضكم ببعض, فقلت لعل سبب ذلك أنهم في الدنيا آمنوا بعضهم ببعض, وكان نتيجة هذا الإيمان تقليدهم بعضهم بعضا فناسب أن يكفروا ببعض يوم القيامة والله أعلم. ثم أرجوك أن تعطي هذه الآية ولو قليلا من التأمل, لوجدت فيها: ((إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) وكأن فيها إجابة عن سبب إيمان الناس بعضهم ببعض! تأمّلت معظم الفرق الإسلامية بل معظم الديانات والحكومات بل كثير من الناس لا ينفكون عن ذلك, كما وضحت في هذه المشاركة, إنما يؤمن الشعب بالحكومة مودة بينهم في الحياة الدنيا (من أجل فلان ومن أجل خاطر علان) بغض النظر عن ما تؤمن به الحكومة, و كذلك اليهود والنصارى والهندوس وأيضا المسلمين. فأهل الحديث مثلا لا يجرؤون على مخالفة أهل الحديث مودة بينهم في الحياة الدنيا لأنهم لا يستطيعون تحمل الذم أو لا يستطيعون تحمل إن وصفوا بالزندقة وغير ذلك, والسلفية لا يخالفون بعضهم البعض كي لا يتم تبديعهم (مودة في الحياة الدنيا) و كذلك الإخوان ربما يتهمون الحكومة بالكفر لأنهم آمنوا برموز وعناصر الحزب الذي ينتمون إليه وقس على هذا الشيعة والصوفية والأشاعرة وجميع الفرق والمذاهب الإسلامية. وبما أنهم آمنوا ببعضهم البعض من دون إدراك بما يؤمن به الطرف الآخر أو تعقّل, وبما أن يوم القيامة يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ويأتي كل منا ربه فردا, يومها سيكفر بهذا وذاك, وربما كان من القائلين: ((رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا)) وما حال هذا حينما يأتيه الجواب: ((قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ)) أعوذ بالله أن نكون منهم.

قد تقول ما هذا الخطر العظيم الذي ذكرته, إننا واقعون في مثل ما وصفت! فما الحل؟ الحل أيها القارئ أن تترك الإيمان بهؤلاء وتؤمن بالله العلي العظيم إيمانا حقيقيا. إن كنت لا محال مؤمنا بما يؤمن به من تؤمن به, فحاول أن تدرك وتقتنع بما يؤمنون به ولا يكون إيمانك من غير اقتناع وادراك! فلا يكون إيمانك مجرد إيمان اتباع للنمط السائد ومودة في الحياة الدنيا. الحقيقة تدبرت القرآن فلم أجد الله عز و جل يحث الناس بأن يؤمنوا بعضهم ببعض ولا بأفكارهم ولكن أمرهم بالإيمان به سبحانه وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لأن هذا الإيمان لا تشوبه شائبة. إن آمنت بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وإن لم تدرك بعض معاني أقواله صلى الله عليه وسلم لم تكن في خطر يوم القيامة بإذن الله لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى وقد عصمه الله من أن يبلغ عن الله الخطأ أما العلماء من بعده والطوائف والدول والشعوب كلها قابلة للخطأ فلذلك كان مطلوبا منك أيها الإنسان أن تعمل عقلك وأن لا تجحد هذه النعمة العظيمة التي أنعم الله عليك. أقصد بالنعمة, نعمة العقل و الاختيار. فانظر ما يدعو إليه الناس وتأمل وادرك فإن اقتنعت بقوله و وجدته موافقة لكتاب الله وسنة نبيه فهذا هو المطلوب وإن كان غير ذلك فلا عليك إن كان الناس كلهم مؤمنون بهذا القول وأنت الوحيد الذي لا تؤمن. كتبت قبل أعوام مشاركة بالإنجليزية عن نفس الموضوع, وكان الحل أن تجتنب كل هؤلاء وتخلو بنفسك وتدرس هذه الأفكار التي تؤمن بها والتي خالفك فيها الناس وتتأمل من غير عصبية أو انتماء إلى فرقة من الفرق, ثم اعمل قاضي العقل واختر بعدها ما شئت.

في هذه المشاركة, أدعو أبي وأمي, فأقول لأبي لا تؤمن بالعلماء الذين وثقت بهم من دون ادراك منك لما يُؤمنون به, حاول أن تدرك ما يقولونه ثم ان اقتنعت فاختر ما شئت! وكذلك أقول لأمي, لا تؤمني بأبي, ولا يحملنّك الثقة و حب أبي أن تؤمني به بحيث تؤمنين بكل ما يأتي به وتكفرين بكل ما يخالفه فإن يوم القيامة لن يغنيك أبي شيئا. وكذلك أقول لإخواني الذين ينصرون أقوالي وأفكاري أو يخالفونها, لا تؤمنوا بي ولا تكفروا بما آمنت به, ابحثوا فيما أقول فإن كان مقنعا زنوا أفكاري وأقوالي بكتاب الله وسنة نبيه, فإن كان موافقا فآمنوا بما آمنت به ولا تؤمنوا بي شخصيا وأقول كما قال من سبقني: "إياكم أن تربطوا الحق الذي أدعوكم إليه, بشخصي المذنب الفاني. ولكن عليكم أن تبادروا فتربطوه بينبوعه الأقدس: "كتاب الله وسنة نبيه" فلتعلموا إخواني أنني إنسان غير معصوم, قد يفرط مني ذنب أو يبدر مني انحراف, فيتشوّه مظهر الحق الذي ربطتموه بي بذلك الذنب أو الانحراف ومثل هذا يحدث مع جميع البشر من السلف والخلف. أقول لمن يكفر بما آمنت به, تمهّل وحاول أن تدرك ما آمنت به فإن لم تقتنع به بل وجدته يخالف كتاب الله وسنة نبيه فلا أطلب منك أن تكفر به فقط بل تنبهني وتحاول أن تعيدني إلى حضيرة الإيمان الصافي ثم تبحث عن ما يوافق كتاب الله وتتمسك به. أقول لبني عمي وأصحابي لا يغرنّكم فكرة تبنّاها سني أو شيعي, يهودي أو نصراني, أوباما أو غيره, القرضاوي أو عدنان ابراهيم, العريفي أو الحويني, لا تؤمنوا بهؤلاء, ولكن ابحثوا عن الحق الذي ستؤمنون به عن اقتناع وعقل ولا تؤمنوا بسبب مودة في الحياة الدنيا فإنها بضع سنوات وتجدون أنفسكم في يوم عظيم قمتم وقد عرضتم للحساب...

أخيرا قد تقول أيها القارئ الكريم ومن أنا كي أخالف العلماء, ومن أنا كي أخالف دولة بأكملها, ومن أنا لأتبنى فكرة ليس على الأرض غيري يتبناها! أقول لك أيها الإنسان بأنك ابن الذي أخبرنا الله عنه في كتابه: ((إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)), أنت يا عزيزي القارئ من الذين قال الله عنهم: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)) إنك من جنس البشر الذين أكرمهم الله وإنها لمنقبة أن تكون من الذين أكرمهم الله وفضلهم على كثير من خلقه! أنت أيها القارئ من قال الله عن خلقته: ((لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم)) أنت أيها الإنسان مخاطب في أعظم كتاب, في القرآن الكريم, كما مرة تجد: (يا أيها الذين آمنوا) و (يا أيها الناس) و (يا أيها الإنسان) فتخيل معي, رب العالمين يخاطبك أنت في كتابه, ويوم القيامة تأتيه فردا وهو بنفسه يقضي لك بالجنة أو النار فيا الله ما أعظم شأنك لو كنت تفقه, ثم تقول من أنا!؟ أقول لك اقرأ القرآن لتعرف من أنت..

3 comments:

  1. thank you for sharing this is what I came into realisation after long search, it feels good after all

    @sar0ny

    ReplyDelete
  2. You are welcome Sara, I am glad you kept searching and starting to realize such things. All the best

    ReplyDelete
  3. السلام عليكم، كلامكم فيه صواب و اشتباه. انظروا في القرآن أين يجب أن تقع المودة. يجب الفحص في المودة التي بيننا صحيح و لكن يجب عدم الابتعاد عن المودة الحقيقية التي يجب أن تكون بيننا و هي مودة ناس من غير الله. أتمنى لكم التوفيق في حصول هذا المعنى من كتاب ربكم و ربي. و شكرت

    ReplyDelete